الإمام الرضا يُبيّن لنا معنى قولهِ عزَّ وجلَّ: {والسابقونَ السابقون* أُولئكَ المُقرّبون} مَن هُم “السابقون” في ثقافةِ الكتاب والعترة.

الإمام الرضا يُبيّن لنا معنى قولهِ عزَّ وجلَّ: {والسابقونَ السابقون* أُولئكَ المُقرّبون}
مَن هُم “السابقون” في ثقافةِ الكتاب والعترة.
:
❂ يُحدّثنا حُسينُ بن عمر بن يزيد – وهُو مِن أصحابِ إمامنا الكاظم “صلواتُ اللهِ عليه” يقول:
(دخلتُ على الرضا “صلواتُ اللهِ عليه” وأنا شاكٌّ في إمامتهِ، وكانَ زميلي في طريقي رجلٌ يُقالُ لهُ: “مُقاتل بن مُقاتل” – مِن أصحابِ الإمامِ الرضا مِن الشيعة – وكان قد مضى على إمامتهِ بالكوفة – يعني اعتقدَ مُقاتل بإمامةِ الإمامِ الرضا وهو في الكوفة ولم يكن قد رأى الإمام عليه السلام –

فقُلتُ لهُ: عجلت – يعني تعجّلت باعتقادكَ بإمامةِ الرضا وأنتَ لا تزال في الكوفة – فقال: عندي في ذلكَ برهانٌ وعِلْم.
قال الحُسين بن عمر: فقُلتُ للرضا “صلواتُ اللهِ عليه”: مضى أبوك؟ قال: إي واللهِ.. وإنّي لَفي الدرجةِ التي فيها رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” وأميرُ المُؤمنين.. ومَن كانَ أسعدَ ببقاءِ أبي منّي؟!
ثمَّ قال: إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقول: {والسابقونَ السابقون* أُولئكَ المُقرّبون} العارفُ للإمامةِ حينَ يَظهرُ الإمام.
ثمَّ قال “عليه السلام” للحُسين بن عمر: مافعل صاحبُك؟ فقلتُ مَن؟ قال: مُقاتل بن مُقاتل المسنونُ الوجه، الطويلُ الّلحية، الأقنى الأنف، وقال: أما إنّي مارأيتهُ ولا دخَلَ عليَّ، ولكنّهُ آمنَ وصدَّقَ فاستوصِ بهِ.
قال حُسين بن عمر: فانصرفتُ مِن عندهِ إلى رحلي، فإذا مُقاتل راقد، فحرّكتهُ ثمَّ قُلت: لكَ بشارةٌ عندي لا أُخبركَ بها حتَّى تحمد اللهَ مائة مرَّة، ففعل. ثُمَّ أخبرتهُ بما كان).
[رجال الكشّي]
〰〰〰〰〰

[[توضيحات]]
بعد شهادةِ إمامنا الكاظم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حدثتْ الفتنةُ في أوساطِ الشيعة، حيثُ ظَهرتْ فتنةُ ( الواقفة ) والتي انحرفَ فيها جمعٌ كبير مِن كبار مراجع الشيعة في ذلك الوقت، وضلَّلوا الكثير مِن الشيعة في هذهِ الفتنة، وأنكروا إمامةَ الإمامِ الرضا “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.
فحَدَثَ شكٌّ كبيرٌ في نُفوسِ الشيعةِ في تلكَ الفترة.. وكانَ مِن بينِ الذين حَدَثَ الشكُّ في نُفوسهم: حُسين ابنُ عُمَر (الذي يروي هذا الحديث).

• حين سأل حُسين بن عُمر الإمام الرضا “صلواتُ اللهِ عليه”: (مضى أبوك؟) قال لهُ الإمامُ: (إي واللهِ.. وإنّي لَفي الدرجةِ التي فيها رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” وأميرُ المُؤمنين)
الإمام أجابهُ بهذا الجواب لأنَّ الإمام يَعلم ما كان في قلبهِ مِن شكّ، فأجابهُ بهذا الجواب ليُبيّن لهُ ويقول له: بأنّي أنا الإمام.

الروايةُ الشريفةُ مضمونُها واضح.. فهي تُشيرُ إلى أنَّ السابقَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ هُو السابقُ إلى معرفةِ الإمام.. فالمُرادُ مِن قولهِ عزَّ وجلَّ: {والسابقُونَ السابقُون* أُولئِكَ المُقرَّبُون} أي: الذين سَبَقوا لِمَعرفةِ الإمام “صلواتُ اللهِ عليه”.

ولاحظوا عبارةَ الإمامِ الرضا “صلواتُ اللهِ عليه” في الرواية الشريفة.. عبارةٌ في غايةِ الدقّة.. فالإمام يقول: (السابقُ لِمعرفةِ الإمامةِ حينَ ظُهور الإمام) وهذهِ العبارةُ مِن أدلِّ مصاديقها في زمانِ الغَيبة هُو الذي يَسبقُ لِمعرفةِ الإمامةِ ومنزلةِ الإمامةِ في زمنِ الغَيبة وقبلَ ظُهور إمامِ زماننا “صلوات الله وسلامه عليه”.. هذا هُو السابقُ وهذا هُو المُقرَّب وهذا هو الذي يرتضيه إمامُنا الرضا “صلواتُ الله وسلامه عليه” ويرتضيهِ إمامُ زماننا الحُجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

الذي يَسبقُ إلى معرفةِ إمامِ زمانهِ هُو الناجي في الفتنة..
مُقاتلُ بن مُقاتل الذي تتحدّث عنه الرواية هُنا.. هذا الشخص لأنَّهُ سَبَقَ إلى معرفةِ إمامهِ مَعرفةً صحيحة نجا مِن الفتنة ولم يقعْ في قلبهِ الشكّ في الإمام الرضا.. لأنَّهُ سبَقَ إلى معرفةِ الإمام وعجَّل إلى ذلك.. كما تقولُ الآيةُ الكريمة في سُورةِ طه: {وما أعجلكَ عن قَومكَ يا مُوسى* قال هُم أُولاءِ على أثري وعَجِلْتُ إليكَ ربِّ لترضى} وهذا مِن أصدقِ معاني التعجيل {وَعَجِلْتُ إِليكَ رَبِّ لِترضى}
لأنَّ التعجيلَ إلى معرفةِ الإمام هُو التعجيلُ إلى اللهِ سُبحانه وتعالى.. لأنَّ معرفةَ اللهِ هي بعينها معرفةُ الإمام المعصوم.. كما يقولُ سيّد الشُهداء “صلواتُ الله وسلامهُ عليه” حِين سألهُ رجل: (ما معرفةُ الله؟ قال “عليه السلام”: معرفةُ أهل كُلّ زمانٍ إمامهُمُ الّذي يجبُ عليهم طاعتُهُ).
[علل الشرائع: ج1]

الكتابُ الكريم يُريدُ مِنَّا أن نُسابق، أنْ نُسارِع، أنْ نَنفُر، أنْ نُعجِّل، أن نتنافس.. إلى أنْ يقول الكتاب الكريم في الآية 50 بعد البسملة مِن سُورة الذاريات: {فَفِرُّوا إِلى الله}
والفرار هُو أعلى درجاتِ الاندفاع.. لأنَّ الفارّ هُو الَّذي يطلبُ النجاة.. أمَّا المُسابِق والمُسارع فلرُبَّما في بالهِ شيء فيحسِبُ حِساباً للرجوع.. أمَّا الفارّ فقد طلَّقَ كُلَّ شيءٍ وراءَهُ {فَفِرُّوا إِلَى الله} والمُراد مِن الفِرارُ إلى الله هُو الفِرارُ إلى إمامِ زماننا.. هُو الفِرار إلى مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. فهُم وجهُ الله وهُم بابهُ الذي مِنهُ يُؤتى.

الفِرارُ إلى مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد يعني أن نُطلّق الدُنيا ونجعلهم الأولويّة الوحيدة في حياتنا.. كما نُخاطبهم “صلواتُ الله عليهم” في زيارة آل يس: (أنتم الأوّل والآخر).
الفرارُ إلى مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ هُو المعنى الذي يَختصرهُ أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في هذهِ العبارة الشريفة مِن كلامهِ في نهج البلاغة.. حين يقول وهُو يتحدّثُ عن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. يقول: (وَ رُدُوهُم وُرُودَ الهِيمِ العُطَاش)
أي اقصدوا أهل البيت وحالكم حال الهِيم العُطاش.
والمُراد مِن الهيم العُطاش: هي الإبل العَطْشى التي لم تشربْ الماءَ لعدّةِ أيّام.. فهذهِ الإبلُ العطشى حين ترى الماء مِن بُعْد يُصيبها الجُنون.. فتتدافع ويقعُ بعضُها على البعض الآخر..

فهُنا أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ عليه” يأمرُنا أن نقصدَ أهل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم” في كلّ حالٍ مِن أحوالنا ونتوجّهَ لهم بهذا الحال.. حال الِهيمِ العُطَاش.
فهل هذهِ المعاني تتجلّى حقيقةً في علاقتنا بإمام زماننا “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”؟! هل نحنُ نتوجّهُ إلى إمامِ زماننا دائماً في كُلّ أحوالنا بهذا التوجّه وبهذا الحال (حال الإبل العطشى)..؟!

نحنُ في واقعنا الشيعي – للأسف الشديد – نتعامل مَع إمام زماننا ومَع بقية الأئمة “صلواتُ اللهِ عليهم” على نحوين مِن التعامل:
✦ النحو الأوّل:
إمّا أن نتعاملَ مع إمامِ زماننا تعامُلاً رمزياً.. يعني أن نتعامل مع الإمام المعصوم على أنّهُ (رمزٌ عقائدي فقط) فلا يَتحقّقُ حينها معنى “الفرار إليهم” صلواتُ الله عليهم، ولا يتحقّق هذا المعنى الذي يُريدهُ سيّد الأوصياء (وَ ردُوهُم وُرودَ الهيمِ العُطاش) فنَحنُ لا نقصدُ أهل البيت “صلواتُ الله عليهم” في كلّ أحوالنا كما تُقصَدُ الإبلُ الظمّأى الماء بُغيةَ الارتواء.

✦ أمّا النحو الثاني مِن التعامل مع أهل البيت في واقعنا الشيعي:
فهو أن نتعاملَ مع الأئمةِ “صلوات الله عليهم” كما نتعامل مع (الصيدليّة) مع (المُستشفى).. يعني فقط حينما نحتاجهُم نذهب إليهم..! وهذا واقع.. فالصيدليّةُ لا أحدَ يُحبُّ أن يذهبَ إليها.. وكذلكَ المُستشفى لا أحدَ يُحبُّ أن يذهبَ إليه.. وإنّما يقصدهُ القاصدُ حينَ الحاجة فقط.
ونحنُ – للأسف الشديد – نتعاملُ مع المعصومين “صلواتُ الله عليهم” في كثير مِن الأحوال بهذا الّلون مِن التعامل..!
وكُلُّ هذا بسبب جهلنا بمَعرفةِ الإمام ومقام الإمام معرفةً صحيحة وجهلنا بمنزلةِ الإمامةِ في ثقافة الكتاب والعترة.

فإذا كُنّا نُريدُ فعلاً أن نكونَ مِن أهْل هذهِ الآية {والسابقُونَ السابقُون* أُولئِكَ المُقرَّبُون} فأهلُ البيت يُبيّنونَ لنا أنَّ المُرادَ مِن السابقين هُم السابقونَ إلى مَعرفةِ إمامِ زمانهم معرفةً صحيحةً مُستلّةً مِن عُمْقِ ثقافةِ الكتاب والعترة (وهي الثقافة الموجودة في الأحاديث التفسيريّة للقُرآن، وفي زياراتِ المعصومين وفي أدعيتهم وخُطبهم وأحاديثهم الشريفة “صلواتُ الله عليهم”..) وليستْ المعرفةُ المأخوذةُ مِن كُتُب النواصب ولا المُوافقةُ للذوقِ الناصبي القذر.. كحال الكثير مِن تفاسير عُلمائنا التي ألّفوها على طريقة النواصب ومُوافقةً لِما يقوله النواصب.
:
#ثامن_الأئمة
#الثقافة_الزهرائية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة