سفرته إلى العراق ومروره بأصفهان

سفرته إلى العراق ومروره بأصفهان

ثم لما رجع إلى يزد وعزم التوجه إلى العراق مجيبا لأمير المؤمنين عليه السلام حين دعاه في عالم الرؤيا صار خروجه بأهله وعياله من بلدة دار العبادة على أهلها يوم مشؤوم , أصابهم كدر شديد وحزن عظيم , وقد احتالوا وعالجوا منعه من الخروج حيلا ومعالجات لعله أعلى الله مقامه يبقى عندهم لأنه كان بركتهم , وبه دوام شوكتهم ولكنه ما افادت تلك المعالجات , ولا الحيل شيئا , وقد خرج عنهم وهم بين باك وباكية , ومكدر ومحزون , ولم يفرح ولم يرض أحد فيما أعلم في خروجه , فلما خرج ووصل إلى أصفهان وكنت بخدمته الشريفة تلقاه أهل أصفهان لاسيما علماؤهم وحكامهم , وأعيانهم بأحسن ملقى وعظموه غاية التعيظم , وبجلوه غاية التبجيل , ولم يكن أحد فيها من يزري عليه , أو ينسب شيئا مما لا يحسن إليه , وبلدة أصفهان إذ ذاك الزمان كهذا الزمان صرة إيران مجمع العلماء الفحول , ومعدن فضلاء المعقول والمنقول , وفي ذلك الزمان فيها روضة العلم مخضرة , وسوق المعرفة والفضل عامرة.
وفيها من أعيان العلماء من الفقهاء والحكماء ما يعجز عن بيان وصفهم اللسان , ولا يتحمل درك معالم فضلهم الجنان مثل جناب السيد الأجل السند الأنبل مرجع الأنام حجة الإسلام موئل الأصاغر والأكابر السيد محمد باقر , ومثل العالم الفاضل العامل الكامل علامة الدهر ووحيد العصر , ذو الفهم العالي المستقيم , والمولى الولي الحميم الحاج محمد إبراهيم الملقب بالكرباسي , والعالم العامل والفاضل الكامل الورع التقي الشيخ محمد تقي , والعالم المتقن والفاضل المؤتمن , قدوة العلماء الأطايب الميرزا باقرا النواب , والحكيم العليم والعالم العظيم ذو الفهم الراسخ والفضل الباذخ العلي الولي الملا علي النوري , والعالم الكامل الملا محمد علي النوري , والفاضل الجليل الملا إسماعيل الملقب بواحد العين , والعالم الأعلى الأنور الأزهر الملا علي أكبر , والمولى الأعلى الأولى صاحب الرياسة الكبرى الآغا مير محمد حسين سلطان العلماء وغيرهم من العلماء العظام والفضلاء الفخام الذي هم المرجع في نقص وإبرام وهؤلاء العظام قد سلكوا مع ذلك الشيخ العظيم الجليل , ذي المجد الأثيل والأصل الأصيل , أحسن المسالك وراعوا معه غاية الاحترام والأدب , وسلموا قوله في كل مقصد ومطلب واستنسخوا رسائله وكتبه , ونشروا فضائله ومناقبه ومدحوه في كل مكان , وكان يذكر محامده ومفاخره كل واحد رطب اللسان , وقد اشتهرت كتبه عندهم لا سيما ( شرح الزيارة الجامعة ) وغيره من سائر الرسائل وأجوبة المسائل , ولم يعثروا فيها على خلل , ولم يطلعوا على زلل , مع أنه أعلى الله مقامه قد خالف الحكماء الإشراقين والرواقيين والمشائيين في مسائل كثيرة , وأصر على بطلانها , وهدم بنيانها , والحكماء الذين في أصفهان كلهم حملة تلك المطالب , ومروجوا تلك المسائل , فمع ذلك كله لم يجسر أحد أن يعيب على كلمة من كلماته , أو على مطلب من مطالبه , وغاية ما كانوا يقولون , إن المطلب واحد واللسان مختلف , ولا يشكون أن ما عليه مولانا الشيخ حقا , ولكنهم يدعون أن ذلك هو الذي يقوله الحكماء , وبالجملة كلهم أقروا له , وصدقوه واعترفوا بفضله , ولم ينكروه ولم يذكره أحد بعيب , ولا دخل في قلب أحد من جهته ريب , وقد سأل جناب المولى العلي الملا علي النوري عن نسبة مقامه مع مقام المرحوم آغا محمد البيد أبادي , فأجاب المرحوم بأن التمييز لا يكون إلا بعد بلوغ المميز لمقامهما , وأنا مخط عن مقامهما غير بالغ لمرتبتهما في الفضل والعلم فكيف يسعني الترجيح.
وبالجملة قد جلس عندهم أربعين يوما , وكان أكرم وارد عليهم وأشرف وافد لديهم , لا ينكرون فضله ولا مقامه من العلم , ثم خرج من عندهم , وهم يحبون بقاءه لديهم , متأسفين لمفارقته , متولهين لمجاورته ولكن ما وسعهم أن يكلفوا الشيخ ويصروا عليه بالبقاء عندهم لما اطلعوا على أمر الرؤيا ووجود المستقبلين من طرف الشاه زاده , ما كل ما يتمنى المرء يدركه. 

الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب دليل المتحيرين

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة