حديث محمد بن يوسف الثقفي مع وهب بن منبه (رضي الله عنه)

حديث محمد بن يوسف الثقفي مع وهب بن منبه (رضي الله عنه):-

المناقب للعلوي: روي عن وهب بن منبّه، قال: كان محمّد بن يوسف الثقفي أخو الحجّاج بن يوسف من أشدّ الناس بغضا لأمير المؤمنين (عليه السلام) وأعظمهم وقيعة فيه، وكان أميرا على اليمن من قبل عبد ملك بن مروان‌، وكان لا يرقأ منبرا خطيبا على عهده ولا يبتدئ أحد في مجلسه كلاما إلّا جعل مفتاح قوله مسبّة أمير المؤمنين (صلّى اللّه عليه)!
قال وهب: فلم ينجياني منه إلّا اللّه و رسوله، قد طرق بابي ليلا، فقال: أجب الأمير، فقلت: لما ذا دعاني؟ قال: لا أعلم.
فأوجست منه خيفة، قلت: فلم يدعوني في الليل إلّا لبلاء، فقلت: أمهلني حتّى أوصي أهلي، قال: لا سبيل لك إلى ذلك.
فانطلقت معه حتّى دخلت على محمّد بن يوسف، فإذا هو جالس في فرشه، فقال لي لمّا رآني: مالك يا وهب؟ لم لا تدخل علينا؟ فاعتذرت إليه بالكبر و الضعف.
قال: إنّك قد علمت ما صنع أبو تراب بالخلفاء الثلاثة وقتل عثمان بن عفّان وفعل يوم البصرة مع أمّ المؤمنين ما سمعت‌ ومع أهل الشام بصفّين‌، فأنا آمرك أن تقوم به في الناس إذا امتلأت بهم داري في كلّ يوم مقام يهتدي إليه مثلك من العلماء و ذوي الرأي من الوقيعة فيه بسيّئ القول ومنكره، وبما يشهد به بيان‌ الناس في منقصته‌ وبغضه، وتبعثهم على سبّه والبراءة منه ولعنته حتّى أعطيك جميع ما تريد من العطايا و الصلات، و أن تكون مع ذلك أوّل داخل عليّ و آخر خارج من داري.
فقلت: أيّها الأمير، أنا لا أفعل ذلك أبدا، لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: «قولوا في موتاكم خيرا» ونهى عن سبّ الأموات، وأمر بحبّ عليّ بن أبي طالب، فقال: «من أحبّ عليّا أحبّه اللّه، ومن أبغض عليّا أبغضه اللّه، ومن سبّ عليّا سبّه اللّه، ومن أهانه أهانه اللّه يوم القيامة وعذّبه عذابا أليما».
فلمّا سمع ذلك منّي غضب واحمرّت عيناه وقال: أظنّك ترابيّا؟ قلت: أجل، من التراب خلقت وإلى التراب أعود.
قال: دع ذلك، و اللّه لئن لم تفعل ما أمرتك به في غد على رغم أنفك، قلت: أنا لا أفعل ذلك ولو قطّعتني إربا إربا.
ثمّ حبسني عنده، فلمّا أضحى من غد أقبل على الحرسة وقال: احشروا عليه الناس، فانطلق الحرسة وجاءوا بالناس و لمّا امتلأت داره، قال: دونكم الخبيث.
قال: فوقفت أمامه ودعا بالسياط وأمرني بما كان قد أمرني به، فأجبته بمثل ما كنت أجبته، قال: اضرباه، فضرباني حتّى أعييا وقد أغمي عليّ وحملت إلى الحبس والدم ينفجر من الضرب، و أمر بكبش فذبح وألقي عليّ إهابه يريد يستبقني بذلك.
فلمّا كان من الغد دعاني بملإ من الناس وقال: أيّها المسكين، تدارك نفسك و ابرأ من أبي تراب، فأجبته بالقول الأوّل، فصنع بي ما صنع بالأمس.
ثمّ دعاني في اليوم الثالث فجاءني رجلان فأقاماني فلم أستطع قياما، فأخذا بعضديّ وأمسكاني، ودعا بالسوط وأمرني بالبراءة من عليّ وولده (صلوات اللّه عليهم)، وقال: لأعطر بعطر عروس، هذا اليوم الثالث فإن برئت من أبي تراب وإلّا داويناك بالسيف في غد،
فرضيت بالموت وقلت: أيّها الأمير، تأمرني بسبّ من قال فيه رسول اللّه (صلى الله علیه وآله): «من كنت مولاه فعليّ مولاه»؟
قال: فقام وقعد وقال: كذبت وكذب من حدّثك بهذا، اضربوه بالسياط قبل السيف لأنّ في السيف راحة، فضربت حتّى أغمي عليّ وحملت وأنا لا أشعر إلى حبسه على أن يقتلني في غد بالسيف.
فغفيت فرأيت في المنام أمير المؤمنين ومعه‌ الحسن والحسين (صلوات اللّه عليهم)، فأردت أن أشكو إليهم ما بي من الضرّ والبلاء فلم أقدر من الضعف، فبكيت إليه، فالتفت وقال (عليه السلام): «لا بأس عليك ولا ضرر بعدها»، ثمّ دنا منّي ومسح يده عليّ من فرقي إلى قدمي، و قال (صلّى اللّه عليه): «يهلك عدوّ اللّه عن قريب ويخزيه اللّه تعالى حيّا و ميّتا».
قال: فاستيقظت وأنا لم أحسّ شيئا، كأنّني لم ألق مكروها قطّ، ولم أشعر إلّا وقد هجم الشرطة في الحبس وجاءوا ليحملوني إلى محمّد بن يوسف لعنه اللّه، فقلت: إليكم عنّي، وقمت معهم أمشي على قدمي، فجعلوا يتعجّبون منّي.
فأقبلت حتّى‌ دخلت عليه وإذا به داء الخناق ويتناول الجدار برأسه‌ فيغمى عليه ثمّ يفيق وهو يقول: ما لي وما لك يا أمير المؤمنين – بأعلى صوته- فلمّا نظرني أعرض عنّي وقال: أطلقا عنه ويحكما فليمضي حيث يشاء – فأطلقاني- فقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقه‌.
قال: فما لبث غير ثلاثة أيّام وهلك، فلمّا جهّزوه وحفروا قبره وأقبلوا به ليدفنوه أبصروا في قبره ثعبانا أسود حتّى امتدّ في وسط القبر بطوله، فأرادوا قتله أو طرده فلم يستطيعوا ذلك فتركوه وحفروا قبرا آخر فأبصروا فيه الثعبان كما كان في القبر الأوّل، فحفروا ستّة قبور وكان الحال في ذلك واحدا، فدفنوه في القبر السادس وهم فزعون أن ينزل القبر منهم أحد، فرأوا الثعبان قد التقمه ودخل في أكفانه، فهالوا عليه التراب و انصرفوا.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة