إذا أحسستَ بالرغبة في انتقاد أطفالك ولومهم فلن ألومك، بل أرجوك أن تقرأ هذه التحفة الأدبية الخالدة قبل أن تنتقدهم، فهي مقالة نشرت لأول مرة في مجلة (People’s Home Journal) ثم نشرت بعد ذلك آلاف المرات، ونحن ننشرها هنا – أو بالأصح – نعيد نشرها كما لخصتها مجلة (Readers Dijest) بعنوان (بابا ينسى).
لعل سر عظمتها وخلودها أنها واقعية تفيض بالإحساس في كل كلمة منها، وتهتز بالعاطفة في كل عبارة من عباراتها، وما زالت المقالة تنتشر منذ عشرين سنة، ويعاد نشرها في مئات المجلات والصحف في طول البلاد وعرضها، كما أنها ترجمت إلى عدة لغات أجنبية، وألقيت في كثير من المدارس ومن فوق أعواد المنابر، وأذيعت على أمواج الأثير في مناسبات عدة، حيث يقول كاتبها (لفنجستون لارند): أحياناً تسمعُ للشيء الصغير رنةً تهزُ كيانك وتسري في أوصالك، وأحسب أن لهذه الرسالة رنة من هذا النوع.
️ 🏼 الـقــصـــة 🏼 ️
يا بني، أكتبُ هذا وأنتٙ راقدٌ على فراشكٙ، سادرّ في نومك، وقد توسدتٙ كفكٙ الصغير، وانعقدتْ خصلاتُ شعركٙ فوق جبهتكٙ الغضة.
فمنذُ لحظاتٍ خلٙت كنتُ جالساً إلى مكتبي أطالعُ الصحيفة، وإذا بغيض غامرٍ من الندم يطغى على قلبي، فما تمالكتُ إلا أن تسللتُ إلى مخدعك ووخْزُ الضميرِ يُصليني ناراً، وإليكٙ الأسبابُ التي أشاعتْ الندمٙ في نفسي.
أتذكرُ صباحٙ اليوم ! لقدْ عنفّتكٙ وأنتٙ ترتدي ثيابكٙ تأهُباً للذهابِ إلى المدرسةِ لأنكِ عزٙفتٙ عنْ غسلِ وجهكٙ واستعضتٙ عنْ ذلكٙ بمسحهِ بالمنشفة، ولُمتُكٙ لأنكٙ لمْ تنظّفْ حذاءكٙ كما ينبغي، وصرختُ بكٙ مغضٙباً لأنكٙ نثرتٙ بعضٙ الأدواتِ منْ غيرِ قصدٍ على الأرض.
وعلى مائدة الطعام أحصيت لك الأخطاء واحدة واحدة، فقد أرقتَ حساءك، والتهمتَ طعامك، وأسندتَ مرفقيك إلى حافة المائدة، ووضعتَ نصيباً من الزبدة على خبزك أكثر مما يقتضيه الذوق، وعندما وليت وجهك شطر مدرستك، واتخذت أنا الطريق إلى محطة القطار، التفتَ إلي ولوحتَ بيدكَ الصغيرة هاتفاً (مع السلامة يا بابا)، ولكنني قطبتُ لك جبيني ولم أجبك.
ثم أعدت الكرة في المساء، ففيما كنتَ أعبر الطريق لمحتكَ جاثياً على ركبتك تلعب، وقد بدت على جواربك ثقوب، فأذللتك أمام أقرانك إذ سيّرتكَ أمامي إلى المنزل مغضباً باكياً، وصرخت فيك قائلاً: إن الجوارب غالية الثمن، ولو كنت أنت الذي اشتريتها لحرصت على العناية بها والحرص عليها.
أفتتصور هذا يحدث من أب؟!!
ثم أتذكر بعد ذلك – وأنا صاعد إلى غرفتي – كيف جئتَ تجرُ قدميك متخاذلاً وفي عينيك عتابٌ صامت، فلما نحيتَ الصحيفة عني وقد ضاق صدري لقطعكَ حبل خلوتي، وقفتَ بالباب متردداً، وصرختُ بك أسألك: (ماذا تريد؟)
لكنك لم تقل شيئاً، واندفعت نحوي وطوقت عنقي بذراعيك الصغيرتين ثم قبلتني، وشددت ذراعيك الناعمتين حولي في عاطفة أودعها الله قلبك الطاهر، مزدهرة لم يقوى الإهمال على أن يذوي بها، ثم انطلقتَ مهرولاً تصعد الدرج إلى غرفتك.
يا بني، لقد حدث بعد ذلك ببرهة وجيزة أن انزلقت الصحيفة من بين أصابعي، وعصف بي ألم عاتٍ، يا لله ! إلى أين تسير بي العادة؟ عادة التفتيش عن الأخطاء ! عادة اللوم والتأنيب ! أكان ذلك جزاؤك مني على أنك ما زلت طفلاً؟!
كلا ! لم يكن الأمر أني لا أحبك، بل كان مرده أني طالبتك بالكثير رغم حداثة سنك، كنتُ أقيسك بمقياس سني وتجاربي وخبرتي، ولكنك كنت في قرارة نفسك تعفو وتغضي، وكان قلبك الصغير كبيراً كبر الفجر الوضاء في الأفق الفسيح، فقد بدا لي هذا في جلاء من العاطفة التي حدت بك إلى أن تندفع وتقبلني قبلة المساء.
لا شيء يهم الليلة – يا بني – لقد أتيتُ إلى مخدعك في الظلام، وجثوتُ أمامك موصوماً بالعار، وأعلم أنك لن تفهم مما أقول شيئاً لو قلته لك في يقضتك، ولكنني من الغد سأكون أباً حقاً، سأكون زميلاً وصديقاً، سأتألم عندما تنام، وسأضحك عندما تضحك، وسأعض لساني إذا اندفعت إليك كلمة من كلمات اللوم والعتاب، وسأرد لك على الدوام – كما لو كنتً أتلو صلاتي – قائلاً: (إن هو إلا طفل)
لشدة ما يحز في نفسي أنني نظرتُ إليك كرجل، إلا أنني وأنا أتأملك الآن منكمشاً في مهدك، أرى أنك ما زلت طفلاً، وبالأمس القريب كنتَ بين ذراعي أمك يستند رأسك الصغير إلى كتفها.
كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس (ص١٧٧-١٧٩) لـ ديل كارينجي