الإماميون … والعصمة …
Posted on الثلاثاء ۲۲ ربيع الثاني ۱٤۳۹هـ ۹-۱-۲۰۱۸م
by شبكة نور الإحقاقي
Leave a Comment
الإماميون … والعصمة …
اعلم أنه قد وقع الاختلاف الكثير بين الناس القائلين بالعصمة في متعلقاتها ووقتها فقالت الإمامية: إن العصمة تصاحب المعصوم وتلازمة من أول عمره إلى آخره ويكون بها معصوماً من جميع الذنوب من الكفر والكبائر كلها والصغائر كلها عمداً وسهواً ونسياناً بل لا يقع منه مطلق السهو والنسيان لأن اللطف الذي هو منشأ العصمة وأصلها منه منشؤها ومنه تحققها حتى كانت ملكة للمعصوم ومنه تمكين الاستعداد المقتضي لها على نحو ما أشرنا إليه سابقاً … منها: لزوم الملك المسدد للمعصوم عن الخطأ المعلم له عن الجهل المنبه له عن السهو المذكر له عن النسيان المحبب إليه الطاعة المكره إليه المعاصي وهو أي ذلك اللطف دائم التعلق بذلك المعصوم مستمر اللزوم له لوجود المقتضى لذلك من: ملازمة الاجتهاد والمراقبة وقوة الاستعداد.
ولما كانت قوة استعداده موجودةً فيه في أول إيجاده لشدة نورية روحه وشدة صفاء طينته لقربهما من المبدأ بحيث اقتضيا ارتباط اللطف بهما بحقيقة ما هما أهله كما أشار إليه عز وجل بقوله: ( واصطنعتك لنفسي ) ( طه آ ) استحق العصمة بقوة استعداده وقابليته من أول عمره إلى آخره المانعة من جميع الذنوب والمعاصي: الكبائر والصغائر مطلقاً عمداً وسهواً ونسياناً وقد ذكر سيد الوصيين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الإشارة إلى ذلك في قوله:
سبقتكم إلى الإسلام طراً مقرأً بالنبي في بطن أمي
لأنه خليفة الله في أرضه على خلقه وما استخلفه إلا بعد أن اختاره وانتجبه من سائر خلقه في عالم الذر الأول على علم منه به انفرد عن أبناء جنسه فليس له فيهم مماثل وخالقه العالم به لا يختار من يلحقه التظنين فلو وجد في شيء منه ما ينافي شيئاً من مراداته لما جاز له اختياره وإلا لكان قد أختار من يخالف مراده.
وقد اختاره في أول بدئه فيكون في أول بدئه منزهاً عن كل ما ينافي مراده بالقوة وبالفعل من أول بدئه إلى آخره لأن المستخلف سبحانه حق لا شبهة فيه فلا يستخلف من فيه شبهة – وهو العليم القدير – إلا من لا يعلم بها أولا يقدر على من لا شبهة فيه أو كان في نفسه شبهة والأحوال الثلاثة منفية عنه عز وجل فلا يختار من فيه شبهة كما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في: الغدير والجمعة في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( فهو أهل لذلك بخاصته إذ لا يختص من يشوبه التغيير ولا يخالل من يلحقه التظنين وقد تقدم.
وقد استدل الإمامية على وجوب عصمة الذين وصفوا بالعصمة من: الأنبياء والمرسلين وغيرهم من الأوصياء أن المكلفين مأمورون بأتباع الأنبياء في أفعالهم وأقوالهم فلو وقع منهم كفر أو ذنب صغير أو كبير لوجب اتباعهم لقوله تعالى: ( فاتبعوه لعلكم تهتدون ) ( الأعراف آ ) وقوله تعالى: ( ما أتاكم الرسول فخذوه ) ( الحشر آ ) وغير ذلك واتباعهم في هذه الأفعال التي حرمها الله يلزم من الجمع بين: الوجوب والحرمة وهو غير جائز.
وأيضاً لو وقع منهم الذنب لكانوا عليهم السلام من حزب الشيطان لأنهم فعلوا ما أراد الشيطان وحزب الشيطان هم الخاسرون ومعلوم أنهم – عليهم السلام – حزب الله وحزب الله هم المفلحون.
وأيضاً لو صدر منهم كفر أو ذنب لفسقوا لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة وحينئذ لم تقبل شهادته لقوله تعالى: ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وألئك هم الفاسقون ) ( النور آ ) ولم يجب قبول قولهم وخبرهم لقوله تعالى: ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ( الحجرات آ ) واللازم في الصورتين باطل بالإجماع ولأن الفائدة في بعثتهم ورسالتهم قبول شهادتهم وخبرهم فالملزوم مثله.
وأيضاً لو وقع منهم كفر أو ذنب لوجب الإنكار عليهم لوجوب النهي عن المنكر ووجوب إنكاره وذلك يستلزم ذمهم وإيذاءهم وإيذاء الأنبياء عليهم السلام حرام موجب للعنة الله في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) ( الأحزاب آ ) ولو لم يجب الإنكار عليهم لزم عدم وجوب إنكار المنكر مع القدرة وهو باطل اتفاقاً.
وأيضاً أنهم عليهم السلام في أعلى درجات الشرف فلو وقع منهم كفر أو ذنب لوجب أن يضاعف عذابهم لأن من كان أشرف كان صدور الذب منه أفحش كما قال تعالى في شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) ( الأحزاب آ ) ضعفاً بفعل الفاحشة وضعفاً بهتك حرمة شرف النبي والبعد منه.
وكما ضاعف عقوبة الأحرار لشرفهم على المماليك لأن حد المملوك نصف حد الحر قال تعالى: ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) ( النساء آ ) فيكون أنبياء الله وأحباؤه معذبين بأشد العذاب وهو باطل اتفاقاً … وأيضاً … لو صدر عنهم كفر أو ذنب لم تنلهم النبوة والإمامة لأنهم إذا وقع منهم ذلك كانوا ظالمين والظالم لم ينله عهد النبوة والإمامة لأن رتبة النبوة في أعلى عليين والظلم في أسفل سافلين لأن الله سبحانه حين قال لإبراهيم: ( إني جاعلك للناس إماماً استعظم درجة الإمامة في نفسه فسألها لذريته قال: ومن ذريتي أي وجعل بعض ذريتي أئمة وإنما أتى بمن الدالة على التبعيض لعلمه بأن من ذريته من هو كافر ولم يسأل له الإمامة وإنما سألها للمؤمنين من ذريته فأجابه تعالى: بأن من وقع منه ذنب وإن كان صغيراً ولو مرة واحدة فإنه يصدق عليه أنه ظالم وإن كان مؤمناً وذلك بعيد عن مقام الإمامة لأنها عهده الحق وميثاقه الصدق يعني: الصدق معه في كل المواطن في جميع الأحوال فجمع له جميع ما أشرنا إليه فقال: ( لا ينال عهدي الظالمين ).
وإن من وقع منه الظلم في وقت ما يصدق عليه أنه ظالم لما قرر في الأصول من عدم اشتراط بقاء المعنى المبدئ في صحة الصدق حقيقة كما هو الصحيح في المسألة.
والظالم بعيد عن عهد الإمامة والإمامة لازمة للنبوة فكل نبي إمام فلا يقال: إن هذه الآية خاصة بالإمام ولو قيل بذلك قلنا: ففي النبي بطريق أولى لأن الإمام إذا لم يكن نبياً فهو وصي نبي ونبيه أفضل فاعتبار علو الدرجة في النبي أولى منه في وصيه.
هذا بعض ما ذكروا من الأدلة وغيرها كثير من الكتاب العزيز وسنة النبي وأحاديث أهل بيته المعصومين وهي كثيرة لا تكاد تحصى ومن الإجماع من الفرقة المحقة ومن أئمتها عليهم السلام ومن دليل العقل منه ما كان من دليل الحكمة كما أشرنا سابقاً إلى شيء منه في تحقيق بدء المعصوم والعصمة ومن دليل الموعظة الحسنة من: الكتاب والسنة ما يضيق بذكره الوقت ومن ذلك مثل قوله تعالى: ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) ( يونس آ ) وجه الاستدلال العقلي من دليل الموعظة الحسنة إنه سبحانه أخبرهم بأن من يهدي إلى الحق أولى بالاتباع ومن فعل الذنب لا يكن هادياً إلى الحق حال معصيته ولا بفعله.
أما حال معصيته فلا يقبل منه ولا تؤثر موعظته في القلوب بل تنكر عليه وذلك موجب لخلاف دعوته إلى الحق.
وأما بفعله ففعله ذنب والذنب باطل يدعو إلى الباطل.
وأما في غير تلك الحال فالعقول تجوز عليه حال المعصية فلا يخلو من شائبة النفرة فلا يتم له هدايته إلى الحق ولو فرض أنها لا تجوز عليه حال الطاعة حال المعصية لم يستحق أحقية الإتباع المطلق المستمرة التي هي المراد في الآية الشريفة ولو فرض الاستحقاق والحال هذه في الجملة أو بقول مطلق لم يكن في الاستحقاق للاتباع مثل من لم يقع عليه ذنب مطلقاً فإذا كان الاتباع إنما كان للهداية للحق والصواب والموجبة للنجاة من سخط الله وعذابه وجب في العقل اتباع من لم يجوز عليه العقل شيئاً من المعاصي
للقطع بحصول النجاة في اتباعه دون من وقع منه الذنب لعدم القطع بحصول النجاة في اتباعه … فأخبر سبحانه عباده من حيث يعقلون: نصحاً وموعظةً وإرشاداً لهم إلى ما فيه نجاتهم من عذابه ومن يعمل بما آتاه الله من التمييز والعقل لا يختار المظنون ويترك المعلوم الذي قطع به عقله فافهم فإن هذا من دليل الموعظة الحسنة … وفي دليل المجادلة بالتي هي أحسن كثير لا يكاد يحصى وقد ذكر منه العلامة الحسن بن المطهر قدس الله روحه ونور الله ضريحه في كتابه ( الألفين ) ألفي دليل من أدلة العقل المستنبطة من الكتاب من أدلة المجادلة بالتي هي أحسن.
وهذه الأنواع الثلاثة من الأدلة العقلية غير النقلية وهي التي أمر الله سبحانه نبيه أن يدعوا إلى سبيله بها فقال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ( النحل آ ).
وهذه الثلاثة هي المرادة بتأويل قوله تعالى في حق من يجادل في الله بغير هذه الأدلة الثلاثة ليضل عن سبيل الله اي يصرف الناس عن ولي الله وولايته ويدعوهم إلى نفسه.
قد لبس ثياب النسك بالدعوة بلا حقيقة ولا معنى وهو قوله تعالى: ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ) ( الحج آ و ) فتفهم تفهم.
أقول: وقد وصف الإمام علي الرضا ( ع ) الإمام الحق فقال: الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.
الإمام: البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والحجة البالغة.
الإمام: أمين الله في أرضه وحجته على عباده وخليفته في بلاده الداعي إلى الله والذاب عن حريم الله.
الإمام: المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المارقين وبوار الكافرين.
الإمام: عالم لا يجهل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول وهو نسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب في الذروة من هاشم والعترة من آل الرسول نامي العلم كامل الحلم مفروض الطاعة قائم بأمر الله حافظ لدين الله.
وللإمام علامات: يكون أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس وأشجع الناس وأسخى الناس وأعبد الناس يولد مختوناً ويكون مطهراً ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه ولا يكون له ظل وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين ولا يحتلم ولا ينام عينه ولا ينام قلبه ويكون محدثاً .. ولا يرى له بول ولا غائط رائحته أطيب من رائحة المسك يكون أولى من الناس بأنفسهم .. الخ.
الكاتب: محمد علي إسبر
المصدر: كتاب العلامة الجليل أحمد بن زين الدين الأحسائي في دائرة الضوء
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك: