النظر في أخبار الأئمة ( عليهم السلام )

النظر في أخبار الأئمة ( عليهم السلام )

 النظر في أخبار الأئمة ( عليهم السلام )

وانظر في كتب أخبار أئمتنا الأطهار ( عليهم سلام الله الملك الجبار ) نظر المتعلم لا نظر العالم , أي انظر فيها مع اعتقادك بأن الإمام حي حاضر موجود , والخلق كلهم بمرأى منه ومسمع بين يديه , فإذا نظرت إلى كلماتهم المنسوبة إليهم وأنت قاصر النظر إليهم وقاطع أن الحق لهم ومعهم وفيهم ومنهم وإليهم , ولا شك أنهم يسددونك ويؤيدونك ولا يدعونك في ضلالة , فإن كان الحديث منهم ويريدون منك العمل عليه يقرونك عليه , وإن لم يكن منهم أو لا يريدون منك العمل على مقتضاه يردعونك عنه بنصب قرينة وإثبات وإرشاد وهداية.

واجعل فهمك وقاعدتك تابعاً للحديث , لا الحديث تابعاً لفهمك وقاعدتك حتى تعمل عليه إن وافق قاعدتك وتطرحه إن خالفها , فإن هذه طريقة العلماء لا المتعلمين , وقد قالوا ( عليهم السلام ) : ( نحن العلماء وشيعتنا التعلمون ) ولا تقل أن الحديث فيه محكم ومتشابه , وظاهر وباطن , ومطلق ومقيد ومكذوب عليهم وموضوع , ومغير ومبدل , ومنقول بالمعنى ومحرف , ويراد بكل لفظ أحد سبعين وجهاً فكيف يحصل القطع بالمراد مع قيام هذه الاحتمالات المساوية , فكيف تحصل منه القاعدة الكلية القطعية , لأنا نقول أن هذه الاحتمالات وإن وقعت , فالمفاسد المذكورة وإن جرت , لكن بين أظهرنا إمام يقرب البعيد , ويسهل العسير , وعليه تسديد رعاياه , وحاشاه أن يهملهم ويدعهم واختياراتهم , بل ينظر فيهم.

فالحديث الذي ليس منهم يردعه عنهم , بقرينه صارفة من إشارة , أو عبارة أو مثال , أو سكوت أو نطق , أو بلحن الخطاب , أو بفحوى الخطاب , أو أمثالها لأن الله سبحانه قد أكمل الدين , وأوضح سبيل اليقين , والكفار قد يئسوا من ديننا لقوة حجتنا , وعظم مستندنا , وقد قال مولانا الباقر عليه السلام: ( ما من عبد أحبنا وزاد في حبنا , وأخلص في معرفتنا , وسئل مسئلة إلا ونفثنا في روعه جواباً لتلك المسألة ) , وقالوا ( عليهم السلام ) أيضا: ( إن لي مع كل ولي أذنا سامعة ) , وقال مولانا الحجة المنتظر ( عجل الله فرجه ): ( إنا غير مهملين لمراعاتكم , ولا ناسين لذكركم , ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمتكم الأعداء ) , فإذا غاب إمامك عنك فانت ما غبت عنه , فارجع إلى كلماتهم فإن عليهم التسديد , ولا يدعونك تخبط خبط عشواء إن كنت قد انقطعت إليهم , وصدقت في محبتهم , والكلام في هذا المقام كثير , وأسراره عجيبة اقتصرت على هذه الكلمات إرشاداً للمسترشدين , وإيقاضاً للغافلين.

ثم لما أنهم ( عليهم السلام ) قالوا: ( إن أحاديثنا تعرض على كتاب الله فخذوا ما وافق , واتركوا ما خالف ) , فكلما نجد من أحاديثهم إن وجدته بصافي الإخلاص في محبتهم فلا بد أن يكون له شهد في كتاب الله عز وجل دال على المراد , صريح محكم غير متشابه , فابذل جهدك وشمر عن ساق جدك , وتضرع إلى الله عز وجل أن يعرفك الآية المحكمة شاهد صدق للحديث , حتى لا يقولوا إن الحديث المدعى متشابه , أو أنه تلبيس فيكون في الاطمئنان أشد , وفي اليقين أثبت , ولحجج المخالفين أقطع , ولإنكار المنكرين أدحض , وذلك يحصل بتكرار النظر في كلام الملك العلام , وخلوص القلب عما ينافي محبة الله ذي الجلال والإكرام , مع التفكر والتدبر في الأسحار , في آناء الليل وأطراف النهار , مع الشرائط المذكورة , والآداب المسطورة , فلا بد حينئذ أن تقع على المراد , وإلا قد خيب الكريم السائل عن بابه , والآمل عن جنابه , وحاشاه ثم حاشاه.

ثم لما أن الله سبحانه قد ذكر في محكم الكتاب: { سنريهم إياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }. ولا شك أن العلوم كلها , والأسرار بأسرها , والشرائع بحذافيرها , آياته وشاهدة على استقامة فعله وتدبيره , وثناء عليه تعالى بألسنته حاليته ومقاليته , وهي مرئية في الآفاق وفي الأنفس , فإن الآيات هي الجمع المضاف المفيد للعموم الاستغراقي في اللغة , ودل الدليل العقلي والشرعي أن القرآن جامع للعلوم كلها { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } , وجب أن يكون كل ما في القرآن وفي أحاديثهم ( عليهم السلام ) موجوداً بمثاله بالبيان الحالي على النهج الأكمل والأوضح في العالم , وفي أنفس الخلائق ولذا قال سبحانه: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } فاطلب واسعى حتى تجد المثال والبيان الحالي على ذلك المنوال الموجود في القرآن , وفي أحاديثهم ( عليهم السلام ) , ليكون في مقام الاطمئنان أثبت , وفي اليقين أعظم وأشد , وذلك لا يحصل إلا بطول التفرغ والتفكر في العالم بقلب خالص عن جميع الشوائب , وصاف عن كل المراتب والمطالب بشرط أن لا تكون معانداً لجوجاً , ولا صاحب قاعدة مأخوذة من غير هذه الطريقة التي هي سبيل الله , ولا مأنوساً بطائفة ليميل قلبك إلى موافقتهم لمكان استئناس المودة , فإن حبك للشيء يعمي ويصم , بل كن باقياً على الفطرة التي فطر الناس عليها , طالبا رضاه وطامعاً في قربه ونجواه , ناظراً إلى صنعه وكينونة العالم , هي أثر فعله الدال على هيئة صفة مؤثرة , فحينئذ وجب على الله سبحانه في الحكمة أن يوصلك إلى ذلك المثال , ويبين لك شرح تلك الأحوال , لتكون ثلج الفؤاد , مطمئن البال , وتعرف بذلك الكتاب التدويني على طبق الكتاب التكويني , ومن هذه المطابقة تظهر لك أسرار كثيرة من العلوم والأنوار , إن ذلك لعبرة لأولي الأبصار.

ثم لما أن الله سبحانه حكم في حكم في محكم كتابه , ودلت عليه شواهد صنعه أنه تعالى يريد أن يعرفنا أسرار الكونين , ويعلمنا أطوار النشأتين , لنكون على بصيرة من ديننا في معرفة خالقنا وبارئنا , فوجب أن يكون ما وجدناه في الكتاب والسنة والعالم شيئاً نجده في وجداننا , وندركه بعقولنا , وحواسنا ومشاعرنا , فابذل جهدك , واسعى سعيك , وتضرع إلى الله عز وجل وإلى الأئمة الهداة ( عليهم السلام ) أبوابه ووسائل فيضه , أن يدلوك إلى البرهان العقلي , والشاهد الكشفي , المطابق لما دلت عليه الآيات الإلهية من التدوينية والتكوينية , لتكون أثبت في الإطمئنان , وأضبط وأقوى في الإيمان والإيقان , وتكون كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف , وتكون على بينة من ربك وهداية لدينك ونور في برهانك , وانشراح في صدرك , وضياء في قلبك , وكل ذلك من الله عز وجل ليفتح لك ما أعد لك في خزائن قلبك ومخازن صدرك.

وأعرض عن مطالعة كتب القوم سيما عامة العمياء , وكل كتاب قد أخذ  منها , وكن كأن الله سبحانه ما خلق سواك , وما سطر كتاب , ولا ذكر جواب , ولا جرى خطاب , أترى أنه تعالى يهملك ولا يبعث لك من يعلمك , إما ظاهراً مشهوراً , أو غائباً مستوراً , ولا تقل إن الله تعالى جعل هذه الكتب والآلات أسباباً ووصلة إلى تحصيل العلوم , لأنا قد ذكرنا سابقاً أن الله تعالى سبب كل ذي سبب , ومسبب الأسباب من غير سبب , وظهر لك من تلويحات كلامنا أنه تعالى جعل لكل شيء سببين , سبب عام , وسبب خاص , فأهل العموم يتمسكون بأسباب خاصة , وأهل الخصوص يتمسكون بالسبب العام , وذلك السبب العام الكافي لجميع المسببات , والمناسب لها هو الانقطاع إلى الله عز وجل بكلك , وهو قوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } وقوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } وقوله تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله }.

الكاتب: السيد كاظم الرشتي قدس سره الشريف

المصدر: كتاب السلوك إلى الله

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة