العلل الأربع للمخلوقات
لا شك في أن لكل موجود علل أربعة – علة فاعلة – على مادية – علة صورية – علة غائية مثلا أن الصندلي ( الكرسي ) له علل أربعة:
الاولى: العلة الفاعلة وهو الذي صنعه وأوجده أي النجار
والثانية: العلة المادية وهو الخشب أو الحديد الذي منه يصنع الكرسي
والثالثة: العلة الصورية أي الصورة والشكل الحاصل له فعلا
والرابعة: العلة الغائية وهو الذي لأجله صنعه الصانع وهو الجلوس عليه
ولا ريب أن العلة الفاعلية للصندلي هو النجار إلا أن الأشياء الأخر أيضاً لها مدخلية في الصناعة فيطلق عليها لفظ الفاعل مجازا مثلاًً ارادة النجار ويده وآلاته فيقال من باب المجاز أن إرادة النجار فاعل للصندلي أو يقال أن يده وآلاته أوجدت هذا الصندلي مثلا ولا ضير فيه لأن لها مدخل في الصناعة فلا يخفى أن إطلاق الفاعل على النجار إطلاق حقيقي لكن نسبة الفاعلية والآلات أو المصنع أيضاً صحيحة مجازاً ولها شواهد كثيرة في القرآن الكريم والأخبار وفي علم المعاني له مبحث على حدة فنقول أن خلق الخالق القادر وصنعة الصانع ذي الجلال الذي أحسن خلق كل شيء واتقن صنع كل شيء بمحكم تدبيره وهو خالق لجميع الموجودات بلا استثناء فخلقها بارادته بغير أن يشاركه ويساعده أحداً لكنا إذا انعمنا النظر بكمال الدقة في أنواع الخلائق وجدنا أن الخالق الحكيم خلق كل شيء بوسائط كثيرة ووسائل عديدة حتى أن الذرة أيضاً لم تخلق إلا ولها سبب ( ابى الله أن يجري الأمور ) الأشياء ) إلا بأسبابها ).
وهاهنا لايهمنا بيان الوسائل الكثيرة لهذا البناء العجيب التي تتحيز فيه العقول العالية وتبهر فيه الأذهان الفائقة أما الذي عليه عقيدة أكثر الأديان هو يطابق لما جاء به الدين المقدس أي الاسلام والشيعة من حيث العقيدة الصحيحة أن الله خلق من الملائكة أربعة وجعلهم وسيلة التدبير العالمين وصيرهم واسطة في إدارة هذا الدولاب العظيم.
أولاهم: جبرئيل وهوو مأمور على الخلق على أنه جعله أميناً على وحيه.
والثاني: ميكائيل وهو موكل على رزق المخلوقات
والثالث: اسرافيل وفوض الله إليه أمر الحياة
والرابع: عزرائيل وهو موكل على الموت ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم )
فاطلاق العلة الفاعلية على هؤلاء الملائكة الأربعة مجاز وهكذا يقال للسحاب أنه علة فاعلية للمطر مجازاً وكذلك الشمس والقمر علتان لحياة الحيوانات بل لجميع الموجودات والوالدان علة للاولاد والنار علة للاحراق والمرض علة للموت والطوفان للغرق إلى غير ذلك من العلل والمعلولات.
مثلا: إذا سئل لأي علة مات فلان يجاب بمرض السرطان أو مرض آخر فإن هذه الوسائط والوسائل ليست عين ذات الله ولا هي شريكة له بل كلها آلات لمشية الله وارادته ونسبة الفعل إلى الوسائل ليست بكفر ولا شرك وبهذا التقريب ان قال قائل ان المخلوق الأول والعقل والكلي والحقيقة المقدسة المحمدية واحد من هذه الوسائل أو هو أكبر الوسائل وهو أعظم من الملائكة الأربعة مرتبة فليس هو بكافر ولا مشرك ولا لقائل يقول ان هذا غلو في الصادر الأول ( المخلوق الأول ) فإن كان عليه دليل واضح وبرهان قوي يرجى نجاته وإلا فالغالي لا ينجو أبداً نقول: أن لنا دلائل واضحة عقلا ونقلا.
أما عقلا فنقول اتفق كافة المسلمين أن أول ما خلق الله هو العقل الكلي وهو الحقيقة المحمدية وتواتر في هذا المعنى الأحاديث الصحيحة ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر , وأول ما خلق الله العقل , وأول ما خلق الله روحي ) وأمثالها فإن لها تواتراً معنى والمراد منها واحد ولا نحتاج إلى إثباتها لكثرة شهرتها وصحتها عند علماء الاسلام لا سيما المحققين من الشيعة.
وإذا ثبت أن الحقيقة المحمدية هو المخلوق الأول فينتج عقلا وطبعا أنها هي أول الوسائل وأشرف الوسائط فيصبح عليها اطلاق الفاعل مجازا وأما نقلا فالمئات بل الالوف من الأحاديث والروايات موجودة في الكتب المعتبرة للشيعة ونقل كلها لا يليق بهذا المختصر نعم نذكر هنا لاثبات المقصد عدة فقرات من الأدعية المنقولة والزيارات المأثورة والخطب المعروفة المعتبرة المروية التي لم تمسها إلى الآن أيدي الجرح والتعديل وتناولها العلماء يداً عن يد بلا قول لم وكيف وهو كاشف من صحتها عندهم وفيها كفاية وعليها قناعة نقرء في الزيارة الجامعة الكبيرة ( بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء ان تقع على الأرض إلا بإذنه ).
وفي الدعاء المنقول عن بقية الله امام الزمان أرواحنا فداه ( ومقاماتك وعلاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك بدؤها منك وعودها إليك اعضاد واشهاد ومناة وأذواد وحفظة ورواد فبهم ملاءت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت ) فإن تردد أحد وعرض له الوسوسة في الإيمان والعقيدة فعليه أن يمعن النظر بالدقة التامة في خطبة سيد الموحدين وأمير المؤمنين عليه السلام أولها ( الحمدلله الذي جعل الحمد من غير حاجة منه إلى حامدية طريقاً من طرق الاعتراف بلاهوتيته وصمدانيته وربانيته وفردانيته … قال فيها – وأشهد أن محمداً عبده ورسوله استخلصه في القدم على سائل الامم على علم منه انفرد عن التشاكل والتماثل من ابناء الجنس وانتجبه آمراً وناهياً عنه اقامه في سائر عالمه في الأداء مقامه ( إلى ان قال في الأئمة ) وأن الله اختص لنفسه بعد نبيه خاصة علاهم بتعليته وسما بهم إلى رتبته وجعلهم الدعاة بالحق إليه والادلاء بالارشاد إليه لقرن قرن وزمن زمن أنشأهم في القدم قبل كل مذروء ومبروء أنواراً نطقها بتحميدة وألهمها شكره وتمجيده وجعلها الحجج على كل معترف له بسلطان الربوبية وملكة العبودية واستنطق بها الخرسات بأنواع اللغات بخوعاً له بأنه فاطر الأرضين والسماوات أشهدهم خلق خلقه وولاهم ما شاء من أمره وجعلهم تراجم مشيته والسن ارادته … الخ ).
فعلى القارئين المحترمين إمعان النظر والتفكر في قوله ( اقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه ) أي أن الله اقامه في سائر العوالم لاداء الفيوضات فبناء على هذا ظهر بل ثبت بعد دقة النظر أن الحقيقة المقدسة ( محمد وآل محمد ) الكلي لا جناح في أن يقال لها العلة الفاعليو مجازاً بأن فعلهم فعل الله وفعل الله يتم بوسيلتهم كما أن الحديدة المحماة تفعل فعل النار وتحرق الأشياء كالنار والحال أن الاحراق فعل النار لا فعل الحديدة ولا تجد الفرق في احراق النار واحراق الحديدة المحماة إلا أن الحديدة المحماة لما صارت حاملة لآثار النار لقربها من النار فاعطتها النار فعلها فهي تفعل فعل النار لكونها وسيلة وحاملة لاثرها.
كفت آتش هي باين تومنم من توو لكن توئي ومن منم
جونكه خودرا درمحبت سوختي آتش جسمم بجان افروختي
من بتوفاعل شدم توفعل من من بتو ظاهر شدم تو ظهر من
أي قالت النار للحديدة المحماة أنت أنا وأنا أنت لكن أنت أنت وأنا أنا
أنت أحرقت نفسك في حبي وأشعلت نار حبي في نفسك ( فبالنتيجة ) أنا أفعل فعلا بوسيلتك وأنت فعلي وظهوري بواسطتك فأنت مظهري ومن أراد التفصيل فليطالع الأحاديث المفصلة في هذا الباب لا سيما حديث الخيط الأصفر.
أما كون الحقيقة المحمدية علة مادية وصورية للخلائق فتدل عليه روايات كثيرة مضمونها أن الله الحكيم خلق كافة المؤمنين من أشعة أنوار محمد وآل محمد.
قال الامام الصادق عليه السلام ( اللهم أن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا ) والطينة الفاضلة في اصطلاح أهل البيت بمعنى شعاع النور – فدلت الرواية على كونهم علة مادية وصورية للمؤمنين.
أما كونهم علة غائية فعقيدة كافة الشيعة بل جميع المسلمين على ذلك ففي الحديث القدسي ( خلقتك لأجلي وخلقت الأشياء لأجلك ) وفي آخر ( لولاك لما خلقت الافلاك ) وفي حديث الكساء ( اشهدوا ملائكتي وسكان سماواتي أني ما خلقت سماء مبنيه ولا أرضاً مدحية … إلى … إلا لاجل هؤلاء الخمسة ) فهي صريحة في هذا المعنى وعلاوة على ذلك مائة حديث في مؤلفات العلماء الاعلام تدل على هذا المعنى فكونهم العلل الأربعة المذكورة بهذا التفصيل كيف يصادم عقيدة التوحيد وأي جرح فيه.
فلا أدري لماذا يصبح صاحب نشرية ( مزدوران استعمار ) بصوت عال قائلا بأنه مناف ومناقض لعقيدة التوحيد وجعله كقميص عثمان ( وانامل نائله ) نعم كونهم علة فاعلية يوجب صدمة على الدماغ في أول مرة ففهمها بعيد عن الاذهان القشرية لكنا أوضحنا مقصده وقربناه إلى الأفهام بحمد الله وله مثال بسيط أيضاً لتقريب الأذهان السذاجة ( أن الكاتب يكتب بوسيلة القلم والقلم يكون في يده فالعلة الفاعلية للكتابة هو الكاتب لا غير إلا أن القلم أيضاً علة فاعلية مجازاً للكتابة . فإن قال القلم أنا كتبت فدعواه مقبولة لأن الكتابة صدرت من القلم بقدرة الكاتب وارادته وهو علة فاعلية حقيقة فإذا نسب عمل القلم إلى قدرة الكاتب فأي أشكال في ذلك ولا يقال أن القلم شريك للكاتب في عمله حاشا وكلا بل هو آلة لارادة الكاتب فالعقل الكلي الذي عبر عنه بالقلم أيضاً كما في الحديث ( أول ما خلق الله القلم ) أوجد الكتاب التكويني للخلائق بواسطته بإرادة الخالق المقتدر وجعله الصانع المتعال أعظم سبباً للايجاد ولا ريب أن هذا القلم وذلك القلم عاجزان بدون ارادة الكاتب ولا استقلال لهما أصلا والفاعل الحقيقي هو القادر والكاتب الذي بيده القلم
والسلام على من اتبع الهدى
الكاتب: العلامة غلام حسين التبريزي
المصدر: كتاب نزهة الافكار