إنا نعتقد أن شريعة نبينا صلى الله عليه وآله المقدسة الناسخة لجميع الشرائع السابقة والمقدمة عليها , الحاوية لكل نظام الدنيا ومصالح الآخرة , الكاملة من جميع الجهات , جهات العبادات والمعاملات والبيئات والسياسات والحدود والديات وغيرها كلها عن وحي خاص من الله سبحانه , قوانينها واحكامها الكلي منها والجزئي متلقاة من بارئ الارضين والسماوات صادرة عن حكمة ربانية لا يمكن لأحد من البشر أن يحيط بأسرارها , وما فيها من الخواص والمزايا والحكم , إلا حاملها وأوصياؤه عليهم السلام.
وليست هذه الشريعة المقدسة الكاملة ملفقة من سائر الشرائع ولا مجموعة منها ومن قوانين العرب , ولا مؤلفة منها ومن بعض الآراء ومن علم السيمياء والليمياء والريمياء واليهمياء كما ذهب اليه فلاسفة الغرب والمستشرقون , منها سرجا نملكم الانجليزي في تاريخ لا يران قائلين بأن النبي صلى الله عليه وآله انتخب هذا الشرع ولفقه أخذ شيئا من الشراع , وشيئا من قوانين العرب وشيئا من علوم السيمياء والريمياء , وغير ذلك , وجعله شريعة لنفسه وتبعهم في ذلك الحاج محمد خان الكرماني في رسالته الفارسية التي سماها ( مصباح السالكين ) في الصفحة التاسعة منها , لسطرين بقيا من الصفحة اليسرى إلى ما بعدها من الصفحات الراجعة لهذا المطلب قال ما ترجمته باللغة العربية بلا تصرف ولا تحريف: ( إعلم ان الشريعة سنة النبي صلى الله عليه وآله , وكان حكيما وعالما باجماع كل أهل العلم , ومطلعا على جميع الملل والمذاهب والقواعد والرياضات , وشريعته صلى الله عليه وآله مجتمعة من جميع قوانين العالم من كل محل , كل شي رآه عين الحكمة انتخبه , بزيادة مما حكم به من الخارج , فأخذ قطعة من شريعة آدم , وشيئا من شريعة نوح , وكثيرا من شريعة اصول ابراهيم , وشيئا من شرع موسى والخضر , وشيئا من شريعة عيسى , وشيئا من قوانين العرب , وأخذ من علم السيمياء والليمياء والهيمياء والريمياء وجمع كل ذلك والفها , حيث أن الشارعين كانوا مأمورين باصلاح جهة من جهات الاناسي , وتكميل شيء خاص فلما الف النبي صلى الله عليه وآله وجمع الجميع حصل به تكميل كل الجهات ). انتهت الترجمة.
( أقول ): فليسأل سائل من هذا الفاضل الكرماني:
أولا – هل كان الخضر من الأنبياء؟ أو كان عبدا صالحا كما نص عليه السيد الامجد السيد كاظم الرشتي في المجلد الأول من ( مجموعة الرسائل ).
وثانيا – هل للخضر شرع حتى يؤخذ منه؟ أوليست الشرائع ستة كما مر ذكرها؟
وثالثا – هل أحاط هذا الفاضل خبرا بالشرائع السابقة حتى يعلم ما انتخب منها؟ وهل يتمكن هذا الفاضل ان يميز لنا ما أخذ من الشرائع وأي قانون أخذ منها؟
ورابعا – أي دخل لعلم السيمياء والليمياء والهيمياء والريمياء في الدين؟ أوليست هذه العلوم علوما رياضية اجنبية عن الدين؟ ومتى وجد شيء من هذه العلوم في شرع الاسلام وادخل في دينهم؟ انظر كتاب الفقة؟ من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات أو كتب الحكمة أو كتب الأخلاق , أو كتب التفاسير , هل ترى فيها شيئا واثرا من هذه العلوم؟ بل إنما هي علوم خاصة خارجة ما لها دخل في أي دين؟ توجد هذه العلوم عند كل ملة , عند الوثنية والجوكية والهندو وغيرهم.
وخامسا – أوليس من المحقق عند جميع المسلمين والثابت المسلم لدى الامامية أن هذه الشريعة المحمدية متلقاة بالوحي الخاص من الملك العلام , وليس فيه شيء من وضع النبي صلى الله عليه وآله وجعله ابدا , بل لا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا , وامهاتها صادرة من القرآن الكريم كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمواريث والديات والمعاملات والأخلاق وغير ذلك والقرآن كله معجز نزل به الروح الأمين؟؟؟ وقد قال تعالى: ( وكذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ).
فأين الانتخاب وأين التلفيق والتأليف الذي ذكره هذا الفاضل الكرماني؟ إن هذا إلا كلام صدر تبعا للأجانب من غير شعور ولا إدراك بما فيه من المفاسد والقبائح بل نقول: إن هذه الشريعة تعد معجزة من معجزاته تلو القرآن.
انظر الى ما صرح به الشيخ الأوحد المولى الشيخ احمد بن زين الدين أعلى الله مقامه في ( شرح الزيارة ) شرح فقرة: ( وأشهد أن محمدا عبده المنتخب ورسوله المرتضى ) بعدما ذكر لهذه الشهادة مستندين ذكر أو ليهما وذكر الثاني في السطر الثاني من الصفحة ( ٩٣ ) من طبعة الوقف قائلا: ( وثانيهما يكون مستندا لشهادة اصحاب الشهود خاصة , والاشارة اليه هي: ان من عرف الله وصفاته وآثار أفعاله ظهر له بالضرورة ان محمدا رسول الله , وذلك يظهر لمن عرف اسرار هذا المذهب ظاهرا وباطنا من جهة سيرته وأوامره ونواهيه وآدابه وأخلاقه وشرعه الذي عليه أهل بيته وأتباعهم , فانه يحصل له القطع بأن هذه صدرت عن حكمة ربانية , لا يمكن مثلها لأحد من الخلق , لا من جهة عقولهم ولا خيالاتهم , لا نوما ولا يقضة ولا بسحر ولا بكهانة , ولا برياضة , ولا بشيء آخر غير الوحي الخاص , لأن جميع هذه الأمور لا تجري في جميع احوالها مقتضي الحكمة إلا إذا كانت عن الله تعالى ) وبعد تشييد مطلبه وتوطيد مرامه ببعض البيان الشافي والتحقيق الكافي الوافي في سطور يسيرة قال اعلى الله مقامه في السطر ( ١٦ ) من تلك الصفحة:
( ولو صح فرض العصمة , وتأسيس الأحكام بدون الوحي الخاص , لوقع فيها ما يخالف الحكمة , لأن العصمة لا تستلزم الاحاطة بجميع أسرار الوجود فلا بد من حصول ما يخالف الحكمة إلا إذا اقترنت بالوحي الخاص من علام الغيوب فلما رأينا ما أسس وشرع على كمال الحكمة والصواب ظاهرا وباطنا بمقام يعجز الخلق عن الوصول إليه. علمنا انه كان من الوحي الخاص .. الخ ).
نظرا الى الفرق البين الواضح البينونة الفاحشة بين الكلامين إن ذلك الكرماني يقول: إن الشرع من جعل النبي , وضعه انتخابا وتلفيقا , وهذا الأوحد الإحسائي يقول: إن الشرع كله من الله تعالى بالوحي الخاص. ليس فيه من النبي صلى الله عليه وآله شيء ( إن هو إلا وحي يوحى ) اليه وهذا هو الحق الصحيح والصواب الصريح الذي عليه جميع المسلمين وجملة الموحدين , لا ريب فيه ولا شبهة تعترية.
الكاتب: الميرزا علي الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب عقيدة الشيعة