بيان أن الصلاة صورة الولاية
وبالجملة كل عمل وتسبيح من أعمال الملائكة وتسبيحهم وحركة وسكون منهم فموجود في الصلاة ما يتضمنه فهي عمود الدين وركن الإيمان والإسلام .
وأما غير الملائكة فكذلك , وذكر ذلك في أنوار الخلق ولو على سبيل الإجمال يطول به الكلام إلا أني أجمل لك ذلك: وهو أن الصلاة صورة الولاية المطلقة والولاية جارية على الخلق بما هو عليه في وجوده التكويني والتشريعي , فلا يتحرك شيء أو يسكن بل جميع أحواله إلا باقتضاء الولاية وتدبييرها من الولي , فقد تضمنت الولاية جميع ذرات الوجود كما أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) وقوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) فإذا كان هذا حكم الولاية ومقتضاها دل على أن ذلك أثر كينونيتها وهي صفتها الذاتية وهذا يقتضي أن ما وصفها به الحكيم العليم بها يكون مشابهاً لصفتها الذتية , لأن الصفة اسم وعلامة للموصوف بعينه من تلك الجهة لا يشتبه بغيره وإلا لم يكن اسماً وصفةً وعلامةً فلما أخبر الحكيم العليم أن الصلاة هي ولايتي وأنها هي إقامة ولايتي دل ذلك على أن ذات الركوع أو السجود هي إقامة ولايتي , لأنها ظاهرها وتدل على هيئتها وهي ولايته , لأنها هي صورتها فإذا أطلق أقام الصلاة تناول إقامة الصلاة المعلومة , وذلك إما من باب المجاز أو الحقيقة بعد الحقيقة , والمراد بذلك إقامة الولاية أي ما اقتضته الولاية من الأعمال والأقوال والاعتقادات والتأدبات الإلهية , وذلك صعب مستصعب كما قال علي عليه السلام في الحديث المتقدم: ( وإقامة ولايتي صعب مستصعب ) أي لا يحتمله بسهولة إلا محمد وأهل بيته صلى الله عليه وآله .
وأما كل من سواهم فإنهم قد تقع منهم الهفوات والتقصيرات حتى الأنبياء والمرسلون , ومن تتبع أحاديثهم وجدها مشحونة بذلك .
ومن ذلك ما رواه أبو حمزة الثمالي أنه دخل عبدالله بن عمر على زين العابدين علي عليه السلام: يا علي بن الحسين أنت الذي تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف قال: ( بلى ثكلتك امك ) قال: فأرني أنت ذلك إن كنت من الصادقين .
قال: ( فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه ) .
فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك الله الله في نفسي
فقال: ( هي وأريه إن كنت من الصادقين ) ثم قال: ( يا أيتها الحوت قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك يا ولي الله فقال: من أنت؟ قالت: أنا حوت يونس يا سيدي قال: أئتنا بالخبر قال: يا سيدي إن الله لم يبعث نبياً من آدم إلى أن صار جدك محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد عرضت عليه ولايتكم أهل البيت فمن قبلها من ألأنبياء سليم وتخلص , ومن توقف عنها وتمنع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية , ما لقي نوح من الغرق وما لقي ابراهيم من النار , وما لقي يوسف من الجب , وما لقي أيوب من البلاء , وما لقي داود من الخطيئة إلى أن بعث الله يونس عليه السلام فأوحى الله إليه أن يا يونس تول أمير المؤمنين علياً والأئمة الراشدين من صلبه في كلام , قال: وكيف أتولى من لم أراه ولم أعرفه ؟ وذهب مغتاضاً , فأوحى الله إلي أن القمي يونس ولا توهني له عظماً , فمكث في بطني اربعين صباحاً يطوف معي في البحار في ظلمات ثلاث ينادي: (لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) قد قبلت ولاية علي بن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده فلما آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر , فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك واستوى الماء ) الحديث .
رواه في البحار ولأجل مثل ما ذكر أشار في الحديث السابق بقوله عليه السلام: ( وإقامة ولايتي صعب مستصعب ) .
المصدر: مجموعة الشيخ الأوحد الجزء الخامس كتاب شرح الزيارة الجامعة الجزء الثالث
الكاتب : الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الاحسائي