• جِهةٌ مِن الفَهْم الشيطاني الخاطىء في أجوائنا الشيعيّة للمشروع الحُسيني ” الفداء الحُسيني “

• جِهةٌ مِن الفَهْم الشيطاني الخاطىء في أجوائنا الشيعيّة للمشروع الحُسيني ” الفداء الحُسيني “

🔸️ السُؤال عن موضوعٍ طرحتهُ في برنامج [يا حسين .. البوصلة الفائقة] حينما تحدّثتُ عن أنحاء مِن الفَهْم الشيطاني الخاطىء في أجوائنا الشيعيّة للمشروع الحُسيني، وذكرتُ أنَّ هُناك مَن يعتقد بالفداء الحُسيني والذي جاءنا مِن الفِكْر المسيحي، والمُراد بالفِداء الحُسيني: هُو أنَّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” قدَّم نفْسهُ ودَمَهُ الطاهر كي تُغفَر ذُنوبنا وأخطاؤنا وما نقومُ بهِ مِن معاصٍ في هذهِ الحياة.. وهذا الكلامُ لا علاقة له بالشفاعة، فالشفاعةُ عنوانٌ وعقيدةٌ لها تفاصيلها وخُصوصيّاتها..

هذا المعنى يظهرُ في كثيرٍ مِن الأشعار وفي كثيرٍ من الحكاياتِ والقُصص التي تُروى على المنابر، وهُناك مِن الخُطباء مَن يتحدّثُ بهذا المنطق وبهذا الّلسان.

وبالنسبة لي: ما أفهمهُ أنَّ هذا منطقٌ شيطاني.. وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع، ولكن السائلة هُنا تطلبُ إضافةً أُخرى وتوضيحاً آخر.

🔹️— الجواب: منهجنا العلمي (منهجُ مُحمّد وآل مُحمّد) هو أنَّ هُناك قاعدةُ معلومات هي القرآن الكريم، نتحاكم إليها.. ولِذا سأتتبّع الآيات التي تحدّثتْ عن الفِدية في الكتاب الكريم.

● سُورة آل عمران الآية 91: {إنّ الذين كفروا وماتوا وهُم كفّار فلن يُقبَل مِن أحدهم مِلءُ الأرض ذهباً ولو افتدى بهِ أولئكَ لهم عذاب أليم وما لهم مِن ناصرين}. الآية تنفي وجود قانونٍ من الفداء والافتداء بأيّ نحوٍ مِن الأنحاء يوم القيامة.

● سُورة المائدة الآية 36: {إنَّ الذين كفروا لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومِثْلَهُ معهُ ليفتدوا بهِ من عذاب يوم القيامة ما تُقبّل منهم ولهم عذابٌ أليم}. لا يُوجد قانون للافتداء وللفدية للجميع.. للكافرين ولغيرهم.

● سُورة يُونس الآية 54: {ولو أنَّ لكلّ نفسٍ ظلمتْ ما في الأرض لافتدتْ بهِ وأسرّوا الندامة لمّا رأوا العذاب وقُضي بينهم بالقِسْط وهُم لا يُظلمون}

نحنُ تشملنا هذهِ القوانين – كما نعتقد – ولكنّنا ننجو بالشفاعة وليس الفداء.. وإلّا فهذا القانون المذكور في الآية يتحدّث عن الجميع، فنحنُ جميعاً مِن النفوس الظالمة، فنحنُ ظلمنا أنفُسنا، وظلمنا الآخرين من أبناء جنسنا، وظلمنا مُحمّداً وآل مُحمّد، وظَلَمنا الله.. فالشِركُ ظُلْمٌ عظيم، ونحنُ نُشركُ باللهِ بدرجةٍ وبأُخرى.

● سُورة الرعد الآية 18: {للذين استجابوا لربّهم الحُسنى والذين لم يستجيبوا له لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومِثْلَهُ معه لافتدوا به أولئكَ لهم سُوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المِهاد}.

هذهِ الإستجابةُ على درجات، والحُسنى بحَسَب حديثِ العترة الطاهرة هي مِن أسماء ولاية أمير المُؤمنين في القُرآن..

الآياتُ كُلّها تنفي وجود قانون للفداء أو الافتداء يوم القيامة.. هُناك قانون لنجاة أولياء مُحمّدٍ وآل مُحمّد وهُو قانون الشفاعة.. والشفاعةُ في مُحتواها ومضمونها لا علاقة لها بما يعتقد البعض مِن الفداء الحُسيني.

● سُورة الزُمر الآية 47 : {ولو أنَّ للذين ظَلَموا ما في الأرض جميعاً ومِثلهُ معهُ لافتدوا به مِن سُوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم مِن الله ما لم يكونوا يحتسبون}. نحنُ ندخلُ في الذين ظلموا، ولكن شفاعةُ إمامنا هي التي تُخرجنا مِن هذا العُنوان، فلا يُوجد برنامجٌ للافتداء في يوم القيامةِ مُطلقاً.

● سُورة الحديد الآية 15: {فاليوم لا يؤخذ منكم فديةٌ ولا مِن الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} فليس هُناك مِن فدية ولا افتداء.

● سُورة المعارج الآية 11 وما بعدها : {يُبصّرونهم يودُّ المُجرمُ لو يفتدي مِن عذابِ يومئذٍ ببنيه* وصاحبتهِ وأخيه* وفصيلتهِ التي تُؤويه* ومَن في الأرض جميعاً ثُمَّ يُنجيه* كلّا إنّها لظى* نزّاعة للشوى}. لا يُوجد افتداء لا بأموال، ولا بعقارات، ولا بأشخاص، ولا بأيّ شي.. جميعُ أنواع الفداء والافتداء لا وجود له يوم القيامة.. هُناك شفاعةٌ هي التي ينجو بها السُعداء مِن الذين ينالون الشفاعة. هذهِ آياتُ الكتاب الكريم التي تحدّثتْ عن الفِدية والفِداء والافتداء في يوم القيامة.. إنّها نفتْ هذا المعنى جُملةً وتفصيلاً، فلا وُجود لهذا المعنى في يوم القيامة.

● سُورة الإسراء الآية 33: {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلّا بالحقّ ومَن قُتِل مَظلوماً فقد جَعلنا لوليّه سُلطاناً فلا يُسرف في القتل إنّه كان منصورا}

الآية في الأُفق الحقيقي في مرحلةِ التأويل تتحدّثُ عن الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، ولِذا فإنَّ الـ(لا) في قولهِ تعالى: (فلا يُسرف) هي لا النافيّة في قراءة أهل البيت وليستْ لا الناهية.. ولِذلك حينما تكون (لا) نافية فإنّ الفعل المُضارع سيكون مرفوعاً.. أمّا حينما تكون لا ناهية سيكون الفعل المُضارع مجزوماً بالسكون. صحيح أنّنا أُمرنا أن نقرأ القُرآن في عَصْر الغَيبة بقراءة المُخالفين، ولكن في التفسير إنّنا نقرأ بقراءة أهل البيت لأجل أن نفهم المعاني.

إذا كان قتلُ الحُسين فداءً للشيعة لِتُغفر ذُنوبهم، فلماذا هذا الأمر إذاً..؟! إذا كان قتلُ الحُسين فداءً للشيعة فليس هُناك مِن ثأرٍ، وليس هُناك مِن حقٍّ ثابتٍ لوليّه، وليس هناك مِن معنى لهذا الشِعار “يا لِثاراتِ الحُسين”.. هو فدى نفسهُ وانتهى الأمر.. ولِذا أقول: لا معنى للفداء الحُسيني، إنّهُ فِكْرٌ شيطاني.

في دُعاء اليوم الثالث مِن شهر شعبان (في يوم ولادة سيّد الشُهداء) والمروي عن إمامنا الحَسَن العسكري “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهما” نقرأ هذه العبارات التي تتحدّث عن الحُسين: (قتيل العَبرة وسيّد الأُسرة ، الممدود بالنُصرةِ يوم الكرّة – يوم الرجعة – المُعوّض من قتلهِ أنّ الأئمة مِن نسله، والشفاءَ في تُربتهِ والفوزَ معهُ في أوبتهِ والأوصياء مِن عترتهِ بعد قائمهم وغَيبتهِ حتّى يُدركوا الأوتار ويثأروا الثأر ويُرضوا الجبّار..)

لِماذا يُمَدُّ بالنُصرة إذا كان فداءً..؟! ولمِاذا يُعوّض مِن قَتْلهِ؟! لماذا جُعلتْ كُلُّ هذهِ المعاني الواردة في هذا المقطع مِن الدُعاء عِوضاً لدم الحُسين؟!

فحين كان فداءً فقد تحقّقتْ أهدافه.. مشروع الفداء هو مشروعٌ وهدفٌ في نفس الوقت، فلا تُوجد لهُ آثار وتفاريع، إنّما آثاره تتحقّقُ في يوم القيامة حينما تُغفر ذنوبنا.. أمّا في عالم الدُنيا فقد تحقّق الهدف، لأنَّ الله سُبحانه وتعالى حينئذٍ قد قَبِل الفداء وقرّر أن يغفر ذُنوب الذين فداهم الحُسين بدمهِ.. وهذا هُراء.. فهو يتنافر ويتعارض مع منطق الكتاب والعترة بدرجة 100% في جميع الاتّجاهات.

الاعتقاد بالفِداء الحُسيني اعتقد باطل وهو فِكْرٌ شيطاني تسرّب إلينا مِن الفِكْر المسيحي.

● حِين نقرأ في سُورة التكوير في الآية 8 وما بعدها : {وإذا الموؤدةُ سُئلتْ* بأيّ ذنبٍ قُتلتْ} في أحاديث العترة الطاهرة الموؤدة هي الحُسين كما جاء في كتاب [كامل الزيارات].. وفي قراءة العترة الطاهرة: {وإذا المودّة سُئلتْ* بأيّ ذنبٍ قُتلتْ} هذه المودّة عُنوانها الأوَّل فاطمة، وعُنوانها المُتجلّي مِن فاطمة (حسنٌ وحُسين) ولكن المشروع المركزي الأعظم لِمُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله” هو مشروعُ الحُسين (حُسينٌ مِنّي وأنا مِن حُسين).

عِلْماً أنَّ السُؤال للمؤودةِ هُنا هو لَفظاً للحُسين، ولكن مَعنىً إنّهُ لنا ولكلّ هذا الوجود {وقِفوهم إنّهم مسؤولون}.

في زيارة الحُسين المُطلقة الأولى نقرأ هذه العبارات:

(وبكم يَفُكُّ الذُلَّ مِن رقابنا، وبكم يُدرِكُ اللهُ تِرةَ كُلّ مُؤمنٍ يُطلَبُ بها) الترة : يعني ثأر الحُسين.. هذهِ الترة في أعناقنا نحنُ نُسأل عنها، هُناك مَسؤوليّةٌ في أعناقنا، نَحنُ مسؤولون عن دم الحُسين. كُلُّ المضامين والمفاهيم التي حدّثتنا عنها النُصوص الشريفة تَرفضُ هذهِ العقيدة الباطلة.. رسالةُ الحُسين وشِعارهُ الذي نعرفه: (إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي أُريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المُنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب..) هذا المضمون يتناقض جُملةً وتفصيلاً مع فِكرة الفداء الحُسيني.

● شِعارُ الحُسين الذي نعرفهُ جميعاً: (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟) لماذا يطلبُ سيّد الشُهداء النُصرة وهُو في مقام الفداء؟! هَو جاء فادياً ومُقدّماً نفسه فداءً، فلماذا يطلبُ مِن الآخرين أن يكونوا فداءً معه؟! أليس هذا يقدحُ في الفداء؟

الفادي يكون في غاية الجود بنفسهِ، وفي غاية الحِرص على الذين يُريد أن يُقدّم هذا الفداء لأجلهم.. فلماذا يُريد مِن شيعتهِ أن يأتوا كي يُقتلوا معه؟! لِماذا جاء بأُسرته؟! لماذا؟! لماذا؟! لماذا..؟! وقفةُ تأمّلٍ قصيرةٍ عند كلمة سيّد الشُهداء (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟) تتّضحُ مِن خلالها الصورة.

في زيارة الناحية المُقدّسة نقرأ هذه العبارات، حين تُخاطب الزيارة الشريفة سيّد الشُهداء:

(..فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قَتَلوا بقتلكَ الإسلام، وعطلَّوا الصلاةَ والصيام ونقضُوا السُننَ والأحكام، وهَدمُوا قواعدَ الإيمان، وحرَّفوا آيات القرآن وهملجُوا في البغي والعدوان. لقد أصبحَ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” مَوتوراً، وعَادَ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ مَهجورا، وغُودِرَ الحقّ إذ قُهِرْتَ مَقهوراً، وفُقِدَ بفقْدكَ التكبيرُ والتهليل، والتحريمُ والتحليل، والتنزيلُ والتأويل، وظهَر َبعدكَ التغييرُ والتبديل، والإلحادُ والتعطيل والأهواءُ والأضاليل والفتنُ والأباطيل).

إذا كان الحُسين فداءً، لمِاذا ظهر كُلُّ هذا الخراب؟! فهل أنَّ الحُسين فدى نفسهُ كي يظهر كُلُّ هذا الخراب؟! ولماذا يترتّب على هذا الخراب مشروعٌ طويلٌ تحرّك فيه أئمتنا من إمامنا السجّاد إلى إمامنا القائم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.

القضيّة واضحة جدّاً.. كما جاء في زيارة سيّد الشُهداء : (ضَمِنتْ الأرضُ ومَن عليها دَمَكَ وثأركَ، يا ابن رسول الله صلّى الله عليك. أشهدُ أنَّ لكَ مِن اللهِ ما وعدكَ مِن النَصْرِ والفَتْح، وأنَّ لكَ مِن اللهِ الوعدُ الصادقُ في هلاكِ أعدائِكَ، وتمامِ موعدِ الله إيّاك، أشهدُ أنَّ مَن تَبِعكَ الصادقون..)

إذا كان الحُسين فداءً لماذا تضمن الأرض دم الحُسين وثأر الحُسين؟!

أهداف الحُسين تتحقّق بداياتها في ظُهور إمام زماننا ويتجلّى نَصْرهُ وفتحهُ في الرجعة العظيمة.. فليسَ ما قام به الحُسين كان فداءً لِذنوبنا ولأخطائنا ومعاصينا حتّى تُغفَرُ يوم القيامة، وإنّما هُو تحقيقٌ لبرنامج الخلافة الإلهيّة.. فهذا البرنامج لم يتحقّق لحدّ الآن.. هذا البرنامج بوّابتهُ الأولى عند ظُهور إمام زماننا الحُجّة بن الحسن، ثُمّ تُفتَحُ البوّابات الأُخرى بوّابةٌ بعد بوّابة والبدايةُ مِن الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.

ملاحظةٌ صغيرةٌ تتعلّق بحديثي فيما يرتبطُ بحديثي في الفداء الحُسيني:

الكاتب المسيحي الّلبناني المُبدع انطون بار في كتابه [الحُسين في الفِكْر المسيحي] بذل جُهْداً كبيراً، وحاولَ أن يجِدَ وجْه تشابه فيما بين الحُسين والمسيح، ولكنّهُ لم يستطعْ أن يجد هذهِ النُقطة في المشروع الحُسيني، فهو قد تحدَّث عن المسيح بثقافتهِ المسيحيّة الواسعة، وتحدَّث عن الحُسين أيضاً باطّلاعٍ دقيق.. اقرأوا الكتاب رُغم صِغره، فقد استلَّ أهمّ النصوص.. هذا الكاتب المُبدع حاول أن يجدَ نقاط التقاء أو نقاط تشابه فيما بين شخصيّة الحُسين وشخصيّة المسيح فيما بين رسالة الحُسين ورسالة المسيح، فيما بين مشروع الحُسين ومشروع المسيح.. بحث عن كُلّ دقيقةٍ وصغيرة لكنّهُ لم يستطعْ أن يجِدَ التقاءً عند نقطةِ الفداء المسيحي.

الحلقة ٢٢ – أسئلة وأجوبة | قناة القمر الفضائيّة
https://www.alqamar.tv/arb/ettlalat-aala-halat-alqamar-22/

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading