• صكُّ بيعة الغدير المحمّدية العلويّة ومضمونها – الشيخ الغزي
– سأقف عند أهمّ بندٍ في صكّ البيعة الغَديرية.. يقول خاتم الأنبياء “صلّى الله عليه وآله” في كتاب [إقبال الأعمال]:
(معاشر الناس تدبّروا القرآن وافهموا آياته ومُحكماته ولا تتّبعوا مُتشابهه، فو الله لا يُوضّح تفسيره إلّا الذي أنا آخذ بيده ورافعها بيدي، ومُعلّمكم إنّ مَن كنت مولاه فهو مولاه وهو علي..)
علماً أنّ القرآن هو نفسه بيّن لنا الجهة التي نأخذُ منها فَهْمنا للقرآن حِين قال: {وما يعلمُ تأويلَهُ إلّا الله والراسخون في العِلْم}.. فنحن لا نستطيع أن نفهم آيات القرآن ومُحكماته إلّا مِن خلال الرجوع لِهذه الجهة التي تحدّث عنها القرآن وحصر معرفة حقيقة الكتاب فيها وهم الراسخون في العلم.
فصكّ البيعة جعل تفسير القرآن توأماً لولاية عليّ.. فكما أنّ ولاية عليّ واجبةٌ في الأعناق، فكذلك التفسير العَلَوي واجبٌ في الأعناق.. فلابُدّ أن نأخذ التفسير مِن عليّ فقط وفقط.
إذا كُنتم شيعة فعلاً.. فهذهِ شروط بيعة الغَدير.. فأين تطبيق هذهِ الشروط عند مَراجعنا وفُقهائنا..؟! أرشدونا في أيّ تفسير من تفاسيرهم؟! كُلّ تفاسيرهم التي كتبوها هي مُخالفة لشروط بيعة الغدير هذهِ، فتفاسيرهم مُخالفة لمنطق أهل البيت وموافقة لذوق المُخالفين!
– إلى أن يقول خاتم الأنبياء “صلّى الله عليه وآله”: (ألا مَن كنتُ مولاهُ فهذا عليٌ مولاهُ، الّلهمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ وانصرْ مَن نصره، واخذلْ مَن خذلهُ، إنّما أكملَ اللهُ لكم دِينكم بولايتهِ وإمامته..)
قول رسول الله (الّلهمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) النبي هُنا يدعو للذين علامتهم في ولايتهم لعليّ هي أن يأخذوا التفسير مِن عليّ وآل علي.. وحِين يقول: (وعادِ مَن عاداهُ..) فأوّل صِفة في هذا المُعادي أنّه لا يأخذ التفسير مِن عليّ.
– قد يقول قائل: ولكنّنا نُحبّ علياً ونُواليه ونسعى في طاعتهِ.. وأقول: نعم، ولكن حينما لا تأخذون التفسير مِن عليّ فهل ينطبِق عليكم هذا الشقّ مِن قول رسول الله (الّلهمّ والِ مَن والاهُ)؟!
كما ذكرتُ لكم: هُناك منهج السقيفة، وهناك تشيّعٌ للعلماء، وهناك تشيّعٌ لأهل البيت لا وُجود له على أرض الواقع.. فالعلماء سلكوا مسلكاً خلطوا فيه بين السقيفة وبين ما جاء عن أهل البيت.. هذهِ هي الحقيقة.
– إلى أن يقول سيّد الكائنات “صلّى الله عليه وآله”: (أنا صراطُ الله المستقيم الذي آمُركم أن تسلكوا الهُدى إليه، ثمَّ عليٌ مِن بعدي، ثمّ وُلْدي مِن صُلبه أئمةً يهدون بالحقّ، إنّي قد بيّنتُ لكم وفهَّمتُكم: هذا عليٌ يُفهّمكم بعْدي..) فالفَهْم والتفهيم مِن عليّ يا شيعة عليّ.
– إلى أن يقول سيّد الكائنات وهو يتحدّث عن مَراسم البيعة: (ألا وإنّي عند انقطاع خُطبتي أدعوكم إلى مُصافحتي على بيعتهِ والإقرار لهُ بولايته، ألا إنّي بايعتُ لله وعليٌ بايعَ لي وأنا آخذكم بالبيعةِ له عن الله، فمَن نكثَ فإنّما ينكثُ على نفسه..)
– إلى أن يقول “صلّى الله عليه وآله”: (معاشر الناس أنتم أكثر من أن تُصافحوني بكفٍّ واحدة – يعني أنّ القضيّة ليستْ مجرّد طقوس – قد أمرني الله أن آخذَ مِن ألسنتكم الإقرار بما عقدتم – في قلوبكم – الإمرة لعليّ بن أبي طالب ومَن جاء مِن بعده من الأئمة منّي ومنهُ على ما أعلمتكم أن ذريتي مِن صُلبه، فيبلّغ الحاضر الغائب، فقولوا سامعين مُطيعين راضين لِمَا بلّغتَ عن ربّك، تبايعك على ذلك قُلوبنا وألسنتنا وأيدينا على ذلك نحيا ونموت ونُبعَث لا نغير ولا نبدّل ولا نشكُّ ولا نرتاب، أعطينا بذلك الله وإيّاك وعليّاً والحسن والحسين والأئمة الذين ذكرتَ كلّ عهْدٍ وميثاق مِن قُلوبنا وألسنتنا ونحنُ لا نبتغي بذلكَ بدلاً، ونَحنُ نؤدّي ذلك إلى كلّ مَن رأينا، فبادر الناس بنعم نعم سمعْنا وأطعْنا أمْر الله وأمر رسوله آمنا به بقلوبنا – مجرّد كلام، ولكنّهم لم يُفعّلوا ذلك – وتداكّوا على رسول الله وعليّ بأيديهم إلى أن صُلّيتْ الظهر والعَصرْ في وقت واحد.. – هذا الذي بَقيَ وطُبّق مِن بيعة الغَدير: الجمع بين صلاة الظُهرين! وإلّا فإنّ المؤسسة الدينية جرّدت الصلاة مِن ذِكْر عليّ-)
فأين هذهِ المضامين المذكور في صكّ بيعة الغدير مِن تفاسير فقهائنا ومراجعنا..؟! لِماذا تفاسيرهم تتناقض مع هذه المضامين 100%؟
ولِماذا أنتم تُصفّقون لهؤلاء الخُطباء الذين ينقضون بيعة الغدير وتردّون على الذين يُطالبون المؤسسة الدينية الشيعية أن تعود فتَفيَ بشروط بيعة الغَدير بحسب هذا الصكّ المُحمّدي؟!!
سأضرب لكم مِثالاً: وقفة عند ما يقوله سيّد الأوصياء في نهج البلاغة في الخطبة 109، يقول:
(سُبحانك خالقاً ومعبوداً بحُسْن بلائكَ عند خلقك، خلقتَ داراً – أي الجنّة – وجعلتَ فيها مأدبةَ: مشْرباً، ومطعماً، وأزواجاً، وخَدَماً، وقُصوراً، وأنهاراً، وزُروعاً، وثماراً، ثمّ أرسلتَ داعياً يدعو إليها – أي إلى هذهِ المأدبة – فلا الداعى أجابوا – أي الخَلْق- ولا فيما رغَّبتَ إليه رغبوا، ولا إلى ما شوَّقتَ إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفةٍ افتضحوا بأكلها – يُشير إلى الدُنيا – واصطلحوا على حُبّها، ومَن عَشِق شيئاً أعشى بصرهُ، وأمرضَ قلبه، فهو ينظرُ بعينٍ غيرِ صحيحة، ويسمع بأذنٍ غير سميعة، قد خرقتْ الشهوات عقله، وأماتتْ الدُنيا قلبه، وولهت عليها نفسه فهو عبدٌ لها، ولِمَن في يدهِ شيءٌ منها: حيثما زالتْ زال إليها، وحيثما أقبلتْ أقبلَ عليها..)
– نفس هذا المضمون موجود في حديث سيّد الأوصياء في [الكافي الشريف: ج1] يقول في حديثٍ طويل:
(فلا سواءٌ مَن اعتصم الناس بهِ، ولا سواءٌ حيثُ ذهبَ الناس إلى عُيون كَدِرة يَفْرغُ بعضُها في بعْض، وذَهَب مَن ذَهَب إلينا إلى عُيون صافية تجري بأمْر ربّها، لا نفادَ لها ولا انقطاع..)
– سيّد الأوصياء في نهج البلاغة: (وهذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدفّتين لا ينطقُ بلسان، ولا بُدّ له مِن ترجمان، وإنّما ينطق عنه الرجال)
فهذا الذي يتحدّث به المراجع والفقهاء والمُفسّرون عن قُدرتهم على استنطاق القرآن وتفسير القرآن والمُقارنات والمُقايسات كلّه هراء في هراء وسيّد الأوصياء يُؤكّد ذلك.
أمّا الرجال الذين ينطقون عن القرآن فهم المذكورون في قولهِ تعالى: {وعلى الأعراف رجال} وسيأتي الحديث عنهم لاحقاً حين نَصِل إلى سُورة الأعراف.
هؤلاء الرجال هُم التُرجمان للقُرآن، كما نقرأ في زيارة آل ياسين (السلامُ عليكَ يا تالي كِتاب الله وترجمانه)
وكذلك نقرأ نفس هذا المعنى في المقاطع الأولى من الزيارة الجامعة الكبيرة أنّ أهل البيت هم تراجمةُ وحيّ الله.
– وقفة عند كلام سيّد الأوصياء في لخُطبة 158 من [نهج البلاغة] يقول:
(ذلك القرآن فاستنطِقوه ولن ينطق، لكنْ أُخبركم عنه، ألا إنّ فيه علْم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظْمَ ما بينكم).