قال الإحسائي:
إن القائم المنتظر عليه السلام حي موجود.
أما عندنا فلإجماع الفرقة المحقة على أنه حي موجود إلى أن يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً وهو: ابن الحسن العسكري الغائب المفتقد وإجماعهم تبعاُ لإجماع أئمتهم أهل البيت عليهم السلام وإجماع أهل البيت حجة لأن الله سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً فيكون قولهم حجة لأنهم لا يقولون إلا الحق فإجماع شيعتهم حجة لكشفه عن قول إمامهم المعصوم عليه السلام.
وأما عند العامة فكثير منهم قائلون بقولنا , ومن قال منهم: إنه الآن لم يوجد..
ومنهم من قال: بأنه عيسى بن مريم عليه السلام فما روى الفريقان من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ).
يرد قولي هذين لأنه صادق على من في زماننا هذا فإن من مات في زماننا هذا ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ولا يصح إلا إذا كان الإمام موجوداً مع أنه لطف ما دام التكليف فلا يصح وجود التكليف بدون لطف موجود لأنه شرطه والمشروط عدم عند عدم شرطه فكل من قال: بأنه موجود إذ لم يقل أحد بأنه: ولد ومات …
ومن استبعد وجوده وطول عمره فقد أخطأ الحكمة لأن الله عز وجل جعل دليلاً لا يمكن رده وهو: أنه خلق الخضر عليه السلام وجده هود وإنه ولد في زمان إبراهيم على أحد القولين المشهورين وهو إلى الآن باق بل هو حي إلى النفخ في الصور وهو آية دالة على القائم عليه السلام.
وإبليس عدو الله باق إلى يوم الوقت المعلوم فإذا جاز بقاء عدو الله وبقاء الخضر الذي هو الدليل على المصلحة الجزئية بالنسبة إلى مصلحة بقاء محل نظر الله سبحانه من العالم وقطب الوجود فكيف لا يجوز بقاء من متوقف جميع مصالح النظام في الدنيا والآخرة على بقائه ؟؟
مع أن الأمة اتفقت رواياتهم وأقوالهم: على أنه لا بد من قيام القائم فبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي أو من ذريتي أو من ولدي اسمه اسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ).
ومن قال من العامة: بأنه عيسى بن مريم كذبه هذا الحديث المتفق على معناه لأن عيسى ليس من أهل بيته ولا من ذريته ولا من ولده فلم يبق للمنصف الطالب للحق إلا القول: بأنه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام عجل الله فرجه وسهل مخرجه.
وقفه عند الإمام المهدي
أقول: إن المسلمين جميعاً متفقون على وجود الإمام المهدي وقد ذكرته الصحاح الستة: ذكره البخاري في الجزء الرابع ف كتاب ( بدء الخلق ) ومسلم في الجزء الثامن ومسند أبي داود في الجزء الرابع في كتاب ( المهدي ) والترمذي في الجزء الثاني وسنن المصطفى في الجزء الثاني والنسائي في الجزء السادس.
ورغم ذلك يوجه ( متمسلمون ) من أبناء هذا العصر نقداً للشيعة وحدهم بشأن الإمام المهدي.
يقولون: كيف غاب ؟؟ وكيف يظل مختفياً ألف عام ؟؟ وما الحكمة من غيبته ؟؟ ولماذا غاب من السرداب ؟؟ هذه الأسئلة يجيب عليها المرجع الديني الأكبر محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه ( أصل الشيعة وأصولها ) وقد رأينا أن نثبت هنا ما كتبه لما فيه من حجة مشرفة دامغة قال تغمده الله بالرضوان:
( نعم في قضية المهدي قد تعلو نبرات الاستهتار والاستنكار من سائر فرق المسلمين بل ومن غيرهم على الإمامية في الاعتقاد بوجود إمام غائب عن الأبصار ليس له أثر من الآثار زاعمين أنه رأي قائل وعقيدة سخيفة والمعقول من إنكارهم يرجع إلى أمرين ).
الأول: استبعاد بقائه طول هذه المدة التي تتجاوز الألف سنة وكأنهم ينسون أو يتناسون حديث عمر نوح الذي لبث في قومه بنص الكتاب ألف سنة إلا خمسين عاماً وأقل ما قيل في عمره: ألف ستمائة سنة وقيل أكثر إلى ثلاثة آلاف وقد روى علماء الحديث من السنة بغير نوح ما هو أكثر من ذلك ففي ( تهذيب الأسماء ) ما نصه: اختلفوا في حياة الخضر ونبوته فقال الأكثرون من العلماء هو: حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر ).
( قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه ( هو حي عند جماهير العلماء الصالحين والعامة معهم وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين ) ويخطر لي: أنه قال هو في موضع آخر والزمخشري في ( ربيع الأبرار ): أن المسلمين متفقون على حياة أربعة الأنبياء اثنان منهم في السماء وهما: إدريس وعيسى واثنان في الأرض إلياس والخضر وأن ولادة الخضر في زمان إبراهيم أبي الأنبياء والمعمرون الذي تجاوزوا العمر الطبيعي إلى مئات السنين كثيرون وقد ذكر السيد المرتضى في أماليه جملة منهم وذكر غيره كالصدوق في ( إكمال الدين ) أكثر مما ذكره الشريف.
وكم رأينا في هذه الأعصار من تناهت بهم الأعمار إلى المائة والعشرين وما قاربها أو زاد عنها على أن الحق في نظر الاعتبار أن من يقدر على حفظ الحياة يوماً واحداً يقدر على حفظها آلافاً من السنين ولم يبق إلا أنه خارق للعادة وهل خارق العادة والشذوذ عن نواميس الطبيعة في شؤون الأنبياء والأولياء بشيء عجيب أو أمر نادر ؟؟ ).
( راجع مجلدات المقتطف السابقة تجد فيها المقالات الكثيرة والبراهين الجلية لأكبر فلاسفة الغرب في إثبات إمكان الخلود في الدنيا للإنسان ).
( وقال بعض كبار علماء أوروبا: لولا سيف ابن ملجم لكان علي بن أبي طالب من الخالدين في الدنيا لأنه قد جمع جميع صفات الكمال والاعتدال وعندنا هنا تحقيق بحث واسع لا مجال لبيانه.
الثاني: السؤال عن الحكمة والمصلحة في بقائه مغ غيبته وهل وجوده مع عدم الانتفاع به إلا الحكمة .. ؟؟ ولكن ليت شعري هل يريد أولئك القوم أن يصلوا إلى جميع الحكم الربانية والمصالح الإلهية وأسرار التكوين والتشريع ولا تزال جملة من الأحكام إلى مجهولة الحكمة كتقبيل الحجر الأسواد مع أنه حجر لا يضر ولا ينفع وفرض صلاة المغرب ثلاثاً أربعاً والصبح اثنتين وهكذا إلى كثير من أمثالها .. ؟.
وقد أستأثر الله سبحانه بعلم جملة أشياء لم يطلع عليها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً كعلم الساعة وأخواته ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ).
وأخفى جملة أمور لم يعلم على التحقيق وجه الحكمة في إخفائها كالاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الاستجابة والغاية أنه لا غرابة في أن يفعل سبحانه فعلاً أو يحكم حكماً مجهولي الحكمة لنا إنما الكلام في وقوع ذلك وتحقيقه ).
فإذا صح أخبار النبي وأوصيائه المعصومين عليهم السلام لم يكن بد من التسليم والإذعان ولا يلزمنا البحث عن حكمته وسببه وقد أخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب الوجيز أن لا نتعرض لشيء نت الأدلة بل هي موكولة إلى مواضعها.
والأخبار في المهدي عن ا لنبي من الفريقين مستفيضة.
ونحن وإن اعترفنا بجهل الحكمة وعدم الوصول إلى حقائق المصلحة … ولكن كان قد سألنا نفس هذا السؤال بعض عوام الشيعة فذكرنا عدة وجوه تصلح للتعليل ولكن لا على البت فإن المقام أدق وأغمض من ذلك ولعل هناك أموراً تسعها الصدور ولا تسعها السطور وتقوم بها المعرفة ولا تأتي عليها الصفة.
والقول الفصل: أنه إذا قامت البراهين في مباحث الإمامة على وجود الإمام في كل عصر وأن الأرض لا تخلوا من حجة وأن وجوده لطف وتصرفه لطف آخر فالسؤال عن الحكمة ساقط والأدلة في محالها على ذلك متوفرة وفي هذا القدر من الإشارة كافية إن شاء الله.
غيبة الإمام المهدي ( من السرداب )
وعن الغيبة من السرداب يقول آل كاشف الغطاء: يستهزئ محمود الألوسي في تفسيره حين يذكر سهام الخمس فيقول: ( ينبغي أن توضع هذه السهام في مثل هذه الأيام في السرداب ) مشيراً إلى ما يرمون به الشيعة من: أن الإمام غاب فيه ( وقد أوضحنا غير مرة من أن الأغلاط الشائعة عند القوم من: خلفهم إلى سلفهم وإلى يوم زعمهم: أن الشيعة يعتقدون غيبة الإمام في السرداب مع أن السرداب لا علاقة له بغيبة الإمام أصلاً وإنما تزوره الشيعة وتؤدي بعض المراسم العبادية فيه لأنه موضع تهجد الإمام وآبائه العسكريين ومحل قيامهم في الأسحار لعبادة الحق جل شأنه ).
الكاتب: محمد علي إسبر
المصدر: كتاب العلامة الجليل أحمد بن زين الدين الأحسائي في دائرة الضوء
إذا أردت نقل الموضوع إلى موقعك ومدونتك فذكر المصدر