شق القمر من جملة المعجزات المشهودة والمشهورة لنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي معجزة شق القمر , ووقوع هذه المعجزة متفق عليه بين جميع المسلمين , فقد صرح بها القرآن الكريم في قوله تعالى: ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) والذي يجب الاعتقاد به , هو أن هذا القمر الرئي المنير الذي له الطلوع والأفول والإنارة والخسوف بعينه , هو الذي شقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقدرة الله تعالى ومشيئته. أما كيفية حصول هذا الشق , فهو موضع خلاف , فهل انشق القمر في محله ثم التئم ؟ أو بقي نصفه في السماء ونصفه نزل إلى الأرض ؟ أو نزل النصفان إلى الأرض ؟ نصف على الصفا ونصف على المروه ؟ أو غير ذلك ؟ إن القول ببعض تلك الكيفيات لا يلزم منه الخروج عن مقتضى العقيدة ( أعني الإقرار بتحقق المعجزة , كما جاء في الذكر الحكيم ). وللشيخ رأي رشيق وتحقيق عميق في تفسير هذه الظاهرة الإعجازية , إلا أن بعض المتقولين عليه قد نسب إليه إنكار هذه المعجزة , وهذا الزعم الذي نسبه إلى الشيخ يثير العجب , إذ كيف يتصور من رجل مثل الأحسائي , وهو العالم النحرير الغواص على كل دقيقة أن ينكر نصا جاء في القرآن الكريم ؟ وكأن هذا الأخ الذي نسب إليه هذا الإنكار قد غفل عما يترتب على زعمه من مفاسد , أظهرها: أن الشيخ كان غير مطلع على كتاب الله , ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن ما ذكره الشيخ الأحسائي لتفسير هذا المعجز مما يعسر فهمه آثرنا أن ننقل كلامه , وشرك ذلك الكلام من قبل أحد تلامذة مدرسته. قال الشيخ الأحسائي في جوامع الكلم ( الرسالة القطيفية ) ( وأما نزول النجم والقمر للمعجز , فينتزع القوي صاحب المعجز بأمر الله تعالى صورة النجم والقمر , مع ما فيه من النور إلى الموضوع الذي أراد , ( وإذا أراد ) رده رجعت تلك الصورة مع ما فيها من النور إلى المادة – أعني مادة النجم والقمر – حين انتزع منها الصورة والنور لا ترى , لأنها حينئذ مساوية للفلك الحامل لها , وإنما استبانت منه بذلك , فإذا ردت انطبقت على المادة كما كان , كما إذا التفت الخيال إلى شيء غائب , وانتزع منه صورته , فإذا رآه صاحب الخيال انطبقت صورة الخيال على المرئي وهذا – إن شاء الله تعالى – ظاهر ) قال الميرزا موسى الحائري في شرحه للفقرة المذكورة: ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو صاحب القوة الكاملة انتزع بأمر من الله سبحانه صورة القمر الموجود المرئي في السماء الأولى , وهي الاستدارة مع ما فيه من النور المرئي الموجود , وشق تلك الصورة وهي الاستدارة وذلك النور الموجود في القمر , وأما مادة القمر التي هي قطعة من الفلك الأول – على مذاق أهل الهيئة – فلا يلزم شقها لأن القمر في أنظار الناس هو النور مع الاستدارة. وهم أرادوا شق ما هو قمر في نظرهم , واعتقدوا عدم تمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك فشقه لهم. ثم إن مادته وهي القطعة المخصوصة من الفلك الأول ليست بقمر , ولذا بعد انتزاع الصورة والنور ما يبقى له اثر , بل تساوي تلك القطعة المخصوصة مع سائر قطع السماء الأولى , ولا يبقى لها امتياز عنها بوجه , إذ الامتياز والتشخيص والتعيين إنما هو بالصورة والنور وهما انتزعا , ثم لما ردهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى محلهما , وهو القطعة المخصوصة وهي المادة امتازت تلك القطعة عن غيرها , وظهر القمر في السماء وسمي بذلك … لا يخفى أن امتياز جميع الأشياء بعضها عن بعض إنما هو بالصورة , كما أن تمييز زيد عن عمرو , وكذا الضريح الفضة عن الصنم الفضة وشرافته واحترامه بالصورة فقبل تلبس زيد بصورته المختصة به ما كان ممتازا عن عمرو , إذ في مقام اللحمية والعظمية ليس تمييز بوجه , وكان الضريح الفضة قبل تلبسه بالصورة الضريحية ما كان ممتازا عن الصنم الفضة , ولا شرافة ولا احترام بوجه إذ الكل فضة: ( السعيد سعيد في بطنه أمه , والشقي شقي في بطن أمه ) أي في مقام الصورة. فزيد وعمرو والضريح والصنم ونحوها أسماء للصور , أي للصورة الشخصية , المختصة بكل واحد منها دون الآخر إذ ليس في مقام المادة اسم شخصي , وإن كان فيه اسم جنسي أو نوعي , لعدم تمييز بعضها عن بعض في ذلك المقام فضلاً عن التسمية … فالقمر الذي هو اسم للنور , وصورة استدارته انتزعه صاحب القوة الكاملة عن مادته وشقه , وساوت المادة مع سائر قطع الفلك , ولما أراد إرجاعها إلى محلها ( أي القطعة المخصوصة ) وأرجعها إليها , ظهر القمر في السماء وشاهده كل أحد. والشيخ الأوحد ( قدس سره ) تقريباً للأذهان وتوضيحاً للمطلب لمن أراد البيان , مثل بأن خيالك إذا توجه إلى شيء غائب , وتصور له صورة انتزع منه صورة , ثم إذا شاهد ذلك الشيء الغائب ورآه في الخارج , فالصورة المنتزعة الموجودة في خزانة خيالك ينطبق مع ذلك الشيء المرئي في الخارج. ومقصوده ( عطر الله رمسه ) من هذا المثال: هو أن خيالك كما ينتزع صورة ذلك الشيء في الخارج , ثم يجعلها منطبقة على الشيء الخارج عند رؤيته , كذلك صاحب القورة الكاملة ينتزع صورة القمر ونوره للشق وغيره , ثم يرجعهما إلى محلهما منطبقتين على المادة , وهي القطعة من الفلك , هذا توضحي كلامه وحيث اعترف قدس سره بشق هذا القمر السماوي فقد خرج عن الخلاف , ولم يتوجه عليه إنكار شق القمر وإنكار الضروري ). وإنما قمنا بنقل هذه الفقرة على طولها لكي ننفي عن مقام الشيخ تلك التهمة بكل ما يترتب عليها من نتائج , ولأجل أن يثبت القارئ الكريم حين مطالعته لكلمات الشيخ الأحسائي من مراداته , ويتمرس في فهم اصطلاحاته , ولهذا السبب آثرنا ان نؤلف كتاباً معجمياً للتعريفات الاصطلاحية عند الأحسائي تسهيلاً لمهمة الباحثين والقراء , وهو في طريقه إلى الإنجاز بعون الله تعالى , وننصح كل باحث بالرجوع إليه قبل أن يكتب شيئاً يتعلق بفكر الشيخ الأحسائي عامة , وعقائده بوجه خاص , إذ أن عدم تحصيل القدر الكافي من الممارسة لاصطلاحاته يؤدي إلى سلبيات كبيرة , فالكتابة عن فكر أي فيلسوف تستلزم أولاً الإطلاع على قائمة اصطلاحاته لئلا يساء فهمه ويساء – تبعاً لذلك – إليه.
الكاتب: الميرزا حسن فيوضات
المصدر: كتاب مدخل إلى فلسفة الشيخ الأحسائي