التنبيه الخامس: التقية خوفاً على السائل لا حذراً منه ومن الحاكم

التنبيه الخامس: التقية خوفاً على السائل لا حذراً منه ومن الحاكم

المشهور بين الباحثين هو أن تقية الإمام عليه السلام حذراً من السائل أو الحاكم الجائر , فلذلك كان يفتي على وفق مذهب السائل , حتى لا يثير غضب الحاكم ضد الإمام .

ولو صح هذا النوع من التقية , فإنما هو في موارد قليلة ولكن الأكثر هو التقية خوفاً على السائل , وهذا ما كان يدفع الإمام إلى الإفتاء على وفق مذهب الحاكم , لئلا يؤخذ السائل إذا اشتهر أنه يعمل على خلاف مذهبه , ولما ذكرنا شواهد في غضون الأحاديث المروية عنهم نذكر منها ما يلي:

1 – روى عبدالله بن محرز قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل أوصى إلي , وهلك وترك ابنته فقال: ( أعط الابنة النصف , وترك للموالي النصف ) فرجعت فقال اصحابنا: لا والله ما للموالي شيء , فرجعت إليه من قابل , فقلت له: إن أصحابنا قالوا: ما للموالي شيء , وإنما اتقاك فقال: ( لا والله ما اتقيتك ولكن خفت عليك أن تؤخذ بالنصف , فإن كنت لا تخاف فادفع النصف الآخر إلى ابنته , فإن الله سيؤدي عنك )

2 – روى عبدالله بن محمد بياع القلانس قال: أوصى إلي رجل , وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم وترك ابنه وقال: لي عصبة بالشام , فسألت أبا عبدالله عليه السلام عن ذلك , فقال: ( أعط الابنة النصف والعصبة النصف الآخر ) فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا , فقالوا: اتقاك , فأعطيت الابنة النصف الآخر ثم حججت فلقيت أبا عبدالله عليه السلام فأخبرته بما قال اصحابنا وأخبرته أني دفعت النصف الآخر إلى الابنة فقال: ( أحسنت إنما أفتيتك مخافة العصبة عليك ) .

3 – إن زارة بن أعين من أجلاء أصحاب الصادقين عليهم السلام وقد تلقى عنهما الحديث قرابة خمسين سنة روى أبو بصير عن أبي عبدالله عليه السلام إنه قال: ( لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب ) , وقد تضافرت الروايات المادحة في حقه , ومع ذلك نرى أن الإمام أخذ يذمه في بعض المجالس الحافلة بالموافق والمخالف لينجو بذلك نفسه ونفيسه , ولذلك لما ورد عبدالله بن زرارة مجلس الإمام قال له الإمام: ( أقرأ مني على والدك السلام وقل له: إني أعيبك دفاعاً مني عنك , فإن الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانة لإدخال الأذى فيمن نحبه ونقربه ويذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا , ويرون إدخال الأذى عليه وقتله , ويحمدون كل من عبناه نحن , فإنما أعيبك لأنك اشتهرت بنا وبميلك إلينا … ) .

4 – ما تقدم من أمر الإمام لوزير هارون علي بن يقطين من التوضؤ على وجه التقية , فقد صرح الإمام بأن أمره بالتوضؤ على مسلك القوم , لأجل الخوف عليه ولما ارتفع الخوف , أمره بالتوضؤ على المذهب الحق  .

5 – ما مر من حديث داود بن زربي حيث كان مصيره نفس مصير ابن يقطين , لولا الفقيه كما مر .

وأنا أظن أن أكثر ما ورد تقية إنما كان لغاية صيانة الراوي من وإلا فأئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا سادة الأمة أساتذة الدين , يجتمع حولهم القريب والبعيد , فكيف يتقي ممن هو دونه في المكانة الاجتماعية , أو يتقي في السائل وهو من السوقة.

ولقد علم الأصم والأبكم لأن لأئمة أهل البيت عليهم السلام آراء وأفكاراً واستنباطات خاصة في الكتاب والسنة , تختلف عن آراء الآخرين من فقهاء عصرهم ومحدثي زمانهم .

نعم إذا انتهى الأمر إلى المسائل السياسية التي تثير حساسية الحاكم كالصيام في يوم حكم بأنه يوم فطراً , لم يكن للإمام إلا مماشاة الحاكم .

قال الشيخ كاشف الغطاء: وليس مذهبنا أقل وضوحاً مذهب الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية والزيدية والناووسية والواقفية والفطحية وغيرهم , فإن لكل طائفة طريقة مستمرة يتوارثونها صاغراً بعد كابر , بل أهل الملل ممن عدا المسلمين على بعد عهدهم عن أنبيائهم الماضين لهم طرائق وسير يمشون فيها على الأثر , ولا يصغون إلى إنكار من أنكر .

ولقد أثيرت حول حكم التقية شبهات أشبه بالشبه السوفسطائية  ونحن ندرس هذه الشبه كل في تنبيه خاص .

المصدر: كتاب التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنة

الكاتب: اية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة