[[ القواعد العلوية في فهم القرآن (٥) ]]

[[ القواعد العلوية في فهم القرآن (٥) ]]

..و من سؤال هذا الزنديق لأمير المؤمنين صلواتُ الله و سلامه عليه أن قال : أجد الله يقول : { قُل يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم } و من موضع آخر يقول : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها } { و الَّذينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبين } ، و ما أشبه ذلك ؛ فمرّة يجعل الفعل لنفسه ، و مرّة لملك الموت ، و مرّة للملائكة .
و أجده يقول : { فَمَن يَعمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ و هُوَ مُؤمِنٌ فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِ } و يقول : { و إنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ و آمَنَ و عَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتَدى } أعلم في الآية الأولى أنّ الأعمال الصالحة لا تكفّر ، و أعلم في الثانية أنّ الإيمان و الأعمال الصالحة لا تنفع إلّا بعد الإهتداء .
و أحدهم يقول : { و أسأَل مَن أرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رُسُلِنَا } فكيف يسأل الحيّ من الأموات قبل البعث و النشور ؟
و أجده يقول : { إنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ و الأَرضِ و الجِبَالِ فَأَبَينَ أن يَحمِلنَهَا و أَشفَقنَ مِنهَا و حَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } فما هذه الأمانة ؟ و من هذا الإنسان ؟ و ليس من صفته العزيز العليم التلبيس على عباده .
و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله : { و عَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى } ، و بتكذيبه نوحاً لمّا قال : { إنَّ ابنِي مِن أهلي } بقوله : { إنَّهُ لَيسَ مِن أهلِك } ، و بوصفه إبراهيم بأنّه عَبَد كوكباً مرّة ، و مرّة قمراً ، و مرّة شمساً ، و بقوله في يوسف : { و لَقَد هَمَّت بِهِ و هَمَّ بِهَا لَو لا أن رَأى بُرهَانَ رَبِّه } ، و بتهجينه موسى حيث قال : { رَبِّ أرِني أنظُر إلَيك قَالَ لَن تَراني } الآية ، و ببعثه على داوود جبرئيل و ميكائيل حيث تسوّرا المحراب ، و بحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغضباً مذنباً ، و أظهر خطأ الأنبياء و زللهم ، ثم وارى اسم من اغترّ و فتن خلقاً و ضلّ و أضلّ ، و كنّى عن أسمائهم في قوله : { و يَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَا لَيتَني أتَّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبيلاً * يَا وَيلَتَي لَيتَني لَم أتَّخِذ فُلَاناً خَليلاً * لَقَد أضَلَّني عَنِ الذِّكر بَعدَ إذا جَاءَني } فَمَن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء ؟
و أجده يقول : { و جَاءَ رَبُّكَ و المَلَكُ صَفّاً صَفّا } و { و هَل يَنظُرُونَ إلَّا أن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأتِيَ رَبُّكَ أو يَأتِيَ بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ } { و لَقَد جِئتُمُونَا فُرَادَى } فمرّة يجيئهم ، و مرّة يجيئونه .
و أجده يخبر أنّه يتلو نبيّه شاهد منه ، و كان الّذي تلاه عبد الأصنام برهة من دهرة .
و أجده يقول : { ثُمَّ لَتُسئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيم } فما هذا النعيم الذي يُسئَل العباد عنه ؟
و أجده يقول : { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُم } ما هذه البقيّة ؟
و أجده يقول : { يَا حَسرَتي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّهِ } و { كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجهَهُ } { و أصحَابُ اليَمينِ مَا أصحَابُ اليَمين } { و أصحَابُ الشِّمَالِ مَا أصحَابُ الشِّمَال } ما ما معنى الجَنب ، و الوجه ، و اليمين ، و الشمال ، فإنَّ الأمر في ذلك ملتبس جدّاً ؟
و أجده يقول : { الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوى } و يقول : { أأَمِنتُم مَن في السَّمَاء } { و هُوَ الَّذي في السَّمَاءِ إلهٌ و في الأرضِ إله } { و هُوَ مَعَكُم أينَمَا كُنتُم } { و نَحنُ أقرَبُ إلَيهِ مِن حَبلِ الوَريد } { مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُم } .
و أجده يقول : { و إن خِفتُم ألّا تَقسِطُوا في اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاء } و ليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ، و لا كلّ النساء أيتام فما معنى ذلك ؟
و أجده يقول : { و مَا ظَلَمُونَا و لَكِن كَانُوا أنفُسَهُم يَظلِمُون } فكيف يُظلَم الله ؟ و مَن هؤلاء الظلمة ؟
و أجده يقول : { إنَّمَا أعِظُكُم بِوَاحِدَة } فما هذه الواحدة ؟
و أجده يقول : { و مَا أرسَلنَاكَ إلّا رَحمَةً لِلعَالِمين } و قد أرى مخالفي الإسلام معتكفين على باطلهم ، غير مقلعين عنه ، و أرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في مذاهبهم ، يلعن بعضهم بعضاً ، فأيّ موضع للرحمة العامّة لهم المشتملة عليهم ؟
و أجده قد بيّن فضل نبيّه على سائر الأنبياء ، ثُمَّ خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه ، و انتقاص محلّه ، و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ، ما لم يخاطب أحداً من الأنبياء ، مثل قوله : { وَ لَو شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِين } و قوله : { لَو لَا أن ثَبَّتنَاكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إلَيهِم شَيئَاً قَليلاً * إذَن لأذَقنَاكَ ضِعفَ الحَياةِ و ضِعفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرا } و قوله : { و تُخفي في نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ و تَخشَى النَّاسَ و اللَّهُ أحَقُّ أن تَخشَاهُ } و قوله : { و مَا أدري مَا يُفعَلُ بي و لا بِكُم } و قال : { مَا فَرَّطنَا في الكِتَابِ مِن شَيءٍ } { و كُلَّ شيءٍ أحصَينَاهُ في إمَامٍ مُبين } فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام و هو وصيّ النبي فالنبّي أولى أن يكون بعيداً من الصفة التي قال فيها : { و مَا أدرِي مَا يُفعَلُ بي و لَا بِكُم } و هذه كلّها صفات مختلفة ، و أحوال متناقضة ، و أُمور مشكلة ، فإن يكن الرّسول و الكتاب حقّاً فقد هلكت لشكّي في ذلك ، و إن كانا باطلَين فما عَلَيّ من بأس .
فقال أمير المؤمنين صلواتُ الله و سلامه عليه : (( سبّوح قدّوس ، ربّ الملائكة و الرّوح ، تبارك و تعالى ، هو الحيّ الدائم ، القائم على كلّ نفس بما كسبت ، هات أيضاً ما شككت فيه )) .
قال : حسبي ما ذكرت يا أمير المؤمنين .
قال : (( سأُنبئك بتأويل ما سألت ، و ما توفيقي إلّا باللَّه ، عليه توكّلت و إليه أُنيب ، و عليه فليتوكّل المتوكّلون .
فأمّا قوله : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها } و قوله : { قُل يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوتِ } { و تَوَفَّتهُ رُسُلُنَا } { و الَّذينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبين } { الَّذينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمي أنفُسِهِم } فهو تبارك و تعالى أجلّ و أعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه ، و فعل رسله و ملائكته فعله ، لأنّهم بأمره يعملون ، فأصطفى جلّ ذكره من الملائكة رسلاً و سَفَرة بينه و بين خلقه ، و هم الّذين قال الله فيهم : { اللَّهُ يَصطَفي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلاً و مِنَ النَّاسِ } فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرحمة ، و من كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النقمة ، و لملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة و النقمة ؛ يصدرون عن أمرهم ، و فعلهم فعله ، و كلّ ما يأتون منسوب إليه ، و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت ، و فعل ملك الموت فعل الله ، لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء ، و يعطي و يمنع ، و يثيب و يعاقب على يد من يشاء ، و إن فعل أُمنائه فعله ، كما قال : { و مَا تَشَاؤونَ إلَّا أن يَشَاءَ اللهُ } .
و أمّا قوله : { فَمَن يَعمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ و هُوَ مُؤمِنٌ فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِ } و قوله : { و إنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ و آمَنَ و عَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتَدى } فإنَّ ذلك كلّه لا يغني إلّا مع الإهتداء ، و ليس كلّ من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقاً بالنجاة ممّا هلك به الغواة ، و لو كان ذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد ، و إقرارها بالله ، و نجى ساير المقرّين بالوحدانيّة من إبليس فمن دونه في الكفر ، و قد بيّن الله ذلك بقوله : { الَّذينَ آمَنُوا و لَم يَلبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأمنُ و هُم مُهتدُونَ } و بقوله : { الَّذينَ قَالُوا آمَنَّا بِأفوَاهِهِم و لَم تُؤمِن قُلُوبُهُم } و للإيمان حالات و منازل يطول شرحها ، و من ذلك : إنَّ الإيمان قد يكون على وجهين : إيمان بالقلب ، و إيمان باللسان ، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله لمّا قهرهم بالسيف و شملهم الخوف فإنّهم آمنوا بألسنتهم ، و لم تؤمن قلوبهم ؛ فالإيمان بالقلب هو التسليم للرب ، و من سلّم الأُمور لمالكها لم يستكبر عن أمره ، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم ، و استكبر أكثر الأُمم عن طاعة أنبيائهم ، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل ، فإنّه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، و لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، و التمكين من النظرة ، فلذلك لا تنفع الصلاة و الصدقة إلّا مع الإهتداء إلى سبيل النجاة ، و طرق الحق ، و قد قطع الله عذرا عباده بتبيين آياته ، و إرسال رسله ، لئلّا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل ، و لم يخل أرضه من عالم بما يحتاج إليه الخليقة ، و متعلّم على سبيل النجاة ، أولئك هم الأقلّون عدداً ، و قد بيّن الله ذلك في أُمم الأنبياء و جعلهم مثلاً لمن تأخّر ، مثل قوله في قوم نوح : { و مَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَليل } ، و قوله فيمن آمن من أُمّة موسى : { و مِن قَومِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ و بِهِ يعدِلُون } و قوله في حواري عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل : { مَن أنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحنُ أنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ و أشهَد بِأنَّا مُسلِمُون } يعني بأنّهم مسلّمون لأهل الفضل فضلهم ، و لا يستكبرون عن أمر ربّهم ، فما أجابه منهم إلّا الحواريّون ، و قد جعل الله للعلم أهلاً ، و فرض على العباد طاعتهم بقوله : { أطيعُوا اللَّهَ و أطيعُوا الرَّسُولَ و أُولي الأَمرِ مِنكُم } و بقوله : { و لَو رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ و إلَى أُولِي الأمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم } و بقوله : { يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ و كُونُوا مَعَ الصَّادِقين } و بقوله : { و مَا يَعلَمُ تَأويلَهُ إلَّا اللَّهُ و الرَّاسِخونَ في العِلم } { و أتُوا البُيُوتَ مِن أبوَابِهِا } و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء ، و أبوابها أوصياؤهم ، فكلّ من عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الإصطفاء ، و عهودهم ، و شرائعهم ، و سننهم ، و معالم دينهم ، مردود غير مقبول ، و أهله بمحلّ كفر ، و إن شملتهم صفة الإيمان ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : { و مَا مَنَعَهُم أن تُقبَلَ مِنهُم نَفَقَاتُهُم إلَّا أنَّهُم كَفَرُوا باللهِ و بِرَسُولِهِ و لَا يَأتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا و هُم كُسَالَى و لَا يُنفِقُونَ إلَّا و هُم كَارِهُون } فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حقّ أوليائه ، و حبط عمله ، و هو في الآخرة من الخاسرين .
و كذلك قال الله سبحانه : { فَلَم يَكُ يَنفَعُهُم إيمَانُهُم لَمَّا رَأَوا بَأسَنَا } و هذا كثير في كتاب الله عزوجل ، و الهداية هي الولاية كما قال الله عزوجل : { و مَن يَتَوَلَّ اللَّهَ و رَسُولَهُ و الَّذينَ آمَنُوا فإنَّ حِزبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُون } و الذين آمنوا في هذا الموضع هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج ، و الأوصياء ، في عصر بعد عصر ، و ليس كلّ من أقرّ أيضاً من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمناً ، إنّ المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلّا الله و أنّ محمداً رسول الله ، و يدفعون عهد رسول الله بما عهد به من دين الله ، و عزائمه ، و براهين نبوّته إلى وصيّه ، و يضمرون من الكراهة لذلك ، و النقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم ، فيما قد بيّنه الله لنبيّه بقوله : { فَلَا و رَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ و يُسَلِّمُوا تَسليماً } و مثل قوله : { و مَا مُحمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَاتَ أو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أعقَابِكُم } و مثل قوله : { لَتَركَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَق } أي : لتسلكنّ سبيل من كان قبلكم من الأُمم ؛ في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء ، و هذا كثير في كتاب الله عزوجل ، و قد شقّ على النبي ما يؤل إليه عاقبة أمرهم ، و أطاع الله إيّاه على بوارهم ، فأوحى الله عزوجل إليه : { فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَاتٍ } { فَلَا تَأسَ عَلَى القَومِ الكَافِرِين } .
و أمّا قوله : { و أسأل مَن أرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رُسُلِنَا } فهذا من براهين نبيّنا التي آتاه الله إيّاها ، و أوجب به الحجة على سائر خلقه ، لأنّه لما خنم به الأنبياء ، و جعله الله رسولاً إلى جميع الأُمم ، و سائر الملل ، خصّه الله بالإرتقاء إلى السماء عند المعراج ، و جمع له يومئذٍ الأنبياء ، فعلم منهم ما أُرسلوا به و حملوه من عزائم الله و آياته و براهينه ، و أقرّوا أجمعين بفضله ، و فضّل الأوصياء و الحجج في الأرض من بعده ، و فضل شيعة وصيّه من المؤمنين و المؤمنات ، الذي سلّموا لأهل الفضل فضلهم ، و لم يستكبروا عن أمرهم ، و عرف من أطاعهم و عصاهم من أُممهم ، و سائر من مضى و من غبر ، أو تقدّم أو تأخّر ،
و أمّا هفوات الأنبياء و ما بيّنه الله في كتابه ، و وقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم ممّا اجترمته الأنبياء ، ممّن سعد الكتاب بظلمهم ، فإنّ ذلك من أدلّ الدلائل على حكمة الله عزوجل الباهرة ، و قدرته القاهرة ، و عزّته الظاهرة لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء تكبر في صدور أُممهم ، و إنّ من يتّخذ بعضهم إلهاً ، كالذي كان من النصارى في ابن مريم ، فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الذي تفرّد به عزوجل ، ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى حيث قال فيه و في أُمّه : { كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعامَ } يعني أنّ من أكل الطعام كان له ثُفل ، و من كان له ثُفل فهو بعيد ممّا ادّعته النصارى لابن مريم ، و لم يكنّ عن أسماء الأنبياء تبجّراً و تعزّزاً بل تعريفاً لأهل الإستبصار .
إنّ الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في (( القرآن )) ليست من فعله تعالى ، و إنّها من فعل المغيّرين و المبدّلين ، الذين جعلوا القرآن عضين ، و اعتاضوا الدنيا من الدين ، و قد بيّن الله تعالى قصص المغيّرين بقوله : { الَّذينَ يَكتُبُونَ الكِتَابَ بِأيدِيهِم ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِن عِندِ اللَّهِ لِيَشتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَليلاً } و بقوله : { و إنَّ مِنهُم لَفَريقاً يَلوُونَ ألسِنَتَهُم بالكِتَاب } حسب ما فعلته اليهود و النصارى بعد فقد موسى و عيسى من تغير التوراة و الإنجيل و تحريف الكلم عن مواضعه ، و بقوله : { يُريدُونَ أن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفوَاهِهِم و يَأبَى اللَّهُ إلَّا أن يُتِمَّ نُورَهُ و لَو كَرِهَ المشركون } يعني أنّهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليقة ، فأعمى الله قلوبهم حتّى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثه فيه ، و بيّن عن إفكهم ، و تلبيسهم ، و كتمان ما عملوه منه ، و لذلك قال لهم : { لِمَ تَلبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ } و ضرب مثلهم بقوله : { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَاءً و أمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ في الأرض } ؛ فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوا في القرآن فهو يضمحلّ و يبطل و يتلاشى عند التحصيل ، و الذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، و لا من خلفه ، و القلوب تقبله ، و الأرض في هذا الموضع فهي محلّ العلم و قراره .
و ليس يسوغ مع عموم التقيّة التصريح بأسماء المبدّلين ، و لا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب ، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل و الكفر ، و الملل المنحرفة عن قبلتنا ، و إبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق و المخالف بوقوع الإصطلاح على الإيتمار لهم ، و الرضا بهم ، و لأنّ الباطل في القديم و الحديث أكثر عدداً من أهل الحق ، فلأنّ الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عزوجل لنبيّه : { فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُل } و إيجابه مثل ذلك على أوليائه ، و أهل طاعته ، بقوله : { لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ } فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت ، فإنّ التقيّة تخطر التصريح بأكثر منه .
و أمّا قوله : { و جَاءَ رَبُّكَ و المَلَكُ صَفّاً صَفّا } و قوله : { و لَقَد جِئتُمُونَا فُرَادَى } و قوله : { هَل يَنظُرُونَ إلَّا أن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأتِيَ رَبُّكَ أو يَأتِيَ بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ } فذلك كلّه حق ، و ليست جيئته جلّ ذكره كجيئة خلقه ، فإنّه ربّ كلّ شيء ، و من كتاب الله عزوجل يكون تأويله على غير تنزيله ، و لا يشبه تأويله بكلام البشر ، و لا فعل البشر ، و سأُنبّئك بمثال تكتفي به إن شاء الله تعالى ؛ و هو حكاية الله عزوجل عن إبراهيم عليه السلام حيث قال : { إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي } فذهابه إلى ربّه توجّهه إليه في عبادته و اجتهاده ، ألا ترى أنّ تأويله غير تنزيله ، و قال : { و أنزَلَ لَكُم مِنَ الأنعَامِ ثَمَانِيَةَ أزوَاجٍ } و قال : { و أنزَلنَا الحَديدَ فيهِ بأسٌ شَديد } ؛ فإنزاله ذلك خلقه إيّاه ، و كذلك قوله : { إن كَانَ لِلرَّحمنِ وَلَدٌ فَأنَا أوَّلُ العَابِدين } أي الجاحدين ، و التأويل في هذا القول باطنه مضادّ لظاهره .
و معنى قوله : { فَهَل يَنظُرُونَ إلَّا أن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأتِيَ رَبُّكَ أو يَأتِيَ بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ } فإنّما خاطب نبيّنا محمداً صلى الله عليه و آله و سلم هل ينتظر المنافقون و المشركون إلّا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم ، أو يأتي ربّك أو يأتي بعض آيات ربّك ، يعني بذلك : أمر ربّك ، و الآيات هي العذاب في دار الدنيا ، كما عذّب الأُمم السالفة ، و القرون الخالية ، و قال : { أَوَ لَم يَرَوا أنَّا نَأتِي الأَرضَ نَنقُصُهَا مِن أطرَافِهَا } يعني بذلك : ما يهلك من القرون فسمّاه إتياناً ، و قال : { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنَّى يُؤفَكُون } أي لعنهم الله أنّى يؤفكون ؛ فسمّى اللعنة قتالاً ، و كذلك قال : { قُتِلَ الإنسَانُ مَا أكفَرَهُ } أي لُعِن الإنسان ، و قال : { فَلَم تَقتُلُوهُم و لَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم و مَا رَمَيتَ و لَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } فسمّى فعل النبي صلى الله عليه و آله فعلاً له ، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ؟ …
و أمّا قوله في المنافقين : { و تَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا } فليس ذلك بيقين و لكنّه شكّ ، فاللفظ واحد في الظاهر ، و مخالف في الباطن ، و كذلك قوله : { الرَّحمنُ عَلَى العَرشِ استَوى } يعني استوى تدبيره و علا أمره ، و قوله : { و هُوَ الَّذي في السَّمَاءِ إلهٌ و في الأرضِ إله } و قوله : { و هُوَ مَعَكُم أينَمَا كُنتُم } و قوله : { مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُم } فإنّما أراد بذلك استيلاء أُمنائه بالقدرة التي ركّبها فيهم على جميع خلقه ، و إنّ فعله فعلهم .
فافهم عنّى ما أقول لك ، فإنّي إنّما أزيدك في الشرح لأُثلّج في صدرك و صدر من لعلّه بعد اليوم يشكّ في مثل ما شككت فيه ، فلا يجد مجيباً عمّا يسأل عنه ، لعموم الطغيان ، و الإفتتان ، و اضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب ، إلى الإكتتام و الإحتجاب ، خيفة أهل الظلم و البغي ، أمّا إنّه سيأتي على الناس زمان يكون الحقّ فيه مستوراً ، و الباطل ظاهراً مشهوراً ، و ذلك إذا كان أولى الناس به أعدائهم له ، و اقترب الوعد الحق ، و عظم الإلحاد ، و ظهر الفساد ، هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالاً شديداً ، و نحلهم الكفّار أسماء الأشرار ، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه ، ثمّ يتيح الله الفرج لأوليائه ، و يظهر صاحب الأمر على أعدائه .
و أمّا قوله : { و يَتلُوهُ شَاهِدٌ مِنهُ } فذلك حجّة الله أقامها على خلقه ، و عرّفهم أنّه لا يستحقّ مجلس النبي إلّا من يقوم مقامه ، و لا يتلوه إلّا من يكون في الطهارة مثله ، لئلّا يتّسع لمن ماسّه حسّ الكفر في وقت من الأوقات انتحال الإستحقاق بمقام رسول الله صلى الله عليه و آله ، و ليضيق العذر على من يعينه على إثمه و ظلمه ، إذ كان الله قد خطر على من ماسّه الكفر تقلّد ما فوّضه إلى أنبيائه و أوليائه ، بقوله لإبراهيم : { لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمين } أي المشركين ، لأنّه سمّى الظلم شركاً بقوله : { إنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظيم } فلمّا علم إبراهيم عليه السلام أنّ عهد الله تبارك و تعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام ، قال : { و اجنُبني و بَنِيَّ أن نَّعبُدَ الأصنَامَ } .
و اعلم أنّ من آثر المنافقين على الصادقين ، و الكفّار على الأبرار ، فقد افترى إثماً عظيماً ، إذا كان قد بيّن في كتابه الفرق بين المحقّ و المبطل ، و الطاهر و النجس ، و المؤمن و الكافر ، و أنّه لا يتلوا النبي عند فقده إلّا من حلّ محلّه صدقاً و عدلاً ، و طهارة و فضلاً .
و أمّا الأمانة التي لا تجب و لا تجوز أن تكون إلّا في الأنبياء و أوصيائهم ، لأنّ الله تبارك و تعالى ائتمنهم على خلقه ، و جعلهم حججاً في أرضه ، و السامري و من أجمع معه و أعانه من الكفّار على عبادة العجل عند غيبة موسى ما تمّ انتحال محلّ موسى من الطغام ، و الإحتمال لتلك الأمانة التي لا ينبغي إلّا لطاهر من الرجس ، فاحتمل وزرها و وزر من سلك سبيله من الظالمين و أعوانهم ، و لذلك قال النبي صلى الله عليه و آله : (( و من استنّ سنّة حقّ كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة و من استنّ بسنّة باطل كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة )) ، و لهذا القول من النبي صلى الله عليه و آله و سلم شاهد من كتاب الله و هو قول الله عزوجل في قصّة هابيل قاتل أخيه : { مِن أجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَني إسرَائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسَاً بِغَيرِ نَفسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَميعاً و مَن أحيَاهَا فَكَأنَّمَا أحيَا النَّاسَ جَميعاً } و للإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره ، و هو من هَداها ، لأنّ الهداية هي حياة الأبد ، و من سمّاه الله حيّاً لم يمت أبداً ، إنّما ينقله من دار محنة إلى دار راحة و منحة .
و أمّا ما كان من الخطاب بالإنفراد مرّة و بالجمع مرّة ، من صفة الباري جلّ ذكره ، فإنّ الله تبارك و تعالى اسمه ، على ما وصف به نفسه بالإنفراد و الوحدانيّة هو النور الأزلي القديم الذي ليس كمثله شيء ، لا يتغيّر ، و يحكم ما يشاء و يختار ، و لا معقّب لحكمه ، و لا رادّ لقضائه ، و لا ما خلق زاد في ملكه و عزّه ، و لا نقص منه ما لم يخلقه ، و إنّما أراد بالخلق إظهار قدرته ، و إبداء سلطانه ، و تبيين براهين حكمته ، فخلق ما شاء كما شاء ، و أجرى فعل بعض الأشياء على أيدي من اصطفى من أُمنائه ، و كان فعلهم فعله ، و أمرهم أمره ، كما قال : { مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللَّه } و جعل السماء و الأرض وعاء لمن يشاء من خلقه ، ليميز الخبيث من الطيّب ، مع سابق علمه بالفريقين من أهلها ، و ليجعل ذلك مثالاً لأوليائه و أُمنائه ، و عرّف الخليقة فضل منزلة أوليائه ، و فرض عليهم من طاعتهم مثل الذي فرضه منه لنفسه ، و ألزمهم الحجّة بأن خاطبهم خطاباً يدلّ على انفراده و توحّده ، و بأنّ له أولياء تجري أفعالهم و أحكامهم مجرى فعله ، فهم : العباد المكرمون { لَا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ و هُم بِأمرهِ يَعمَلُون } هو الذي أيّدهم بروح منه ، و عرّف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله : { عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أحَداً * إلَّا مَن ارتَضَى مِن رَّسُولٍ } و هم : النعيم الذي يُسئَل العباد عنه ، لأنّ الله تبارك و تعالى أنعم بهم على من اتّبعهم من أوليائهم .
قال السائل : من هؤلاء الحجج ؟
قال عليه السلام : هم رسول الله ، و من حلّ محلّه من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه و رسوله ، و فرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه ، و هم ولاة الأمر الّذين قال الله فيهم : { أطِيعُوا اللَّهَ و أطيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولي الأَمرِ مِنكُم } و قال فيهم : { و لَو رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ و إلَى أُولِي الأمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم } .
قال السائل : ما ذاك الأمر ؟
قال عليه السلام : الَّذي به تنزّل الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كلّ أمر حكيم من : خلق ، و رزق ، و أجل ، و عمل ، و عمر ، و حياة و موت ، و علم غيب السماوات و الأرض ، و المعجزات التي لا تنبغي إلّا للَّه و أصفيائه و السَفَرة بينه و بين خلقه ، و هم وجه الله الذي قال : { فَأينَمَا تُوَلُّّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّه } هم بقيّة الله يعني المهدي يأتي عند انقضاء هذه النظرة ، فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً ، و من آياته : الغيبة و الإكتتام عند عموم الطغيان و حلول الإنتقام ، و لو كان هذا الأمر الذي عرّفتك بأنّه للنبي دون غيره ، لكان الخطاب يدلّ على فعل ماض ، غير دائم و لا مستقبل ، و لقال : (( نزلت الملائكة )) و (( و فرّق كلّ أمر حكيم )) و لم يقل : (( تنزّل الملائكة )) (( و يفرق فيها كلّ أمر حكيم )) و قد زاد جلّ ذكره في التبيان و إثبات الحجة بقوله في أصفيائه و أوليائه عليهم السلام : { أن تَقُولَ نَفسٌ يَا حَسرَتي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّهِ } تعريفاً للخليقة قربهم ، ألا ترى أنّك تقول : (( فلان إلى جنب فلان )) إذا أردت أن تصف قربه منه ؟
و إنّما جعل الله تبارك و تعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره و غير أنبيائه و حججه في أرضه ، لعلمه بما يحدّثه في كتابه المبدّلون من إسقاط أسماء حججه منه ، و تلبيسهم ذلك على الأُمّة ليعينوهم على باطلهم ، فأثبت به الرموز ، و أعمى قلوبهم و أبصارهم ، لما عليهم في تركها و ترك غيرها ، من الخطاب الدالّ على ما أحدثوه فيه ، و جعل أهل الكتاب المقيمين به ، و العاملين بظاهره و باطنه من : شجرة { أصلُهَا ثَابِتٌ و فَرعُهَا في السَّماء * تُؤتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ بإذنِ رَبِّهَا } ؛ أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت ، و جعل أعدائها : أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم ، فأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ، و لو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بيّنتُ لك تأويلها ، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه ، و لكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بإيجاب الحجّة على خلقه ، كما قال الله تعالى : { قُل فَاللَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ } أغشى أبصارهم ، و جعل على قلوبهم أكنّة على تأمّل ذلك ، فتركوه بحاله ، و حجبوا عن تأكيد الملتبس بإبطاله ؛ فالسعداء ينبهون عليه ، و الأشقياء يعمون عنه ، و من يجعل الله له نوراً فما له من نور .
ثمّ إنّ الله جلّ ذكره لسعة رحمته ، و رأفته بخلقه ، و علمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كتابه ، قسّم كلامه ثلاثة أقسام : فجعل قسماً منه يعرفه العالم و الجاهل ، و قسماً لا يعرفه إلّا من صفى ذهنه ، و لطف حسّه ، و صحّ تميزه ، ممّن شرح الله صدره للإسلام ، و قسماً لا يعرفه إلّا الله و أُمناؤه ، و الراسخون في العلم ، و إنّما فعل الله ذلك لئلّا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه و آله من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم ، و ليقودهم الإضطرار إلى الإيتمار لمن ولّاه أمرهم ، فاستكبروا عن طاعته ، تعزّراً و افتراء على الله عزوجل ، و اغتراراً بكثرة من ظاهرهم ، و عاونهم ، و عاند الله عزوجل و رسوله .
فأمّا ما علمه الجاهل و العالم ، من فضل رسول الله في كتاب الله ، فهو قول الله عزوجل : { مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللَّه } و قوله : { إنَّ اللَّهَ و مَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيّ يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيهِ و سَلِّمُوا تَسلِيماً } و لهذه الآية ظاهر و باطن ؛ فالظاهر قوله : { صَلُّوا عَلَيه } و الباطن قوله : { و سَلِّمُوا تَسلِيماً } أي سلّموا لمن وصّاه و استخلفه ، و فضّله عليكم ، و ما عهد به إليه تَسليماً ، و هذا ممّا أخبرتُك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه ، و صفى ذهنه ، و صحّ تمييزه ، و كذلك قوله : { سَلامٌ عَلَى آلِ يس } لأنّ الله سمّى به النبي صلى الله عليه و آله حيث قال : { يس * و القُرآنِ الحَكيم * إنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِين } لعلمه بأنّهم يسقطون قول الله : (( سلام على آل محمد )) كما أسقطوا غيره ، و ما زال رسول الله صلى الله عليه و آله يتألّفهم ، و يقرّبهم ، و يجلسهم عن يمينه و شماله ، حتّى أذن الله عزوجل في إبعادهم بقوله : { و اهجُرهُم هَجراً جَميلاً } و بقوله : { فَمَالِ الَّذينَ كَفَروا قِبَلَكَ مُهطِعِين * عَن اليَمين و عَنِ الشِّمَالِ عِزِين * أيَطمَعُ كُلُّ أمرِئٍ مِنهُم أن يُدخَلَ جَنَّةَ نَعيم * كَلَّا إنَّا خَلَقنَاهُم مِمَّا يَعلَمُون } و كذلك قول الله عزوجل : { يَومَ نَدعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِم } و لم يسمّ بأسمائهم ، و أسماء آبائهم و أُمّهاتهم .
و أمّا قوله : { كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجهَهُ } فإنّما أُنزلت كلّ شيء هالك إلّا دينه ، لأنّه من المحال أن يهلك منه كلّ شيء و يبقى الوجه ، هو أجلّ و أكرم و أعظم من ذلك ، إنّما يهلك من ليس منه ، ألا ترى أنّه قال : { كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ * و يَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ و الإكرَام } ؛ ففصل بين خلقه و وجهه ))..

[[ الإحتجاج للشيخ الطبرسي ، ج ١ ص ٣١٥ ؛ بابُ احتجاجات أمير المؤمنين صلواتُ الله و سلامه عليه على زنديق في آي متشابهة من القرآن ]]

https://t.me/heyatalallah313

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading