فاطمة: مفتاح ! وما هو هذا المفتاح؟
زينب: الأخلاق، كما تعلمين أن الأخلاق أساس الدين، حيث قال الرسول الأعظم (ص): “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” فالأخلاق شرط لفتح أبواب العلوم، فلا يستقر العلم في قلب فيه حسد وحقد ونفاق وكبر وزهو وبغض للمؤمنين.
فاطمة: لكني أرى الكثير من طلبة العلم لا يلتفتون إلى هذا الأمر، فلا ترى فيهم لين المعاملة ولا طيب النفس، فهل هم غافلين عن هذا الأمر؟
زينب: نعم، هناك الكثير ممن يدعون طلب العلم والسير والسلوك إلى الله لكنهم في الحقيقة إذا كانوا فاقدين للأخلاق فإنهم يكونوا مصداق لقول الإمام (ع): “إن لنا أوعية نملؤها علماً وحكماً وليست لها بأهل، فما نملؤها إلا لتنقل لشيعتنا، فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة، تأخذونها بيضاء نقية صافية، وإياكم والأوعية فإنها وعاء سوء فنكبوها”. (مستدرك الوسائل 17/284)
فاطمة: الحسد.. الحقد.. والبغض أمراض بغيضة تضر بالفرد وأيضاً تضر بالمجتمع لأنها تؤدي إلى تفككه. صحيح؟
فاطمة: صدق رسول الله (ص)، وا أسفي على من يزول دينه بسبب الحسد ويذهب عقله بسبب الغضب.
زينب: نعم، فالحسد آفة كبيرة وجرثومة تدخل إلى قلب العبد الغافل عن ذكر الله، فتسيطر عليه وتفتك به قبل أن يفتك بغيره، فيفسد المجتمع بفساد الأفراد.
فاطمة: ويقيناً هناك من الأعداء من يترصد ويفرح لفساد وتفكك المجتمع.
زينب: لو الكل صفى نفسه وانقطع بسيره إلى الله وبلغ إلى علم اليقين لكانت أخلاقهم في أعلاها حتى مع أعدائهم، لأنه كما قال الجليل جل وعلا في حديثه القدسي: “كلما رفعت لهم علماً وضعت لهم حلماً”” فيتحلون بالحلم والعفو حتى عمن ظلمهم، وهذه هي أخلاق أهل البيت (ع).. أخلاق الروحانيين التي أمرونا بالتخلق بها حتى نكون عباداً شاكرين، وإلا كانت علينا نعمة العلم نقمة لأنه بالنعم يظهر شكر الإنسان وبالشدة يظهر صبره، كما قال الإمام الصادق في تفسيره لمعنى (السلام):…” واعلم أن الخلق بين فتن ومحن في الدنيا إما مبتلى بالنعمة ليظهر شكره وإما مبتلى بالشدة ليظهر صبره والكرامة في طاعته والهوان في معصيته، ولا سبيل إلى رضوانه إلا بفضله ولا وسيلة إلى طاعته إلا بتوفيقه ولا شفيع إليه إلا بإذنه ورحمته”. (شرح حياة الأرواح)
فاطمة: وهل تكون النعمة بلاءاً؟
زينب: نعم، فالجليل جل وعلا يعطي كل مخلوق بقدر قابليته واستعداده، فالبعض تصلحه النعم والآخر تصلحه الشدة، ومن ثم يجعل لكل اختباراً بقدره، فالعبد المؤمن كيس فطن يقبل ما أجراه عليه مولاه حتى وإن كان ذلك لا يوافق هوى نفسه، كما قال الرسول الأعظم (ص): “يا عباد الله أنتم كالمرضى ورب العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب وتدبيره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، فسلموا الله أمره تكونوا من الفائزين”.
فاطمة: إنه ميزان دقيق وعميق، وعلى السالكين أن ينتبهوا ويحذروا أشد الحذر في كل خطوة، أليس كذلك؟
زينب: أجل يا فاطمة. فبين الحق والباطل شعرة.
فاطمة: وكيف يتسنى للعبد أن يميز بين هذا وذاك؟
زينب: لو وضعنا نصب أعيننا أن الإنسان في كل لحظة في اختبار كما قال سيدي ومولاي خادم الشريعة الغراء: (أنت في كل لحظة في اختبار)، فإما أن يكون حامداً وإما أن يكون جحوداً كما قال الجليل جل وعلا في كتابه العزيز: {كَلاَّ إِنَّ الإْنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى} (العلق:6-7).
فاطمة: آه يا زينب، إن الإنسان بدأ يخاف على نفسه من الغفلة في لحظة الاختبار.
زينب: نعم يا فاطمة، إن هذا الأمر يحتاج إلى الوعي في هذا الزمن، لأنهم وصفو حال المؤمن بقولهم (ع): القابض على دينه كالقابض على الجمر. لذلك وجب علينا أن نقرأ دعاء الغريق حتى نسلم وهو: “يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك”.
فاطمة: يبقى الأمر حرجاً وصعباً.
زينب: لا يا فاطمة، إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذا الأمر لا يكون شاقاً إذا وحد أفراد المجتمع كلمتهم وكانوا كأسنان المشط، بعد أن ينشغل كل شخص بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بعيوب نفسه، كما قال مولانا أمير المؤمنين (ع): “من شغل نفسه بغير نفسه تحير في الظلمات وارتبك في الهلكات ومدت به شياطينه” وهنا يصل الكل إلى صفاء السريرة وحسن النية، فلا يرى أحد نفسه شيئاً إلا من حيث أنه حامل لأمانة عظيمة وهي الولاية التي تجعل الكل يرى أنه ليس له شأن في هذا الوجود إلا أنه نور من أنوار محمدٍ وآل محمد (ص).
![]()
فإذا كان كذلك فتح الله على بصيرته النور والمحبة، وصار قلبه وعاءاً صالحاً لكل خير، ومن الخير النظر إلى صالح المجتمع من حيث الوحدة والألفة، وهذا ما نادى به مراجعنا العظام، وهذا ما رددوه في كل زمان.. الوحدة، الوحدة، كما قال الإمام المصلح والعبد الصالح الميرزا حسن الحائري الإحقاقي (ق.س): (اعف عمن ظلمك وصل من قطعك، واغفر لمن أساء إليك).
المصدر: مجلة الفجر الصادق