المعصية
إن المعصية التي هي من العبد وإليه، لا تكون إلّا بالله، لا منه ولا إليه، ولا بمحبته، ولا رضاه، ولكن بإرادته التي هي إرادة الحتم الثانوي، التي عبرنا عنها سابقاً بالقدر والقضاء، ولا حقاً بأنها إرادة بالعرض، وتارة بالترك والخذلان، وبخلقه الآلة والصحة، فلذا كان سبحانه أولى بالحسنات من العبد، ( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ )، واستحقاق العبد الثواب من جهة أنها لا تظهر إلّا به، على نحو ما ذكره الحكيم من نقص قابليتها وتمامها بما من العبد، فلذلك كان أولى بالسيئات من الله .
واستحقاقه العقاب مع ظاهر المشاركة المفهومة من الأولوية، من حيث أنها منه، وأن المشاركة الظاهرة بأنها لا تظهر إلّا بالله لا منه، وليس كونها بالله من تمام قابليتها، كما في الطاعة، لأن ما بالعبد في الطاعة من الله أيضاً، كما في الدعاء : (وجعل ما امتن به على عباده كفاء لتأدية حقه)()، وليس ما بالله في المعصية من العبد، وإلّا لزم التفويض والاستقلال .
فإن قلت : لم كان ما بالعبد في الطاعة من الله، وذلك يلزم منه الجبر في الطاعة؟ .
قلت : كلامنا كلّه، ووضع هذه الكلمات إنما هو لبيان هذه المنـزلة بين المنـزلتين في القدر، وما وراء ذلك ليس أن نتكلم به قبل الإذن؛ لأنه من المكتوم .
والمراد حاصل على أنه إذا ظهر لك الأمر بين الأمرين، بلا ليس في المعصية، فلا تطلب ما وراءه، وإن أبيت إلّا التحمل، فـافهم قــوله من الله، ولا يؤذن فـي الزيادة .
المصدر : القضاء والقدر ..
للشيخ أحمد بن الشيخ زين الدِّينِ الأحسائي أعلى الله مقامه ..
أذا أردت نقل الموضوع إلى موقعك ومدونتك فذكر المصدر
