العلوم اللازمة للإحاطة بعبارات الشيخ الأوحد
Posted on الأربعاء ۲۳ ربيع الثاني ۱٤۳۹هـ ۱۰-۱-۲۰۱۸م
by شبكة نور الإحقاقي
Leave a Comment
العلوم اللازمة للإحاطة بعبارات الشيخ الأوحد
العلوم اللازمة للإحاطة بعبارات الشيخ
ثم إن هذه العبارات لا يحيط بها ولا يعرفها كما ينبغي إلا أن يكون عالماً محيطاً بدقائق علوم شتى.
الأول منها: علم الصناعة
لتوليد المولود الفلسفي الذي يهزم الصفوف ولا يكترث بالألوف وقد سماه أمير المؤمنين – صلوات الله عليه – بأخت النبوة وعصمة المروة الماء الجامد والهواء الراكد والأرض السائلة والنار الحائلة صاحب الأوصاف المتناقضة المضادة. ويعرفه من جهة العلم التحقيقي عن بصيرة ويقين وربط كل شيء بلك شيء واستخراج ظاهره من باطنه وباطنه من ظاهره كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ( الناس يعلمون ظاهرها وأنا أعلم ظاهرها وباطنها ) وقد قالوا عليهم السلام: ( نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ).
لا معرفة العمل المحض فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع في المعارف الإلهية والأسرار الربانية وهو قول أستاذنا – أعلى ا لله مقامه – فيما نقلنا عنه سابقاً في العروج الجسماني وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بجسمه صعد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى قال: ( إن برهان ما ذكرنا مذكور في علم الصناعة يطلع عليه من يعرفه ) وهو أعظم ما له مدخلية في هذا الباب.
الثاني منها: علم الهندسة
لمعرفة الأشكال والنسب وضبط الحدود والمقادير ومعرفة الأجسام التعليمية والأجساد التعليمية ونسبها وقراناتها وأوضاعها وكيفياتها وكمياتها وجهاتها ومراتبها وسائر حدودها وهيأتها والصور والأشكال الحاصلة من تلك القرانات والإضافات ومعرفة أنها كلها هيئات صورية لا جواهر مادية كما قال عليه السلام على ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في تفسير الشبح: ( أنه ظل النور وأن الأشباح أبدان نورانية لا أرواح لها ).
وجهل الناس بهذا العلم أوقعهم في كثير من الهلكات وظنوا بمن ساحة عزه منزهة عما توهموه من الظنون والخيالات ( يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخي ميتاً فكرهتموه ).
الثالث منها: علم الهيئة للأفلاك
ومعرفة نسبها وأوضاعها ومقادير حركتها والإصطلاحات التي يستعملون أهل العلم ألى ترى كيف ذكره – طيب الله مضجعه – ( ويكون سيره في ذلك كله موازياً للخطوط الخارجة عن مركز العالم إلى المحيط بها في كل ذلك فيدور معها على التوالي … الخ ) وكذلك معرفة القطب والمحور والقطر والوتر والمركز والدائرة والقوس ونسبة كل واحد منها إلى الآخر وضبط تفاوت تلك النسب ومقاديرها والفضل بين النسب وهو قول مولانا الصادق عليه السلام على ما رواه ثقة الإسلام في روظة الكافي عن عبدالرحمن بن سيابة عنه عليه السلام – إلى أن قال – ( أفتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة ؟ قلت: لا والله قال: أفتدري كم بين الزهرة والقمر من دقيقة ؟ قلت: لا قال: أفتدري كم بين الشمس والسنبلة من دقيقة ؟ قلت: لا والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط قال عليه السلام: أفتدري كم بين السكينة واللوح المحفوظ من دقيقة ظ قلت: لا والله ما سمعته من منجم قط قال عليه السلام : ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستين أو تسعين دقيقة ثم قال عليه السلام : يا عبدالرحمن هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف عدد القصبة التي في وسط الأجمة وعدد ما عن يمينها وعدد ما عن يسارها وعدد ما خلفها وعدد ما في أمامها حتى لا يخفى عليه قصب الأجمة شيء واحد … ).
وهذا هو ضبط النسب الفلكية على ما فصلت لك مما ذكرت من الحديث الشريف وتلك القصبة هي قصبة الياقوت المتمة بأربعة عشر عقداً والأجمة أجمة اللاهوت وما أمامها رتبة الوجود المطلق وما خلفها رتبة الوجود المقيد وما خلفها الظلال المعكوسة والظلمات المدلهمة ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موجه من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ).
فإذا عرف العالم هذه الدقائق عرف بعد ذلك نسبة جسد النبي المختار وأهل بيته الأطهار – عليه وعليهم سلام الله بالعشي والأبكار مع فلك الدوار – وبذلك يظهر له حل العبارة بلطيف الإشارة فافهم.
والرابع منها: معرفة علم النجوم
وكينونة الكواكب الثوابت والسيارات وما لها ومنها وإليها وعنها وفيها ولديها وكيفية تركيبها وضبط مقادير أمزجتها وألوانها ونظراتها وقراناتها وآثارها وأن كينونتها بنيت وأخذت من اللطافة أم من الكثافة ؟ فإن كانت من الأولى: فما بالها تدرك بالأبصار دون الهواء والنار ؟ مع أنها فوقهما والطفرة في الوجود باطلة على ما برهن في العلم الطبيعي.
وإن كانت من الثانية: فيلزم ما أجمعوا على بطلانه من الطفرة ومعرفة حقيقة الأمر في ذلك.
وبذلك يظهر حكم لطافة جسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الأبصار تدركه والحواس تحسه ولا يمنعه ذلك من أن يكون ألطف وأصفى من الأفلاك والسماوات وكذلك معرفة نسب الكواكب وخواصها ألا تراه ذكر – أعلى الله مقامه – أن ( السماء الدنيا سماء الحياة والثانية سما الفكر والثالثة سماء الخيال والرابعة سماء الوجود الثاني والخامسة سماء الوهم والسادسة سماء العلم والسابعة سماء العقل والثامنة سماء الصور والتقدير والتاسعة سماء التسخير ) وهذه الخواص والنسب – أيضاً – ما سمعها المنجمون فضلاً عن أن يعرفها إلآ أن المطلع لحلي الاصطلاح يمكن له تفهيم الكلام إذ لم يعاند ولو بالوجوه المختلفة.
ألا تراه – أعلى الله شأنه ورفع في الخلد مكانته ومكانه – ذكر ( أن سيره صلى الله عليه وآله وسلم كان في بدو الوجود والشمس قائمة على قمة الرأس في التاسع عشر من برج الحمل وكان طالع الدنيا سرطان ) وهذا لفظ الحديث الوارد عن مولانا الرضا عليه السلام لما سأله ذو الرئاستين عن تقدم الليل على النهار فأجاب عليه السلام كما سمعت وقد صعب هذا الحديث الشريف على المنجمين لأنه على خلاف قواعدهم المقررة وإلى الآن ما رأيت أحداً حل مغلاقه على نهج البصيرة وأنى لمنجم معرفة الأسرار المطلوبة في طي إشارات أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم.
فإذا عجز أهل العلم وأهل الإصطلاح والماهر في الفن عن معرفة هذه الدقائق فغيرهم – ولعمري – أعجز وأعجز وأعجز.
والخامس منها: علم الطبيعي
لمعرفة الأجسام الطبيعية وكيفية تركيبها وأصولها وفروعها وذاتيتها وعرضيتها والفرق بينها وبين الأجسام التعليمية والأجساد التعليمية وأن الجسم المحسوس المرئي ما هو ؟ وفي أصل خلقته أي شيء ؟ وهل هو مركب من الهيولي والصورة أو من الأجزاء التي لا تتجزئ ؟ أو من الأجزاء الصغار الصلبة كما ذهب إليه ( ذي مقراطيس الحكيم . أو هو الصورة الجوهرية ؟ ) أو غير ذلك.
وكيف يختلف الجسم باللطافة والكثافة الذاتيتين ؟ وما معناهما وحقيقتهما ؟ وما الفرق بينهما وبين العريضتين ؟ وما الفرق بين آثارهما ومقتضياتهما وأحوالهما ؟ وهل جسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام كان لطيفاً في هذه الدنيا أو كثيفاً ؟ وعلى التقديرين ذاتياً كان أم عرضياً وهذه الأبحاث كلها مبرهنة في العلم الطبيعي وما وقع في العبارة الشريفة إشارة إلى تلك المباحث الدقيقة والمطالب الخفية.
والسادس منها: العلم الإلهي بالمعنى الأعم
– على مصطلحهم – ليعرف حقيقة العقل والنفس والروح وآثارها ومقتضياتها وأصل انبعاثها وتكونها وتذوتها وتحقيق قاعدة إمكان الأشراف وبطلان الطفرة وإيجاد السلسلة الطولية والعرضية والفرق بينهما ومعنى الصعود والنزول والعروج والهبوط مع قوله تعلى: ( وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون ) ألا تراه قال: ( وجسمه صلى الله عليه وآله وسلم علة الأجسام وروحه علة الأرواح ونفسه علة النفوس وعقله علة العقول ).
ويعرف حقيقة العلة والمعلول وأن العلة على كم معنى تطلق ؟ وكم وجه منها يراد ؟ ومعرفة شرائطها ومتمماتها ومكملاتها وأقسامها ونسبتها مع المعلول ويعرف معنى التقدم والتأخر والقبلية والبعدية وأقسامها معانيها ويعرف الدهر والزمان والسرمد والنسبة بين هذه الثلاثة وأحاكمها ولوازمها ومقتضياتها وتقدم بعضها على بعض وتأخر بعضها على بعض ألا تراه – أعلى الله مقامه – قال: ( عرج بجسده في الزمان في الليل وبجسمه في الدهر وبروحه في السرمد وذلك قبل الزوال بقليل مقدار ألف عام ).
ومعرفة العام والسنين في عالم الغيب مع أنه ليس هناك طلوع ولا غروب ولا ليل ولا نهار ولا ساعات ولا دقائق فكيف كان خلق الأرواح قبل الأجسام بألف عام أو بأربعة آلاف عام – على اختلاف الروايات – ؟ وما معنى أن قلوب المؤمنين خلقوا من شعاع جسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وما معنى الشعاع وما معنى المنير ؟ وما معنى الخلقه ؟ وما معنى الإنخلاق ؟ وفي كل مقام من هذه المقامات للعلماء الأعلام بحث طويل وهذه المباحث هي أصعب ما يرد على العلماء الفحول من أهل المعقول , الذين قصروا نظرهم إلى المنقول ويريدون وزن هذا بذاك ووزن ذلك بهذا , وأما الذين قصروا نظرهم إلى المعقول وما لاحظوا الوزن وإن كانوا في تعب شديد في تحقيق هذه المطالب وتبيين هذه المقاصد إلا أن امرهم أسهل وخطبهم أهون.
وكان لمولانا الأستاذ – أعلى الله مقامه – ورفع في الخلد أعلامه – مباحث شريفة ومستخرجة من دقائق كلمات أهل بيت العصمة والطهارة في هذا الشأن , ما عثر عليها أهل الشأن من أهل الشأن وربما لا يعرفونها إذا ألقيت عليهم فما ظنك بالجهال من أهل الشأن , وأولي البغضاء والعدوان.
السابع منها: علم الإلهي بالمعنى الأخص
على مصطلحهم وعلى مصطلحنا المأخوذ عن أئمتنا الأعلام عليهم السلام ( الله الكامل التام ) وهو العلم المعاني والبيان لقوله تعالى ( الرحمن علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان ) وقال مولانا الباقر عليه السلام: ( عليك بالبيان والمعاني ) فقال جابر: وما البيان والمعاني ؟ قال عليه السلام: ( أما البيان: فهو أن تعرف أن الله واحد ليس كمثله شيء فتعبده ولا تشرك به شيئاً. وأما المعاني: فنحن معانيه ونحن علمه … ).
ليعرف التوحيد في مراتبه الأربع المشهورة بين العلماء وأما ما عندنا فمراتبه خمسة آلاف ومائتان وثمانون مرتبة كما ذكرناها في رسالة منفردة.
وفي توحيد الصفات: يعرف الفرق بين الصفات الذاتية والصفات ا لفعلية ويعرف معنى صفات الفعلية وإنها هي حادثة – كما هو عندنا الشيعة – أم قديمة ؟ وما معنى حدوثها وتوصيف القديم بها ؟ وأن الفاعل والخالق والرازق والمحيي والمميت من الصفات الذاتية أو الفعلية ؟ وهل فرق بين العلة والفاعل أم لا ؟ وعلى فرض كون الفاعل من الصفات الفعلية كما صرح به العلامة المجلسي قدس سره في كتابه الفارسي الموضوع للعوام المسمى بحق اليقين. وعدم الفرق بين العلة والفاعل والخالق ما موصوف هذه الصفات إن كان الموصوف هو الفاعل كما هو مقتضى ما أجمعوا عليه من صفات الأفعال والصفات الفعلية ما نسبتها إلى الفعل دون الذات ؟
فإن كان الأمر كذلك فكيف يوصف الله سبحانه بها فيقال: الله الخالق الرازق ولا يقال الفعل الخالق الرازق كما هو مقتضى نسبة كل صفة إلى موصوفها ؟ وإن كان الموصوف هو الذات البحت , فما معنى القول بأنها صفات الأفعال ؟ فكيف يصح القول بحدوثها ؟ لإستلازام ذلك أن يكون القديم سبحانه ملاً للحوادث وبصحة سلب تلك الصفات وإثباتها يلزم التغيير ضرورة مغايرة حالتي النفي والإثبات والوجود والعدم.
وهل هذه الصفات الفعلية جواهر أم أعراض – بعد فرض حدوثها – ؟ فإن كانت أعراضاً فأين الجوهر التي يتقوم به ؟ فإن كانت هو الذات يلزم أن يكون سبحانه محلا للحوادث وإن كان هو الفعل وهو أيضاً جوهر أم عرض ؟ وعلى الثاني – كما هو المشهور المحقق عندهم – بأي شيء يقوم الفعل ؟ فيقولون أنه أمر اعتباري فيكون الصفات الفعلية – على هذا المذهب السخيف – كلها اعتباريات ولا يرضى به جاهل فضلاً عن فاضل.
فإذا كان الفعل جوهراً فهو حادث أو قديم , والثاني: باطل بالضرورة والأول: خلق قبل الصفات الفعلية أم بعد الصفات الفعلية ؟ فإن كان الثاني: بطل كونه موصوفاً ضرورة تقدم الموصوف على الصفة وتأخرها عنه وإن كان الأول: فكان الفعل أو المخلوقات والحوادث. ثم بعده الصفات الفعلية ثاني المخلوقات والحوادث فعلى هذا فكيف تنسب هذه الصفات إلى الله القديم جل شأنه ؟ وكيف التوفيق بين هذا وبين ما تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار – عليهم سلام الله الملك الجبار – من أن أول الحوادث والكائنات النور المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسبقه شيء من المخلوقات والذوات والصفات , وقد انعقد على ذلك إجماع المسلمين من المخالف والموافق , بل وضرورة الإسلام أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أول ما خلق الله , وما معنى ما ورد في الزيارة المشهورة لأمير المؤمنين عليه السلام: ( السلام على اسم الله الرضي ونوره المضيء ) والزيارة متواترة لا شك فيها ولا ريب يعتريها.
وتنقيح هذه المطالب وتبيين هذه المقاصد إنما هو في ذلك العلم الغريب العجيب ومن هناك يظهر معنى قوله – أعلى الله مقامه – ( جسمه علة الأجسام وروحه علة الأرواح … إلخ ) وحاشا أن يكون خالق سوى الله سبحانه ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ).
وبالجملة: حقيقة المطلب وشرح الأمر والمقصد يجري على اصطلاحات أهل ذلك العلم ولا يعرف هذه المسألة إلا بعد الإطلاع بدققائقه وحقائقه وأسراره ولطائفه , ولا يكفي معرفة بعض المسائل الظاهرية أيضاً.
الثامن منها: علم التوليد والضم والإستنساج
والتفريق والإنفصال.
الذي هو وجه عظيم من علم الطب ولم يشتهر عندهم , ولم يعثروا عليه إلا طائفة قليلة من أهل البصيرة والمعرفة النورانية , وبه تعرف حقيقة السمن والهزل , والكبر والصغر والتكبير والتصغير والنمو والذبول وتولد الآثار من النسب والإضافات وإن هذه الأمور هل هي بزيادة أجزاء في الشيء ونقصانها ؟ أو باعتبار الهيئة والعوارض , لا لأجزاء وإنما يتصادم الطبائع وغلبة بعضها على بعض وانبساط الأجزاء والتزازها وضم بعضها ببعض وهل يجب حينئذ تداخل أجزاء أخر تخلخل في الأجزاء الأصلية عند الإنبساط – وهي المسماة بالأجزاء الفضلية – أم لا ؟ وكيف يتصور إلقاء شيء عن شيء وأخذه عنه ؟ وهل علة الإيجاد والكثافة نفس الأعراض والإضافات والهيئات أم لا ؟ بل مع ذلك أجزاء خارجية.
وهل الذوبان والإنجماد مما يغير الشيء عن حقيقته أم لا ؟ بل هو والأحكام الجارية عليه وهل هما لا يحصلان إلا بتغير الصورية النوعية والشخصية المتعارفة بحيث يفرق العرف بين الحالتين فرقاً بيناً أم خفياً ؟ أم لا يفرقون ؟ بل التفاوت إنما هو أمر مخفي لا تبتنى عليه الأحكام العرفية ولا الإطلاقات اللغوية والأوامر والنواهي الشرعية.
وهذه مباحث شريفة ومطالب منيفة دقيقة تنقيحها وبيانها وشرحها وذكر أدلتها مفصلة في ذلك العلم فمن عرف هذا العلم يظهر له معنى قول مولانا وأستاذنا المرحوم – أسبغ الله عليه النوال , وحشره مع محمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم أجمعين: ( ألقى ما فيه من الهواء وما فيه من النار فيها وإذا رجع أخذ كل ما ألقى في كل رتبة ).
ويعرف أن هذه الإلقاء والأخذ ليس على ما يعرفون وعلى ما يظنون لأن الكلام جرى على اصطلاح العلماء العارفين الماهرين الكاملين يظهر له معنى قوله رحمه الله في التمثيل لجبرائيل إذا ظهر بصورة دحية بن خليفة الكلبي وأنه يملأ ما بين السماء والأرض وأنه يمر من ثقب الإبرة بل أصغر ولا ينقص منه شيء ولا يزيد وإنما تبدل أعراضه وصوره وهيئاته لا غير ذلك.
والتاسع منها: علم الأحكام النفس الأمرية
وهذا علم لن يعثر عليه العلماء ولم يطلع عليه الحكماء , نعم قد استخرجه مولانا – أعلى الله مقامه , ورفع في الخلد أعلامه – من إشارات كلام ا لله المجيد وتلويحات الروايات وهذه الأحكام غير الأحكام الواقعية وغير الأحكام الذهنية وإنما هي أحكام ثابتة في الورقة السفلى من اللوح المحفوظ في مقام لوح المحو والإثبات ولهذا العلم مسائل كثيرة وفروع غير عديدة أشرنا إلى جملة منها في شرحنا على الخطبة التطنجية فلا نعيد ههنا.
ويظهر منها تبدل الصور واختلاف الهيئات من حين كونه نطفة وخلعها ولبس صورة العلقة وخلعها ولبس صورة المضغة وخلعها ولبس صورة البشرية حال الجنين وخلعها ولبس صورة الدنياوية وهكذا من العظام والصبا والمراهقة والبلوغ والتمام والكمال والشيخوخة والهرم والضعف والموت والرمم والبعث وهكذا إلى أن ينتهي الأمر ويرفع الموانع التي هي سبب تأسيس حكم العرضي فاختلاف الأحكام إنما هو بالهيئات المختلفة وذلك بالإقتضاءات الخارجية والداخلية فكل شيء في كل حال دائماً يلقي شيئاً ويأخذ شيئاً وهو قوله تعالى: ( بل هم في لبس من خلق جديد ) وليس الملقى داخلاً في حقيقة الشيء ولا المأخوذ إلا ما كان من باب الواقعي لا النفس الأمري وبذلك يظهر معنى قوله – أعلى الله مقامه – ( ألقى ما فيه من الهواء في رتبة , وألقى ما فيه من النار فيها ).
ويظهر معنى لطافة جسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجسد الأئمة عليهم السلام وكون تلك الأجساد الشريفة في أعلى مراتب الإعتدال والإستقامة وأنها في هذه الدنيا أصفى وأعدل من أجسام أهل الجنة فيها مع ما يعتريهم من أنواع الأعراض والآلام والموت والقتل وأمثال ذلك.
وهذه المباحث لا تعرف إلا بالفرق بين أحكام النفس الأمرية والأحام الواقعية وتحقيقها إنما يعرف في ذلك العلم الشريف والبحث اللطيف وأغلب الناس – كما سمعت – ما سمعوا هذا العلم ومباحثه فضلاً عن إدراك دقائقه وحقائقه ومفتاح هذه العبارة إنما هو في هذا العلم.
والعاشر منها: علم التطبيق والتوفيق
بين العوالم والأناسي الثلاثة: الإنسان الكبير والوسيط والصغير وأغلب العلماء لم يعثروا على دقائق هذا العلم وحقائقه والذي عثر على بعض مقاماته ما استوفى الكلام على تنقيحه وتهذيبه وأصله ما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام.
وتزعم أنك جرم صغير **** وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي ***** بأحرفه يظهر المظمر
وقال ايضاً عليه السلام: ( الصورة الإنسانية أكبر حجة الله على خلقه وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته وهي مجمع صور العالمين وهي المختصر من اللوح المحفوظ … ) رواه ا لديلمي في الدرر والغرر نقلت بعض معناه وقال الله عز وجل: ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) وقال أيضاً: ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) وقال: ( وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) وغيرها من الآيات والروايات المؤيدة البراهين القطعية والمعتضدة بالأدلة العقلية كما هو معلوم عند أولي الفطنة الزكية والبصيرة ا لقوية.
وفي هذا العلم يظهر كيفية الإنطباق العالم بما فيه من المجردات والماديات والعلويات والسفليات والأفلاك والعناصر والمواليد والحركات والكائنات والجواهر القارة وغير القارة والأعراض والصور والهيئات واللوازم والمتممات والمكملات والشرائط وتمكين القابليات وظهور المقبولات والعرش والكرسي والسماوات والبحار والأشجار والبراري والفلوات والأنبياء والرسل والشرور والخيرات والفروع والأصول والأنوار والظلمات وما استجن في غيب الكائنات وما استسر من دقائق الخفيات والزمنيات والدهريات والسرمديات وأحكام الحركات والإستدارات وعجائب ما استودع في الإمكان من غرائب النسمات وما خلق في الإمكان والعين خالق البريات وكل ذلك وجميع التفاصيل والأحوال.
مع كل ذلك يعرف انطباقها مع الحقيقة الإنسانية في الوسيط والصغير وبذلك يظهر أجساد الدنيوية والزمانية والعنصرية والهورقلوية والبرزخية والأخروية وإن هذه الأجساد ليس كما توهمه الناس بل هي أعراض كل ما جعله الله – سبحانه وتعالى – في الإنسان لتتميم الجامعية وإظهار الكاملية ويظهر لك بالتوضيح معنى الإلقاء والأخذ كما ذكره – أعلى الله مقامه – يما لا ينافي ظاهر ما عليه عامة الناس بقدر الشعرة.
ولهذا العلم مسائل كثيرة وفروع غير حديدة يعثر عليها العارف المتتبع ويغفل عنها الجاهل المتكاسل ولمولانا – أعلى الله مقامه , ورفع في فسح الجنان منزلته – في هذا العلم استخراج وكنوز وأسرار لم يعثر عليها دقائق الأفهام واستنباطات حقائق علوم أنوار تعجز عنها العقول والأحلام وهذه العبارات الشريفة لا يصح مغلاقها إلا بذلك المفتاح التام إن في ذلك لعبرة لألي الأبصار والأفهام.
والحادي عشر منها: علم الموازين
أي ميزان المطالب بالمشاعر , وميزان المشاعر بالأدلة , وميزان الأدلة بالميزان القويم والقسطاس المستقيم ومن جهة الجهل بهذه الموازين ظهر الخلل العظيم في الأفهام والإدراكات , إذ ما كل مطلب يدرك بكل مشعر ولا كل مشعر يدرك كل مطلب.
ألا ترى أنك بالبصر لا تدرك الأصوات , وبالسمع لا تدرك الألوان وباللسم لا تدرك الطعوم وبالذوق لا تدرك الروائح , وكذلك الحواس الباطنية. فإن المتخيلات لا تدرك بالقوة الفكرية , والبرزخيات بالقوة المتخيلة , والمتوهمات لا تدرك بالقوة المتصرفة , والمتصرفات لا تدرك بالقوة المتخيلة العاقلة , وكذلك مطالب ومقاصد لا تدرك بهذه القوى – أي الدماغية – وإنما هو بالنفس الناطقة القدسية , وكذلك أيضا مطالب لا تدرك بها فإنها تدرك بالقلب وأركانه وكل ركن مخصوص بإدراك مطالب لا يشمل الركن الآخر.
وأركان القلب أربعة: الركن الأيمن الأعلى , وهو ينبوع النور الأبيض الذي منه ا لبياض ومنه ضوء النهار والركن الأيمن الأسفل , وهو ينبوع النور الأصفر التي منه اصفرت الصفرة والركن الأيسر الأعلى وفيه النور الأخضر التي منه اخضرت الخضرة والركن الأيسر الأسفل الذي فيه ينبوع النور الأحمر الذي منه احمرت الحمرة , وكل واحدة من هذه الأركان مخزن علوم ومطالب لا تدرك ولا تعرف بالركن الآخر , ولا ينال أحد شيئاً منها إلا في كل منها فمن طلبها في غير موضعها لا يعثر عليها , كمن طلب إدراك الأصوات بالبصر وإدراك الألوان بالسمع وهكذا سائر المشاعر.
هنا – أيضاً – مطالب ومقاصد آخرى لا يدركها القلب بأركانها وإنما يدركها الفؤاد بمراتبه ومقاماته منها ما يدركه في مقام الكلمة التامة والرحمة العامة والكلمة العليا الذي أصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ومنها ما يدركه في مرتبة الحروف العاليات والصور المكنونات والمخزونات والسحاب والسحاب المزجي المثار من شجرة البحر بأنحاء التطورات , وهو المعنى من قوله تعالى: ( خلقطم أطواراً ).
ومنها ما تدركه في مقام الألف اللينة واللطيفة الحقيقة والسريرة الإلهية والنفس اللاهوتية.
ومنها ما تدركه في مقام النقطة البسيطة من السر المعمى والرمز المتمم معدن علوم إلهية ومخزن أسرار ربوبية وينبوع متممات وصفات ا لحقيقة المجرد عن ا لحد والكيفية المنزهة عن الرسم والكمية لا تنالها البصائر والعقول , ولا يصل إليها أهل المعقول والمنقول.
وقد وقعت الإشارة بصريح العبارة إلى هذه المراتب بقول مولانا الصادق عليه السلام على ما رواه في مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة الذي اعتمد عليه جماعة من العلماء الأعلام وطائفة من الفقهاء الكرام منهم السيد الأجل السيد ابن طاووس قدس سره. كان من شدة الإعتناء به والوثوق عليه يجعله حرزاً ويشده في عضده قال عليه السلام: ( إذا تحقق العلم في الصدر خاف , وإذا خاف هرب , ومن هرب نجا , وإذا أشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل فإذا تمكن من رؤية الفضل رجا وإذا رجا طلب ومن طلب وجد وإذا انجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة واستنأس في ظلال المحبوب وآثر محبوبه على سواه ). نقلت بعض الحديث بالمعنى.
والحاصل: أن الفرق بين المشاعر والقوى المدركة من أصعب ما يرد على الفحول العلماء بل لا تقف عند إدراكها وضبط حدودها وأوضاعها العقول , وكان لمولانا وأستاذنا في هذه المباحث نتائج أفكار دقيقة وقواعد رموز رشيقة لا يهتدي إليها الكاملون الماهرون في هذه الفنون , فما ظنك بغيرهم ممن لم يتبعوا في أطوار هذه الدقائق , ولم يستضيء أبصار قلوبهم بأنوار هذه الحقائق إذ لم يسمعوها ولم يعوها فهم عنها غافلون.
وجل مطالبه – في مباحثه ورسائله – مبنيه على الفرق بين هذه المشاعر واختصاص كل مشعر بمطلب خاص لا يصلح الآخر له , كما إن البصر لا يصلح لإدراك الأصوات , والسمع لا يصلح لإدراك الألوان وكذلك باقي المشاعر وصرح قول أمير المؤمنين عليه السلام: ( إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها ) خصوصاً مسألة المعراج فإنها لا تنال ولا تدرك إلا بالفوائد فمن طلبها بغيره لم ينل المقصود ولم يصل المراد وسائر المشاعر عنها بعيدة بمسافة عديدة.
ولا يخفى على كل ذي لب سليم وعقل مستقيم إن مشاعر الإنسان بمراتبها ليست كلها صحيحة معتدلة تامة التأثير والإدراك بل منها ما هي سقيمة عليلة ضعيفة الإدراك ومنها ما هي محجوبة بحجب تمنعها عن الشعور ومنها ما هي عارية عن النور كما نشاهد في الحواس الظاهرة , فإن من الناس من هو فاقد البصر ومن هو فاقد السمع وهكذا فياس سائر المشاعر الظاهرة إذ لا يلزم أن يكون كل واحدة صحيحة في كل شخص , وكذا الحواس الباطنة كما أشار إليها مولانا الرضا عليه السلام في حديث عمران الصابي: ( قد علم أولوا الألباب أن الإستدلال على ما هنالك لا يعلم إلا بما هيهنا ).
ومن هذه الجهة شرط مولانا – أعلى الله مقامه – في فهم كلامه الفرق بين إدراك القلب والفؤاد كما قال في جواب بعض المسائل في العلم ما لفظه الشريف: ( أوصيك أيها الناظر في كلامي أن لا تقف على الألفاظ والعبارات فإن كنت تعرف الفرق بين القلب والفؤاد والفرق بين نظريهما واستعملت في كلامي نظر الفؤاد فزت ببلوغ المراد وإلا فاقطع الخطاب ولا تطلب السري من السراب فإن كنت عطشاناً لهذا المورد فقد ضرب دونه الف حجاب والله سبحانه الموفق للصواب ).
فإذا كان الأمر كذلك فقبل الفرق بين نظر القلب والفؤاد والتميز بين مدركاتهما واستعمال نظر الفؤاد كيف يرجى بلوغ المراد في فهم كلام من كلامه مقصور على نظر الفؤاد ؟! وهذا لا يعلم قط ولا يعرف إلا بتنقيح مسائل علم الحواس وتحقيقها على جهة البصيرة والإيقان على ما هو المعروف عند الحكماء الراشدين والمؤمنين الممتحنين المستخرجين لأولي الأسرار والعلوم من أصداف أحاديث الأئمة الطاهرين عليهم سلام الله أجمعين.
ولقد كتبنا في ذلك رسالة منفردة وذكرنا فيها بعض مسائل هذا العلم بأوضح بيان وأكمل تبين إن في ذلك لآيات للمتوسمين.
وأما ميزان المدارك والمشاعر فهو الأدلة وهي ثلاثة كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) والمعروف بين العلماء – في علم المنطق وغيره – ضبط آخر الأدلة وأدناها وهو دليل المجادلة بالتي هي أحسن وتحقيقه وشرائطه وآدابه ولمن يعرف سياق الكلام ليس هو المقصود من الله الملك العلام بدليل تغيير سوق العبارة لمن يفهم الإشارة في مقام التلويح بصريح العبارة والدليل الأصلي المقصود لذاته هو الأولان المندرجان في سوق واحد والمنتظمان بنظم غير متعدد.
أولهما: أعلاهما وأبهاهما وأسناهما وأشرقهما وألطفهما وهو دليل الحكمة الموصل إلى سر حقيقة المعرفة في جميع موجودات التكوينية والتشريعية والمعنوية والصورية والتكوينية والتدوينية والحقيقية والمجازية على نهج اليقين بما لا يختلجه الشك والتخمين وبها تدرك الأشياء كما هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( اللهم رب أرني الأشياء كما هي ) وقال جل من قائل إثباتاً لعظيم منزلته واظهاراً لجليل خطره ومرتبته: ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) وهو الدليل اللمي والسر الغيبي وهو لإفادة الأسرار كما قال عليه السلام: ( سر لا يفيده سر ) وهو لأخص الخواص البالغين مقام الاختصاص وعليه تبنى المعارف الإلهية والحقائق اللاهوتية.
وثانيها: دليل موعظة الحسنة وهو دليل أولي الألباب وأصحاب اليقين ومخلصي شيعة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من أهل التحقيق والتمكين الذين تكلموا عن الحقيقة بلسان المجاز وعبروا عن المجاز بصرف الحقيقة.
وهذا الدليلان هما الأصل والعمدة لفهم المطالب ما تعرض لهما المشهور بل تصدى العلماء العارفون والفقهاء الربانيون لتحقيقهما وذكر شرائطهما ومستنداتهما ومتمماتهما ومكملاتهما ولوازمهما ومقتضياتهما إلى أن صدر علماً مستقلاً ذات مسائل عجيبة ومطالب غريبة لا تدركه العقول والبصائر من أهل الرسوم والظاهر وأغلب مطالب مولانا وأستاذنا – أعلى الله مقامه ورفع في الخلد أعلامه – مبتنية على دليل الحكمة وأصل مأخذه ومنشأه وشرائط تحققه واللوازم المترتبة عليه والنتائج المتحصلة منه.
ونظروا إلى كلام مولانا ووجدوا أنه – على قاعدة المقررة – لا ينطق في المنطق قالوا: إنه قول بلا دليل ولكنهم أخطأوا الصواب ونطقوا بغير علم ولا هدى ولا كتاب ولا يعلموا أن الدليل هو الذي عنده والسبيل الحق هو الذي سلكه وأن الأئمة عليهم السلام ما تمدحوا إلا بذلك ولآ أثنى إلا هنالك ألا ترى تخاطبهم في الزيارات في سائر المخاطبات ( ودعوتم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ) ولا تقول: والمجادلة بالتي هي أحسن ولو كان فيهما كمالاً لامتدحوا بها ولأثنوا عليهم.
ولا يقال أنهما داخلان في المنطق فدليل الحكمة هو البرهان المنطقي والموعظة الحسنة هي الخطابة ودليل المجادلة هي الجدال على ما هو المعروف عندهم كما قال ملا صدرا لأنا نقول هذا باطل قطعاً لأن مولانا الصادق عليه السلام صرح أن البرهان من الجدال بالتي هي أحسن على ما رواه الطبرسي في الإحتجاج والمجلسي في البحار ولدلائل أخر من البراهين العقلية التي ذكرناها في محلهاز
ولسنا نقول دليل المجادلة باطل وإنما نقول أدنى المقامات ودليل الحكمة أعلى منه فالمتمكن منه لا يعتني بدليل المجادلة لأنه عدول عن الكمال ولا يرضى به أصحاب الكمال لأنه لا يوصل إلى حقيقة المراد فلا يلتفت البالغون مرتبة الفؤاد , ومن هذه الجهة أجرى مولانا نمط استدلاله واستنباطة على دليل الحكمة والموعظة الحسنة فمن لم يعرفهما ولم يعرف كيفية الإستدلال بهما فلا يعقل منه فهم كلام من يستدل بهما ومفاهيم كلماته مستنبطة عنهما وهل هذا إلا طمع الإستماع بالبصر والرؤيا بالسمع والذوق بالمنخرين ؟ وما هذا يفعل إنسان.
وأما ميزان الأدلة فهو مذكور في محله ومشروح عند أهله ويتكلف بيانهما آيتان من القرآن وهما قوله تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) وشرح هذه الآية وبيانها وجواب ما عسى أن يرد عليها وتوضيح مجملها وتبيين معضلها في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).
وشرح هذه المسألة وبيانها موكول في ذلك العلم على ما عند أصحاب الحقيقة وقد ذكرت في شرح الخطبة التطنجية شطراً وافياً منه وعلى من يفهم الكلام السلام.
والثاني عشر: علم الكتاب التكويني
وهو علم عجيب غريب علم الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والأولياء والصديقين والخواص من المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث والكيف والكم وعرفوا مفصولهم وموصولهم وما يؤول إليه أمورهم وهم القليلون أقل من الكبريت الأحمر كما أشار إليهم الآيات والروايات.
وهذا الكتاب قد جمع الله فيه جميع العلوم والمعارف وجميع المقاصد والمطالب وجميع ما يريد من خلقه كلها ببيان حالي وشرح تكويني وجودي بصرف الأمثال وبيان الأحوال وتفصيل الإجمال بحيث لا يخفى لمن نظر فيه وعرف كيفيته قراءته جواب ولا سؤال ولم يطلع عليه إلا الأقلون وغفل عنه الأكثرون ولكن أكثر الناس لا يعلمون والله سبحانه نص عليه في كتابه الحميد بقوله عز من قائل: ( سنريهم ءاياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) وقال عز وجل: ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقين ) وقال ايضا: ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) وأمثالها من الأيات الكثيرة.
وفي هذا العلم الشريف تبيين حقيقة معنى قوله – أعلى الله مقامه – إنه صلى الله عليه وآله وسلم عرج بجسده في الزمان وبجسمه في الدهر قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام أو بأربعة ألاف عام وبروحه في السرمد أضعاف أضعاف مقدار بقاء العرش على الماء قبل خلق السماوات والأرض وقد حدد قليلاً منه أمير المؤمنين عليه السلام للسائل لما سئل عن ذلك فقال عليه السلام: ( لو صب خردل حتى ملأ الفضاء وسد ما بين الأرض والسماء وأنت لو عمرت وكلفت – مع ضعفك – أن تنقل حبة حبة من المشرق إلى المغرب حتى ينفذ لكان ذلك باقل من جزء من مائة ألف جزء من رأس الشعير مما بقي العرش على الماء قبل خلق السماوات والأرض واستغفر الله من التحديد بالقليل ) كل ذلك بعروج واحد وهذا من المعضلات التي لا يفتح مغلاقها إلا بهذا العلم الشريف.
وهناك يتبين حقيقة المدة وإنها أي شيء ؟ واختلاف المدة لماذا ؟ وما منشأ هذا الإختلاف ؟ وأي نسبة بين هذه المدة ؟ وكيف يكون عروج جسده في الليل بعد البعثة بسنتين وعروج جسمه في النهار قبل خلق السموات والأرض بعروج واحد ؟ وما معنى هذا الإتحاد مع هذا الإختلاف ؟ وهكذا سائر مباحث المعراج وأن جسمه صلى الله عليه وآله وسلم ألطف من العرش محد به بسبعين ألف مرة مع أنه يرى بالأبصار دون العرش ويحس بالحواس ويدرك بلمس اللامس وتجري عليه التغيرات وتعتور عليه الحالات مع أنه هو الثابت القارالبات ولا يوصف العرش ولا الكرسي ولا السماوات بتلك الصفات والسمات ما الوجه في ذلك ؟ وما حقيقة الأمر في هنالك ؟
هذه المباحث كلها مشروحة في هذا العلم الأنور والنور الأزهر الذي أظهره للناس سادات المحشر وأصحاب الحوض والكوثر عليهم الصلاة والسلام من الخالق الأكبر وجعلوا هذا العلم مكتوماً عند أهله مخزوناً في محله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأنى لأجانب إدراكه وللأبعاد فهمه إلا أن مولانا – أعلى الله مقامه – قد كشف سره وفتح مقفله وأذن للطالبين بالدخول امتثالاً لقوله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهله ) فمن عرف غنم وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والثالث عشر: علم الكون الشرعي والشرع الوجودي
وهما متلازمان متساوقان متحاويان لا ينفك أحدهما عن صاحبه وهو علم ذو عجائب وغرائب ومقاصد ومطالب لم يسمعه الأكثرون ولم يعثر إلى حقيقته إلا الأولون وقد بسط مولانا وشرح في بعض رسائله وبين فأفصح في أغلب مباحثاته بعض مسائل هذا العلم.
وبعد الإحاطة بحقيقتها يظهر معنى قوله – أعلى الله مقامه – أن صلى بالملائكة في النهار واسبغ وضوءه في بحر الصاد وتمضمض واستنشق من ماء الإتحاد وصلى صلاة الظهر في مقام أو أدنى حين كون الشمس قائمة على قمة الرأس والظل منعدما والكواكب محترقة والبروج متطابقة متواصلة يظهر يظهر من الكل خاصية الكل وهنالك صلى صلاة الظهر وهو أول صلاة صلاها وأول فريضة أداها قبل المصلين وقبل المؤدين بقبلية غير محدودة ومعنى صلاة الرب وقوله – جل شأنه – في صلاته: أنا رب الملائكة والروح وما معنى الصلاة ؟ وكيف كانت هذه الصلاة ؟ وما وجه اختصاصها دون غيرها.
وهكذا أمثالها من المسائل المعضلة التي تكل دونها الأبصار وتحير دون البلوغ إلى أدنى مراتبها الأفكار وهي كلها مشروحة مفصلة مبينة محققة في هذا العلم الشريف والنور المنيف ولا يمكن الإطلاع عليها إلا بعد الإحاطة بحقائق هذا العلم ودقائقه وشروطه ومتمماته وكلياته وجزئياته ومقتضياته وأسبابه.
والرابع عشر منها: علم المناظر والمرايا
ومعرفة هذا العلم على ما هو عند أهل العلم عليهم السلام لا على ما هو المعروف المشهور عندهم من خيالات اليونانين وأوهام المتفلسفين بل على ما هو الحق عند أهل الحق من معرفة المرآة والصورة والإنطباع والمقابلة وكيفية تحقق الصورة وحقيقة المرآة وأن المرآة هي الصورة أو الزجاجة ؟ وحقيقة النسبة بينهما وأن الصورة هي الشبح المتصل أو الشبح المنفصل ؟ أو المنفصل من المنفصل ومن المتصل ؟ وما النسبة بين هذه الأشباح وأين تحققها ؟ وما السبب في وجودها ؟ وما العلة في اختلافاتها.
وكيف ينطبع الصورة في المرآة من الشاخص المقابل بلا اتصال ولا انفصال ؟ ولا ممازجة ولا مفارقة ولا مداخلة ولا مباينة وأنه انطباع فهو أنى بلا كيف ولا حد ولا كيف وكيف يستدل منها إلى المقابل ؟ بل بملاحظتها وملاحظة الشاخص فيكون لحاظان في آن واحد ؟ ويأباه قوله تعالى: ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفة ) إذا كان الإدراك بالتفاتة واحدة من غير لحاظ تعدد النظر , أم يلتفت إلى المقابل من غير التفاته إلى الصورة ؟ ويأباه امتناع التوجه إلى المدلول من غير توجه أو يلتفت إلى المقابل حين التفاته إلى الصورة مع التفاته إليها من غير التفاته إليها بل قبل التفاته إليها كما هو الحق وهو سر ملاحظة السافل العالي من غير السافل بالعالي وكيف يعقل هذا الأمر الدقيق ؟! وكيف يعرف هذا المعنى الرشيق ؟
وكذالك القول في الأبصار هل هو بخروج الشعاع أو بالإنطباع – كالصورة في المرآة – أو بالإنعكاس ؟ أو بغير ذلك من الأقوال الأربعة المشهورة وما كيفية الإدراك والإبصار ؟ وما معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام: ( إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها ) كيف يدرك البصر نفسه أو السمع نفسه ؟ مع ما ورد من الإنكار الصريح في هذا المعنى في كلام مولانا الرضا عليه السلام في حديث عمران الصابي فكيف التوفيق بين الروايتين ؟ وما حقيقة الأمر في البين ؟ وما نسبة الألفاظ إلى المعاني هي هي نسبة المتباينين ؟ كما هو المشهور عند علماء الأصول أو نسبة الأجساد إلى الأرواح ؟ كما هو عند علماء الحقائق والأسرار ويدل عليه صريح قول أمير المؤمنين عليه السلام: ( المعنى في اللفظ كالروح في الجسد ).
وهل المراد بالروح والجسد الروح الحيوانية المأخوذة من صفو أرواح الأفلاك ؟ كما في كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أو الروح الناطقة القدسية التي أصلها العقل منه وعت وإليه دلت وأشارت وشابهت إذا كملت أو الروح الأمري والسر الغيبي ؟ المعنى في قوله عز وجل: ( قل الروح من أمر ربي ) وقوله عز وجل: ( ونفخت فيه من روحي ) وعلى القول الأخير كما هو الحق المنصور المؤيد بالأدلة القطعية المذكورة في محلها , فتكون نسبة الألفاظ إلى نسبة المرايا إلى الصورة والأشباح المنفصل وإدراك المعنى من اللفظ كادراك المقابل إلى الشاخص من الصورة التي في المرآة فتكون الشروط المعتبرة فيه هي الشروط المعتبرة فيها الكلام الكلام الجواب الجواب الاحتمالات الاحتمالات الاختلافات الاختلافات.
ولذا قال مولانا – أعلى الله مقامه ورفع في الخلد أعلامه – في وصيته لمن يروم معرفة كلامه: ( أيها الناظر في كلامي إن قدرت أن تعرف المعنى من إلحاق اللفظ بغير اللفظ فانظر في كلامي وإلا فدع عنك بحراً ضل فيه السوابح ).
وهذه العبارة شرط لمعرفة كلامه وحقيقة هذا الشرط لا تعرف ولا تدرك الإحاطة بعلم المرايا والمناظر وتحقيق المطالب التي أوردنا شطراً منها وهذه لا تعرف إلا بعد العثور على حقائق ذلك العلم ودقائقه مما يستفاد من دليل الحكمة لا ما كتبه الهندسيون واليونانيون بهذا الشأن فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع.
فمن لم يعرف هذه الدقائق كما ذكرناه ولم يطلع على هذه الحقائق كما سطرناه فإياه ثم إياه أن يروم معرفة كلامه – أعلى الله مقامه – وأن يحوم حول عباراته وكلماته فإنها بحر تضل فيه السابحون ولجة تغرق دونه الجاهلون ( رحم ا لله امري عرف قدره ولم يتعد طوره ).
والخامس عشر منها: علم التأويل والباطن
وتأويل التأويل , وباطن الباطن , وتأويل الباطن
وباطن التأويل , وظاهر الظاهر , حتى ترتقي المراتب
إلى السبعة أو السبعين
وهذا علم قد سد دونه الأبواب وضرب دون ألف حجاب لأنه من مكنونات الأئمة الأطياب عليه سلام الله في المبدا والمآب.
ولما إنهم – سلام الله عليهم – قالوا: ( نحن العلماء وشيعتنا المعلمون ) وقال الله عز وجل خطابا لهم بالأصالة ولغيرهم بالتبع: ( إن الله يأمركم أن تؤدو الأمانات إلى أهلها ) وقال ايضاً: ( ولا تؤتوا السفها اموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ) كانوا عليهم السلام يعلمون المنقطعين من شيعتهم المؤدبين بآدابهم والناهجين منهجهم فعلموهم من الأسرار ما يقصر عن إدراكهم أفهام أولي الأبصار والأنظار وحجبوها عن الأغيار على تفاوت مراتبهم ودرجاتهم ومقاماتهم فكان العلماء من الشيعة المخلصين أصحاب الحكمة وأولي الأفئدة يتوارثون هذا العلم خلفاً عن سلف ويحمونه عن التضييع والتلف ويكتمونه عن الأغيار ويبعدونه عن تناول الأشرار.
ولما كان مولانا ممن ورد ذلك المورد , وشرب من ذلك المشرب , وأدرك العل والنهل , كان يجري كلماته لأهل الإشارات وأصحاب اللطائف والتلويحات ذلك المجرى لئلا يكون مخالفاً لما أمره الله من سلوكه سبيل الحق وإعطاء كل ذي حق حقه وعدم منع الحكمة لأهلها , فصار يتكلم لهم بذلك اللسان , ويظهر لهم ذلك الشأن , ويرشدهم إلى سبيل الله بذلك التبيان ويعلمهم حقيقة البيان في قوله الملك المنان: ( الرحمن علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان ) ويفهمه من كان من سنخ الإنسان.
فإذاً: ما معنى التأويل الباطن ؟! وما معنى الباطن وباطن الباطن ؟! وما معنى الظاهر وظاهر الظاهر ؟! والتأويل وباطن التأويل ؟! وما الفرق بين هذه المراتب ؟ وما النسبة بينهما من النسب الأربعة ؟ ولماذا اختلفت وتعددت وتكثرت وانبسطت ؟ مع أنه يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ( العلم نقطة كثرها الجاهلون ) وهل هذا تكثير أو بسط وتكسير ؟ ولم كانت سبعة وارتقت إلى سبعين ؟ وما النسبة بين هذه المراتب هي هي نسبة العلية والمعلولية , والأثرية والمأثورية الشعاعية المنيرية على المعنى الخاص بالوجه العام ؟ أو القشر واللب والتساوق والتضائف , أو التساوي والتحاوي ؟ وما النسبة بين مدلولاتها ودوالاها – مما ذكرنا – ؟ وما النسبة بين إطلاقاتها ومفهوماتها من الحقيقة والمجاز والنقل والإشتراك والتواطيء والتشكيك والحقيقة بعد الحقيقة أو الحقيقة بعد المجاز , أو غير ذلك من الإطلاقات والأمم ؟ التي لم يسمعها الأكثرون وكتمها الأقلون وبينها المستسرون وحفظها الغيبيون أولئك كما قال الشاعر:
لله تحت قباب العرض طائفة ***** أخفاهم عن عيون الناس إجلالاً
وكلام مولانا واستاذنا – أعلى الله مقامه , ورفع في فسح الجنان منزلته – أغلبه يجري هذا المجرى لأنه العارف باسرار التأويل والعالم بأحكام التنزيل ببركة إنقطاعه إلى ساداته ومواليه أهل بيت التكبير والتهليل , والتحريم والتحليل , خصوصاً مسألة المعراج وما ذكره – طيب الله نفسه , وعطر رمسه – في هذه العبارات في بيان الجسد والجسم والكثافة واللطافة والنورانية والأفاعيل الإلهية وصعود الجسم بثيابه والجسد بلباسه ونعله من غير لزوم خرق ولا التئام وتلقيه الوحي من جبرئيل مع أن علياً هو المعلم لجبرئيل بالأخبار المتكاثرة والروايات المستفيضة بل المتواترة مع أن علم علي عليه السلام هو حبة من بحره وقطرة من سحاب هاطله ورؤية الأنبياء في السماوات مع أنهم في الجنان متكئون على الأرائك في الغرفات ومعنى صلاة الظهر ووضوئه في بحر صاد ووقوفه على باب المراد وبلوغه إلى مقام الحب والوداد.
وكل هذه أمور يعرف بيانه ويشيد أركانه بعد معرفة هذا العلم الشريف والنور المنيف , وأنى للقاصرين وإدراكه وأنى للمنقطعين والوصول إلى ساحة معرفته وأين ا لثريا من يد المتناول.
السادس عشر منها: علم الأصول
ومعرفة أن في كلام العرب حقائق ومجازات , وكناية واستعارات , ومحكمات ومتشابهات , وعمومات واطلاقات , وتفاصيل ومجملات , وبيانات ومعضلات , وواضحات ومبهمات , وأمثال وإشارات , ودلائل وعبارات , وسائر تصاريف أنحاء الكلمات من فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب ودليل التنبيه والإشارة وقصد بصريح العبارة فالقول من قبيل إياك أعني واسمعي يا جارى وإن في ذلك نصاً وظاهراً.
وإن الألفاظ من حيث أنفسها لا تفيد إلا الظن , وإن استفادة معنى من كلام لا يكون إلا بنفي عشرة أشياء – كلها تفيد الظن – كأصل عدم التخصيص , وعدم التقدير , وعدم الإظمار , وعدم الإشتراك وعدم النقل وعدم التجوز وعدم الإجمال وأمثالها ومما هو مذكور في الكتب الأصولية المطولة وأن الظاهر وأن الظاهر لا يعارض النص وأن أعظم ما يستفاد به النص تنصيص المتكلم بمراده وتفسيره لما في قلبه وخاطره , وأن الكلام يحمل على مراده الذي يدعيه لا على ما يظهر من ظاهر اللغة بعد فتح التجوزات والمحكمات والمتشابهات , إلا أن يكون خارجاً من قانون اللغة ومبايناً لطريق أهل العرف واللسان من وجوه العربية وقد قال عليه السلام على ما رواه المفيد في الاختصاص: ( إني لأتكلم وأريد منها أحد وسبعون وجهاً لي لكل منها المخرج ).
فإذا صحت هذه الإحتمالات فيعرض كلام القائل في الأصول والعقائد على ما صح له من المذهب إلا أن يكون القائل يصرح بخلافه , أو أن يكون في كلامه قرائن قطعية يفيد القطع لمن لم يكن مسبوقاً بالشبهة بمراده , أو أن يكون كلامه كله على نهج واحد لحصل القطع بالمزاد.
وأما إذا كان يجري على أوضاع عديدة وأحوال مختلفة متشتتة , مره ينفي شيئاً وأخرى يثبته , ومره يحمل أمراً ومره يشرحه ومره يبهم حكماً وأخرى يفصله , ومره يتكلم بلسان واصطلاح وأخرى بآخر , ففي هذه الصورة إن عرف أن القائل داخل في مذهب أو دين فينسب إلى ذلك المذهب والدين , ويجعل من كلماته كل ما يوافق أو يطابق معتقدات أهل المهذب أصلاً ومحكماً فيؤول ما سواى ذلك إلى ما لم يظهر فيه وجه المطابقة والموافقة إلى ذلك الأصل المحكم.
وإن لم يظهر من كلامه وجه الموافقة أصلاً , ولا هو صريح في المخالفة بحيث يحصل القطع بالخلاف بمعونة القرائن الخارجة والداخلة والحالية والمقالية وعرف انتساب القائل إلى مذهب معلوم فينسب إلى مذهبه ويجعل تلك الكلمات من المتشابهات فإن قدر تأويله إلى مذهبه ومعتقده الذي عرف بالانتساب إليه فهو المطلوب وإلا فليرد علمه إلى قائله فإن قائله أولى به لقوله عليه السلام في المتفق عليه: ( إدرؤا الحدود بالشبهات ) ولا يتسارع إلى الإنكار ليشمله قوله عز وجل: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) وقوله عز وجل: ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) وقوله عليه السلام: ( إن علمتم فقولوا وإلا فها ) وقوله تعالى: ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ). وأمثال ذلك من الآيات والروايات.
وأما إذا لم يعرف مذهب القائل ولم يعلم انتسابه إلى مذهبه ودين وكلماته غير صحيحة في الأمر ولا تفيد القطع في الحكم فيجب التثبت والتوقف لقوله عليه السلام: ( الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات ).
وبالجملة: هذه الأحكام مشروحة ومفصلة في علم الأصول ومبرهن فيه عليها , فإذا عرفت هذه الأحكام وأمثالها وأتقنتها عرفت نوع معرفة عبارات مولانا فاجعل ما تلونا عليك في أول المسألة: من تصريحه بالعروج الجسماني والجسداني , مع البشرية الظاهرة مع الثياب واللباس.
أصلا محكماً ورد ما قرأنا عليك بعد ذلك – من دقيق العبارة ولطيف الإشارة – إلى ذلك المحكم المتقن الأصل الأصيل , تجه صحواً بلا غبار وصفواً بلا أكدار وأنساً بلا أغيار , إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف
المصدر: كشف الحق في مسائل المعراج
إذا أردت نقل الموضوع إلى موقعك ومدونتك فذكر المصدر
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك: