فلما ثبت وجود عالم الذر عالم العهد والميثاق، وثبت إجمالاً أن اختلافات الواقعة في العالم كلها بالاختيار، ناسب أن نذكر مسألة الاختيار ونبرهنه بالأدلة القطعية من العقلية والنقلية. فنقول: إن الله سبحانه وتعالى حيث كان كاملاً مطلقاً وجب أن خلقه مختاراً، إذ المختار أشرف من المضطر وأرجح، فلو خلق الخلق مضطرين لكان جبراً ولزم عجزه تعالى أو جهله أو إرتكاب القبيح وكلها باطل، والاختيار في الشيء المختار هو عبارة عن مبدأ ميلين متضادين بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك، وذلك المبدأ عطاء سبحاني جعله في المخلوقات كلها ليس بنور ولا ظلمة، ولا سعادة ولا شقاوة، ولا إيمان ولا كفر، وإنما هو مبدأ المتضادين، وهذا الإختيار مساوق مع الوجود حين وجود الوجود، بل هو الوجود نفسه لأن الوجود كما برهن في محله كله شعور وإدراك واختيار، إلا أن اختيار كل شيء على حسبه على قدر إدراكه وشعوره في الشدة والضعف، كما أن نور السراج كلما كان أقرب إلى السراج إلى الشعلة كان أقوى نورا وحرارة وتأثيراً، وكلما بعد أضعف وهكذا إلى آخر مراتب نهايات النور.
وأما الروايات الواردة في هذا الباب فما شاء الله منها أنه ورد عنهم ﷺ {إن الله تعالى عرض تكليف ولايتنا على كل شيء فمن قبل وآمن صار مؤمناً طيباً، ومن أنكر صار خبيثاً كافراً}