[[ القواعد العلوية في فهم القرآن (٣) ]]

[[ القواعد العلوية في فهم القرآن (٣) ]]
▪️معنى الخاص و العام في كتاب الله و أقسامه :
_فأمّا ما ظاهره العموم و معناه الخصوص .
_و أمّا ما لفظه خصوص و معناه عموم .
_و أمّا ما لفظه ماض و معناه مستقبل .
_و أمّا ما نزل بلفظ العموم و لا يراد به غيره .

..و سألوه صلوات الله و سلامه عليه _ أي أمير المؤمنين _ عن الخاص و العام في كتاب الله تعالى فقال : (( إنّ من كتاب الله تعالى آيات لفظها لفظ العام و معناه خاص ، و منه آيات لفظها لفظ الخاص و معناه عام ، و من ذلك ما لفظها عام يريد به الله تعالى العموم ، و كذلك الخاص أيضاً .
فأمّا ما ظاهره العموم و معناه الخصوص :
فقوله عزوجل : { يا بَنِي إسرَائِيلَ اذكُرُوا نِعمَتيَ الَّتي أنعَمتُ عَلَيكُم و أنِّي فَضَّلتُكُم عَلَى العالَمِين } ، فهذا اللّفظ يحتمل العموم و معناه الخصوص ؛ لأنّه تعالى إنّما فضّلهم على عالمي زمانهم بأشياء خصّهم بها ، مثل المنّ و السّلوى ، و العيون التي فجّرها لهم من الحجر و أشباه ذلك .
و مثله قوله تعالى : { إنَّ اللَّهَ اصطَفى آدَمَ و نُوحاً و آلَ إبرَاهيمَ و آلَ عِمرانَ عَلَى العالَمِين } أراد الله تعالى أنّه فضّلهم على عالمي زمانهم .
و كقوله تعالى : { و أُوتِيَت مِن كُلِّ شَيءٍ و لَها عَرشٌ عَظِيم } ، يعني سبحانه و تعالى ، ( بلقيس ) و هي مع هذا لم تؤت أشياء كثيرةً ممّا فضّل الله تعالى به الرجال على النساء .
و مثل قوله تعالى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمرِ رَبِّها } يعني الريح و قد تركت أشياء كثيرةً لم تدمّرها .
و مثل قوله عزوجل : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أفاضَ النَّاسُ } إنّما أراد سبحانه بعض الناس ، و ذلك أنّ قريشاً كانت في الجاهلية تفيض من المشعر الحرام و لا يخرجون إلى عرفات كسائر العرب ، فأمرهم الله سبحانه أن يفيضوا من حيث أفاض رسول الله صلى الله عليه و آله و أصحابه و هم في هذا الموضع الناس على الخصوص و رجعوا على سنّتهم .
و قوله : { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُل } يعني بالنّاس هاهنا اليهود فقط .
و قوله تعالى : { يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ و الرَّسُولَ و تَخُونُوا أماناتِكُم و أنتُم تَعلَمُون } و هذه الآية نزلت في أي لبابة بن عبد المنذر و قوله عزوجل : { و آخَرُونَ اعتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً و آخَرَ سَيِّئاً } نزلت في أبي لبابة و إنّما هو رجل واحد .
و قوله تعالى : { يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي و عَدُوَّكُم أولِياءَ تُلقُونَ إلَيهِم بِالمَوَدَّة } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، و هو رجل واحد ، فلفظ الآية عام و معناها خاص و إن كانت جاريةً في الناس .
و قوله سبحانه : { الَّذينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم فَزادَهُم إيماناً و قالُوا حَسبُنَا اللَّهُ و نِعمَ الوَكِيل } نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي ، و ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله لمّا رجع من غزوة أحد ، و قد قُتِلَ عمّه حمزة ، و قُتِلَ من المسلمين من قُتِل و جُرِحَ مَن جُرِح و أنهزمَ مَن انهزم ، و لم ينله القتل و الجرح ، أوحى الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه و آله أن اخرج في وقتك هنا لطلب قريش و لا تخرج معك من أصحابك إلّا كلّ من كانت به جراحة .
فأعلمهم بذلك ، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح حتّى نزلوا منزلاً يقال له ( حمراء الأسد ) ، و كانت قريش قد جدّت السّير فرقاً ، فلمّا بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه و آله في طلبهم خافوا ، فاستقبلهم رجل من أشجع يقال له نعيم بن مسعود ، يريد المدينة ، فقال له أبو سفيان صخر بن حرب : يا نعيم ، هل لك أن أضمن لك عشر قلائص و تجعل طريقك على حمراء الأسد ، فتخبر محمداً سأنّه قد جاء مدد كثير من حلفائنا من العرب كنانة و عشيرتهم و الأحابيش و تهوّل عليهم ما استطعت فلعلّهم يرجعون عنّا .
فأجابه إلى ذلك و قصد حمراء الأسد فأخبر رسول الله بذلك و أنّ قريشاً يصبحونكم بجمعهم الذي لا قوام لكم به فاقبلوا نصيحتي و ارجعوا ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله : حسبنا الله و نعم الوكيل إعلم أنّا لا نبالي بهم .
فأنزل الله سبحانه على رسوله : { الَّذينَ استَجابُوا لِلَّهِ و الرَّسُولِ مِن بَعدِ ما أَصابَهُمُ القَرحُ لِلَّذينَ أَحسَنُوا مِنهُم و اتَّقَوا أجرٌ عَظيم * الَّذينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم فَزادَهُم إيماناً و قالُوا حَسبُنَا اللَّهُ و نِعمَ الوَكِيل } و إنّما كان القائل لهم نعيم بن مسعود فسمّاه الله تعالى باسم جميع الناس .
و هكذا كلّ ما جاء تنزيله بلفظ العموم و معناه الخصوص ، و مثله قوله تعالى : { إنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ و رَسُولُهُ و الَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ و يُؤتُونَ الزَّكاةَ و هُم راكِعُون } .
و أمّا ما لفظه خصوص و معناه عموم :
فقوله عزوجل : { مِن أجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَني إسرَائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسَاً بِغَيرِ نَفسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَميعاً و مَن أحياها فَكَأنَّمَا أحيَا النَّاسَ جَميعاً } فنزل لفظ الآية خصوصاً في بني إسرائيل و هو جار على جميع الخلق عامّاً لكلّ العباد من بني إسرائيل و غيرهم من الأمم ، و مثل هذا كثير في كتاب الله تعالى .
و قوله سبحانه : { الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زانِيَةً أو مُشرِكَةً و الزَّانِيَةُ لا يَنكِحُها إلَّا زانٍ أو مُشرِكٌ و حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤمِنينَ } نزلت هذه الآية في نساء كنّ بمكة معروفات بالزّنا منهنّ سارة و خثيمة و رباب ، حرّم الله تعالى نكاحهنّ ، فالآية جارية في كل من كان من النّساء مثلهنّ .
و مثله قوله سبحانه : { و جاءَ رَبُّكَ و المَلَكُ صَفّاً صَفّاً } و معناه جميع الملائكة .
و أمّا ما لفظه ماض و معناه مستقبل :
فمنه ذكره عزوجل أخبار القيامة و البعث و النشور و الحساب فلفظ الخبر ما قد كان و معناه أنّه سيكون ، مثل قوله عزوجل : { و نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ و مَن في الأَرضِ إلَّا مَن شاءَ اللَّهُ } إلى قوله { و سِيقَ الَّذينَ اتَّقَوا رَبَّهُم إلَى الجَنَّةِ زُمَراً } فلفظه ماض و معناه مستقبل .
و قوله سبحانه : { و نَضَعُ المَوازينَ القِسطَ لِيَومِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً } ، و أمثال هذا كثير في كتاب الله تعالى .
و أمّا ما نزل بلفظ العموم و لا يراد به غيره :
فقوله تعالى : { يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إنَّ زَلزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظيم } .
و قوله : { يا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ و أُنثى } .
و قوله سبحانه : { يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الَّذي خَلَقَكُم مِن نفسٍ واحِدَةٍ } .
و قوله : { الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمين } .
و قوله : { كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً } أي على مذهب واحد و ذلك كان من قبل نوح عليه السلام و لمّا بعثه الله اختلفوا ثمّ بعث النبيّين مبشّرين و منذرين ..
للحديثِ الشريفِ تتمة …

[[ كتاب الغيبة و تفسير النعماني ( رسالةُ المُحكم و المتشابه ) للشيخ النعماني ص ٣٥٨ ؛ تحقيق : مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة ]]

https://t.me/heyatalallah313

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة