الأحسائي في القرن العشرين
سئل الصوفي المعروف الجنيد عن علمه من أين استفاده ؟؟
فقال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة وأومأ إلى دوحة في داره ,
فإذا كان الجنيد قد استفاد علمه من الله كما قال فإن الشيخ أحمد الأحسائي قد أخذ علومه بتأييد من الله عن آثار باب علم النبي: علي وعترته كما صرح هو نفسه بهذا المطلب في أول كتاب شرح الفوائد تلك العلوم المحمدية الإمامية.
وقف نفر من علماء كربلاء أمام بعض الدقائق والمصطلحات العلمية الفنية التي عرضها بعبارات جديدة مشدوهين … لأنهم لم يفهموا مرماها … فراحوا لأغراض دنيوية كما أوضحنا يشاكسون …
سئل أبو تمام الشاعر: لماذا تقول ما لا يفهم ؟؟
فأجاب: لماذا لا تفهمون ؟؟
تلك هي حال الشيخ الأحسائي مع أولئك النفر …
بيد أن الشيخ شرح لهم العبارات القلائل التي لم يفهموها … كما ادعوا
وظن أنه وضعهم على محجة من الطريق واضحة …
وإنهم سوف ينقادون للحق إذا حصحص …
ولكن نزعات الشر الحاسدة اغلقت مسامع القلوب …
ويمضي أبو تمام إلى ربه فينهد النقاد الذين جاؤوا بعده يدرسون ذلك الشعر الذي لا يفهم … فإذا هو الشاعر المجدد صاحب الخيال الخصب والصور الزاهية التي تمور بالحياة فأنصفوا الشاعر ووضعوه في المكان اللائق بنبوغه …
ونتساءل الآن: ماذا فعل العلماء الذين جاؤوا بعد الشيخ الأحسائي مسلمين كانوا أم غير مسلمين ؟؟
هل درسوا التراث الذي تركه وأخرجوا للناس كنوزه الثمينة وأنصفوه من الظلم … كما فعل النقاد الأدباء مع أبي تمام ؟؟
لقد خص الله ورسوله علياً وأبناءه الأئمة بمكانة تزهر جبلاً من نور أفصح عنها بقوله ( أين يتاه بكم ؟؟؟ وكيف تعمهون ؟؟ وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق وأعلام الدين والسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن.
أيها الناس !!
خذوها عن خاتم النبيين إته: يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون )
هذه المكانة الجليلة يعطيها الشيخ أحمد الأحسائي حقها من التقدير والإكبار ولكنه لا يرفهم فوقها أي أنه لا يغلو فيهم ويجعل من آلهة بل هو يراهم كما قال سبحانه: عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
هو ذا يقول في كتابه شرح الزيارة: استحق الرسول أن يجعل موضعاً للرسالة لنورية طينته .. وصفاء سريرته .. وعظم مسارعته إلى طاعة ربه , حتى تفرد بهذه الصفات , وأمثال ذلك , من صفات الكمالات , عن جميع ما خلقه الله لم يساوه في شيء منها أحد من الخلق ولم يدانه في شيء منها أحد إلا ابن عمه علي بن أبي طالب وابنته الزهراء وبنوه الأئمة الطاهرون.
وأورد في كتابه ( العصمة ) شطراً من حديث طويل رواه جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قال: وأما المعاني فنحن معانيه وظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته وفوض إلينا أمر عباده.
ويشرح الشيخ الأحسائي معنى هذه الكلمات فيقول: المراد بالذات التي اخترعهم منها ( من نورها ) ذات محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعني: أنه من نور ذات لها نسبها إليه تعالى تشريفاً وتكريماً على سائر الذوات لأنه تعالى خلقهم ( أي الأئمة ) من نور محمد فإضافة النور إلى الذات بيانية وإضافة الذات إلى الضمير بمعنى اللام والمعنى اخترعنا ( الله سبحانه ) من نور هو ذات له ( أي للسيد محمد ) يملكها ويختص بها وتختص به.
وقد عقب على شرحه لجملة ( موضع الرسالة ) التي وصف بها آل محمد فقال: والحاصل أنهم عليهم السلام موضع الرسالة بهذه المعاني التي ذكرناها وما أشبهها لا بمعنى أنهم رسل جعلهم محال الرسالة يوحي إليهم كما توهمهم بعض الغلاة وقد كذبوا إنما هم محدثون صلى الله عيهم أجمعين.
إننا نراه يقول: إن الأئمة مخلوقون من طينة الرسول.
ونراه يهزأ ( بالغلاة ) الذين توهموا أن الأئمة يوحى إليهم باعتبارهم محلاً للرسالة بل ويقول عنهم: إنهم كذبوا فيما توهموه.
وها هو يورد في كتاب ( الرجعة ) أن علياً أمير المؤمنين يقتل مرتين ويحيا مرتين حين يشرح حديثاً أخذه من كتاب ( منتخب البصائر ) لننتبه إليه يقول: مضمون هذا الحديث موجود في أحاديث كثيرة وهو يدل على أن أمير المؤمنين علياً يقتل مرتين ويحيا مرتين وقد صرح بذلك فقال: أنا الذي أقتل مرتين وأحيا مرتين ).
ويروي في كتابه ( الرجعة ) قول علي: إن الله تبارك وتعالى أحد تفرد في وحدانيته ثم تكلم بكلمة فصارت نوراً ثم خلق من ذلك النور محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وخلقني وذريتي … الخ وينبؤنا في كتابه ( الرجعة ) أيضاً أن الله سبحانه يخاطب نبيه محمداً يوم القيامة فيقول: يا محمد! علي أول من آخذ ميثاقه من الأئمة .
يا محمد !! علي آخر من أقبض روحه من الأئمة ..)
وهو – أي الشيخ أحمد الأحسائي – يعقد فصلاً في كتابه ( حياة النفس ) يقول فيه في تنزيه الذات القدوسية: ويجب أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يدرك بشيء من الحواس الظاهرة: السمع والبصر والذوق والشم واللمس ولا من الحواس الباطنة الحس المشترك والخيال والمتصرفة والواهمة والحافظة لأنه عز وجل لا يشابه شيئاً ولا يجانسه والشيء إنما يدرك ما هو من جنسه ويشابهه كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنما الأدوات أنفسها , وتشير الآلات إلى نظائرها , قال تعالى: ( لا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار ) ( الأنعام ١٠٣ ) وقال: ( ولا يحيطون به علما ) ( طه ١٠٩ ) وذلك لأن الحواس الظاهرة والباطنة , إنما تدرك الحدود , والمحدود , والكيف , والمصور , والمميز , وهو عز وجل لا حد له , ولا كيف له , ولا صورة له , ولا مميز له , تعالى الله عن جميع صفات خلقه علواً كبيراً , ولا مناص من أن نتساءل: هل الذي ينزه الباري هذا التنزيه يقول بالغلو ؟؟؟ كيف يعد غالياً من يعتقد: أن علياً مخلوق .. وأنه يقتل مرتين .. وأنه تقبض روحه .. ؟؟
إن الأحسائي قبس من صافي التوحيد يسير في مدار شريعة محمد نبي الرحمة , وأهل بيته الأئمة الطاهرين …
لقد وجه خطاباً – كما رأينا – إلى أبناء كربلاء يستنكر فيه , ما وصمه فيه ظلماً , أصحاب المآرب الذاتية , ويعلن عقيدته , جوهر نقاء , وينبوع ضياء …
وهو يهاجم أرباب ( الحلول ) فيبهتهم … ويثبت أن الحلول , كفر برب العالمين …
ورأيناه يعنف في الهجوم على ( الغلاة ) ويؤكد أن علي بن أبي طالب , وأبناءه الأئمة مخلوقين من المعدن القدسي , الذي خلق منه محمد رسول الله , وقد أشار الرسول إلى ذلك بقوله: الناس من شجر شتى , وأنا وعلي من شجرة واحدة , ومعنى خلقهم من طينة الرسول أنه أقدم منهم خلقاً , وأرفع منهم شأناً …
فأين الحلول , وأين الاتحاد , وأين الغلو , في عقيدة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ؟؟
جاء عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قوله: ( لا تجعلونا أرباباً , وقولوا فينا ما شئتم , ولن تبلغوا ) الأهم عند الصادق أن ينزل بهم المسلمون عن جلالة الربوبية , لأنهم عبيد , مربوبون , ثم ليقولوا فيهم بعد ذلك ما يشاؤون , ذلك , لأنهم تميزوا بخصوصيات ذكرها القرآن الكريم , نذكر منها على سبيل المثال: آية التطهير … وآية المباهلة … وآية الولاية … وسورة الدهر: ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر .. ) السورة …
ومثل قول الرسول: ( مثل أهل بيتي , مثل سفينة نوح , من ركبها نجا , ومن تخلف عنها غرق ).
ومثل قوله: ( علي مع القرآن , والقرآن مع علي , لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ).
مثل قول أبي سعيد الخدري: ( كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً ) .. إلخ …
هذه الخصوصيات , مضافاً إليها: أنه لا تصح صلاة مسلم إذا لم يصل عليهم …
وأنهم , والرسول من شجرة واحدة … رفعتهم فوق مطامح العالم … فأهلتهم لكرامات هي كمعاجز الأنبياء …
ونحن حينما نثبت لهم ( المعاجز ) لا ننسبها إليهم على اعتبار أنها قدرة ذاتية .. أو علم ذاتي .. فيهم , ولكننا ننسبها إليهم على أن القدرة للإله القادر .. والعلم للإله العليم …
ومع ذلك يقال: الشيعة يغلون في أهل بيته نبيهم …
ونحن لو سألناهم مثلا: هل ردت الشمس ليوشع غلام موسى ؟؟
لأجابوا: نعم , ولكن إذا قلنا: إن الشمس ردت لعلي بن أبي طالب كذبوا وقالوا: غلاة …
عجباً !! هل يوشع أكرم على الله من علي ؟؟؟
لا أظن أحداً من المسلمين يقول , بأفضلية يوشع على علي , ولا أنه أكرم منه عند الله …
فكيف – والحال هذه – نعترف هناك , وننكر ونكذب هنات ؟؟
وإذا قلنا: إن الله خص الملك عزرائيل يقبض الأرواح وأعطاه القدرة على ذلك , فالكل يؤمن بهذا ويصدقه …
ولكن إذا قلنا: إن الإمام السجاد علي زين العابدين عليه السلام قال: ( إن الله فوض إلينا أمر العباد ).
أو قلنا: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ( يموت من مات منا , وليس بميت ).
أو أوردنا قوله: ( أمرنا صعب مستصعب , لا يحمله , إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ).
طغت بسمات الاستغراب , وعدم الرضى , على الوجوه …
وإذا قلنا إن علي بن أبي طالب , قدم من المدينة المنورة إلى المدائن , غداة وفاة سلمان الفارسي , فصلى عليه وعاد إلى المدينة قبل أن يرتفع الضحى ,
قيل: هذا غلو …
وإذا قلنا: إن آصف , جلب عرش بلقيس ملكة اليمن من صنعاء إلى بيت المقدس في فلسطين قبل أن يرتد طرف نبي الله سليمان إليه
قيل: هذا حق وصدق …
ولو سألنا هؤلاء: هل كان عند آصف من علم الكتاب أكثر من علي
فبماذا يجيبون ؟؟ إن الله سبحانه لم يعلم رسوله محمداً شيئاً , إلا أمره أن يعلم علياً , وقد نبه رسول الله المسلمين إلى ذلك حين قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها , فمن أراد العلم فليأت الباب.
وأكد عليهم أن يعرفوا مكانة علي بقوله: علي مني وأنا من علي.
وقوله: حق علي على المسلمين حق الوالد على ولده
وبن عباس يقول: لقد أعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شارك الناس في العشر الباقي ( راجع ابن طولون: الأئمة الإثنا عشر تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد ط بيروت ص ( ٥١ ) وعلي يقول تصديقاً لقول الرسول الكريم: لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل الزبور بزبورهم حتى تنطق التوراة والإنجيل والزبور ويقلن: صدق علي
ويقول: سلوني قبل أن تفقدوني فأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض.
ولا يرتاب مسلم في أن محمداً رسول الله أعلم الأنبياء وأفضلهم وهذا يقضي بالضرورة أن يكون عند علي من علم الكتاب أكثر مما كان عند آصف لأنة مكانة علي من محمد رسول الله تفضل مكانة آصف من سليمان نبي الله …
وما دام الأمر كذلك فلماذا يحاول بعض الناس طمس فضائل علي وأبنائه الأئمة ؟؟؟
وإنه ليبعث فينا المسرة أن نسأل: هل احد من خلق الله أولى من نبي الرحمة محمد وآله الأطهار بتكريم الله ؟؟
إن من الثابت لدى المثقف الإسلامي العادي أن الحكام: الأمويين … والعباسين … والعثمانيين … كانوا ينزلون العقاب الشديد بكل من يعلن ولاءه لأهل البيت المحمدي … وأنهم كانوا يحرمون التحدث بفضائلهم…
فعلوا ذلك بإصرار ليبعدوا الشعب عنهم … ليبغضوه فيهم … ويهنؤوا هم بملذات الحكم الفردي … ثم أصبح ذلك بمرور الأعوام تقليداً سائداً تمارسه الجماهير الإسلامية وكأنه ( شيء ) من التراث الروحي الثمين…
فليت علماء المسلمين يعيدون النظر في هذا ( التقليد ) فيرفعوا درجة أهل بيت نبيهم إلى الذروة الطيبة التي وضعهم فيها الله ورسوله ليثابوا على ذلك رضى الله ورسوله …
أما ما نقله كتاب ( الشبك ) من جمل عن السيد كاظم الرشتي بنى عليها اتهامه بالغلو …
هذه الجمل هذه الجمل يشرحها حديث آثر به رسول الله ابن عمه علياً وهو ( والذي فلق الحبة , وبرأ النسمة , إنه لعهد النبي الأمي إلي أن: لا يحبني إلا مؤمن , ولا يبغضني إلا منافق ).
وأخرج هذا الحديث الإمام الشبلنجي الشافعي المذهب مرفوعاً إلى الصحابي المشهور أبي سعيد الخدري على الوجه التالي: إن رسول الله قال لعلي: حبك إيمان وبغضك نفاق.
نوضح معنى هذين الحديثين بمثال هو: لو دخل رجلان في الإسلام فنطقا بالشهادتين واعتقدا أصول الإسلام وفروعه وطبقا العبادات على وجهها الصحيح وأحدهما يحب علي بن أبي طالب والآخر يبغضه , فماذا يكون حصاد كل منهما في الدار الباقية … دار الثواب والعقاب… ؟؟
إن جزاء الأول: أن يدخل الجنة آمناً مطمئناً .. ينساب في نفسه لذة روحانية قدوسية قول الله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟؟
وأما الثاني: فإنه زبانية العذاب تسوقه إلى جنهم .. ولا تنفعه صلاة ولا صيام ولا حج ولا ولا لأنه منافق أبغض علياً … ومصداق ذلك قوله سبحانه: ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) ( النساء ١٤٤ ) ولسنا بهذا التفسير نتأول تأويلاً … ولا نحمله من المعنى فوق ما يتحمل …
لنتأمل جيداً ببصيرة مؤمنة واعية متحررة من رواسب التقليد الموروث ….
يا علي !! لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق …
و: حب علي إيمان وبغضه نفاق …
لا يفوتنا أن نضع في أذهاننا أن راوي الحديث الأول: صحيح مسلم ومسلم تلميذ البخاري وصحيحة يستوي مع صحيح أستاذه البخاري في درجة واحدة.
والحديث الثاني رواه الإمام الشبلنجي المعروف بمؤمن وهو من علماء المذهب الشافعي المرموقين …
فالحديثان صحيحان ومتفق عليهما من الجميع … وكما أنهما صحيحان لا ترقى إليهما الشبهات فإن شرحنا لا تتطاول إليه الشبهات أيضاً …
يبقى في عبارات السيد الرشتي تلاعب لفظي أملاه عليه تفلسف صناعة الكلام في تلك الفترة من الزمن … ولكن العبارات لا تخرج بمعناه الأصيل العميق الدقيق عن هالة الحديثين النبويين اللذين أوردناهما فهي عبارات اختلفت مبانيها ولم تتباين معانيها …
وإنه ليلطف عندنا أن نقول: إن السيد الرشتي قد استوحى عباراته من حديث مرفوع للإمام الصادق يقول: ( إن محمداً وعلياً كانا نوراً بين يدي الله قبل خلق الخلق بألفي عام وإن الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلاً قد انشعب منه شعاع لامع فقالوا إلهنا !! ما هذا النور ؟؟
فأوحي إليهم: هذا ور من نوري أصله نبوة وفروعه إمامة أما النبوة فلمحمد عبدي ورسولي وأما الإمامة فلعلي حجتي ووليي ولولاهما ما خلقت خلقي.
ويروي سلمان الفارسي عن الرسول قوله: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم … الخ.
خطب علي وتنبأ بأمور غيبية عن البصرة فقام رجل من بني كلب وقال له: لقد أعطيت علم الغيب يا أمير المؤمنين !!!
فقال له: ليس هو بعلم غيب , وإنما هو علم , علمنيه رسول الله ودعا لي أن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله: إن الله عنده علم الساعة الآية ٣٤ من سورة لقمان.
ولو علم علي بنزول جبريل على رسول الله بدون تعليم لما كان – على ما نرى – في ذلك موضع لشبهة يقول الإمام الشيخ محمد عبده ( إن من النفوس البشرية , ما يكون لها من نقاء الجوهر , بأصل الفطرة , ما تستمد به من محض الفيض الإلهي لأن تتصل بالأفق الأعلى وتنتهي من الإنسانية إلى الذروة العليا ).
وهل بعد رسول الله من هو أنقى جوهراً في فطرته وأصفى نفساً من علي المنفتق نوره من نور رسول الله ؟؟؟
في رأينا أن أبواب الحقيقة , قد انفتحت لصاحب ( الشبك ) وأدرك أن ما حسبه غلواً سراباً من الأوهام ولكي نزيده قناعة نقدم إليه نفحات لطافاً من عقيدة السيد كاظم بعلي بن أبي طالب وأولاده ولكي نستمع جميعاً بهذه النفحات العقائدية فإن علينا أن نفتح على الصفحة ( ٧٨ و ٧٩ ) من كتاب ( دليل المتحرين ) ونصغي إليه يقول: ( واعلموا أن العمل الصالح لا يصعد إلى درجاة القبول إلا بالاعتقاد الصحيح ومعرفة فضل علي أمير المؤمنين والاعتراف بعلو مقامه وسمو رتبته.
واعلموا أنه عليه السلام وأولاده وزوجته أمناء الله وأبواب رحمته ومقاليد مغفرته وسحائب رضوانه ومفاتيح جنانه.
هم مفاتيح الغيب هم السر اللاريب هم محال المشيئة وهم ألسن الإرادة وهم قصبة الياقوت وهم حجاب الملك والملكوت.
أيها الناس !!!
أنزلوهم في مراتبهم ولا ترفعوهم عن الحد الذي جعله الله لهم ( لا تغلوا في دينكم , ولا تقولوا على الله إلا الحق ) هم ليسوا بأرباب من دون الله ولا هم شركاء مع الله بل هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون.
ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم وكذلك نجزي الظالمين.
أيها الناس !!!
( هذا هو الاعتقاد الصحيح وهو اعتقادي وعليه انعقد ضميري وبه أدين الله في سري وعلانيتي ) ١ هـ .
وأراني الآن سعيداً لأن عضو المجمع العلمي العربي في دمشق , قد رأى الشيخ أحمد الأحسائي وتلميذه السيد كاظم كوكبين وضاءين في جنان التوحيد كما عرف الله ورسوله التوحيد.
أما وقد انتهت مناقشاتنا العقائدية لصاحب ( الشبك ) فلنفتح معه باباً جديداً , نوميء فيه إلى أخطاء أربعة تعثر فيها.
١ – الشيخية , والكشفية فرقتين بينما هما وحدة لا تتجزأ وقد أوردنا سابقاً مقالة العلامة: ميرزا علي الحائري في هذا القصد ولا نرى بأساً أن نعيد ما كتبه مع شيء من التوسع.
قال: ( سموهم شيخية , حيث حاموا عن شيخهم الأحسائي ودافعوا عن ساحته , وليس هذا العنوان من قبل أنفسهم وأما عنوان الكشفية فهو تنابز صرف كعنوان الرافضة لأن الشيخ ما ادعى الكشف والوحي في شيء من كتبه وإنما لقبهم بذلك ونابزهم به مقابلوهم وأضدادهم من الذين ادعوا على الشيخ ما لم يقل والذين يحبون أن يفرقوا كلمة الإسلام ).
ويقول السيد كاظم الرشتي رداً على سائله عن ( الشيخية والكشفية ) ( فالمراد بالشيخي والكشفي أصحاب الشيخ الأعظم والعماد الأقوم , عن الإسلام والمسلمين – أستاذنا وعمادنا الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ).
٢ – قوله: إن الشيخ تتلمذ لعلماء عصره … وإنه سافر بعد ذلك إلى بلاد العجم لما أكثر علماء عصره القول فيه.
والصحيح أن الشيخ لم يدرس إلا مبادئ القراءة والكتابة وشيئاً من النحو في بلده وإنه هجر الأحساء هرباً من الظلم الاجتماعي والروحي الذي كانت تمارسه السياسة على مجتمعة وأن اتصاله بأساطين العلماء وأخذه عنهم كان بعد هجرته لا قبلها ثم عكف على مطالعة الكتب العلمية وبصفاء باطنه وخلوص نيته تلقى العلم في مدة قليلة وانفجرت من قلبه ينابيع المعرفة وعلوم آل محمد بتأييد من الله …
أما تلقية العلوم فكان في أكثرة عن طريق الرؤيا الصادقة من رسول الله والأئمة الإثني عشر تفضلاً من الله عليه كما كتب هو بخط يده أي أن سماعه كان فوقياً.
٣ – يقول صاحب الشبك: إن محمداً ابن الشيخ الأحسائي , كان شديد الإنكار لطريقة والده.
هذا القول يرد عليه الميرزا علي الحائري , فيقول: ( قال الأوحد ( الشيخ أحمد الأحسائي ) في ترجمة أحوال شخصه: وكان مما تفضل علي , عز وجل أن رزقني ذرية كرمهم الله بالعلم وكان كبيرهم سناً وعلماً هو الابن الأعز: محمد تقي أعزه الله وهداه وجعلني من المنية فداه التمس مني أن أذكر بعض أحوالي … إلخ ) فذاك التقريظ وهذه الكتابة , ألا يكشفان عن مودة راسخة فائقة ومحبة عميقة خارقة فوق علقة الأبوة والبنوة حتى طلب الأب من خالقه جعل نفسه فداه عن منية ولده؟؟؟
فلو كان منكراً على أبيه وعلى خلاف طريقته كيف ساغ ذلك التمجيد والتضخيم من ذلك الوالد المعظم ).
( لقد مات الولد قبل الوالد ولم يبق بعد والده حتى يقال: إنه ربما كان الإنكار بعد رحلة الوالد ).
( إن ذلك إلا كلام مختلق من ضمائر مريضة وصدور مغشوشة عصمنا الله من زلل الأقلام وخطل الأوهام ).
٤ – قوله: ( وقد تبرأت منه ( أي من الشيخ الأحسائي ) الشيعة الأمامية الأصولية ).
إن هذا افتراء قبيح لم يقله أحد قبله ولن يقوله أحد بعده.
إن ( الشيخية ) كما أسموهم إماميون أصوليون اثناعشريون وهذه كتبهم الفقهية تملأ المكاتب فليدرسها من يشاء … وأولئك هم مراجعهم الدينية فليوجه إليهم الأسئلة من يشاء وعلى أي وجه يريد …
وثمة قبسة مر بها صاحب ( الشبك ) عجلان غير حافل بها رغم أنها تتوهج بالضوء الأحمر.
يقول: ( إن بعض العلماء أطرى الشيخ الأحسائي , كالخوانساري , صاحب كتاب ( روضات الجنات ).
ولنا أن نسأله: هل يسوغ في عقل مسلم أن يطريه عالم ضخم مثل صاحب ( روضات الجنات ) وهو من الغلاة ؟؟؟
وهل يطمئن محقق , إلى أنه غال وقد منحه أقيال العلماء في عصره الإجازات التي تصب عليه الثناء عاطراً مدراراً ؟؟؟
وهل يستقيم في ضمير مؤمن أن يأخذ عنه مثل: صاحب الجواهر , والميرزا حسن كوهر , والشيخ مرتضى الأنصاري صاحب الرسائل والمكاسب وعقيدته غير سليمة ؟؟؟
كان على الأخ الفاضل صاحب ( الشبك ) أن لا يثب فوق هذه الحقائق ويمضي مع وشوشات الخيال ويلقي بكلماته الخاطئة وكأنها ( حقائق ) ثابتة …
هناك فئة من الناس تزعم أن الشيخية إخباريون وليسوا أصوليين يريد بذلك أن يبعدهم عن مرتبع الأصوليين …
أصحيح أنهم إخباريون ؟؟ ..
وما معنى أصولي ؟؟؟
على هذه الأسئلة يجيب الأستاذ صالح باقر في رسالته ( نقد وإيقاظ ) فيقول بعد أن يثني على الإخباريين ويراهم فرقة ناجية من فرق الشيعة كما يرى أنهم يتميزون بذوق خاص في طرق الاستنباط والتقليد: فنحن ( أي اتباع الشيخ أحمد الإحسائي ) فرقة متشعبة من الأصوليين لا من الإخباريين أو على الأصح نحن أصوليون لا إخباريون والدليل.
أولا: علينا أن نذكر – أشارة – الفروق الأساسية بين فرقتي الإخبارية والأصولية لنرى بجانب أي الفريقين تقف ( الشيخية ) أتقف بجانب الإخباريين فتكون متشعبة منهم , أم تقف إلى جانب الأصوليين , فتكون متولدة منهم ؟؟
ثم يتحدث عن الفروق الأساسية بين القبيلين فيقول:
أ – يرى الأصوليون أن الأدلة الفقهية أربعة: الكتاب والسنة والعقل والإجماع.
أما الأدلة الفقهية عند الإخباريين فهي: الكتاب والسنة فقط
ب – الأصوليون لا يجيزون تقليد الميت إلا في حالات خاصة لا يجد فيها المقلد الفقيه الجامع لشرائط الفتوى والتقليد.
أما الإخباريون فإنهم يجيزون تقليد المجتهد الميت.
ج – يعتقد الأصوليون بكون ظواهر القرآن حجة يجب التمسك بها.
بينما لا يرى الإخباريون حجية ظواهر القرآن.
د – علماء الأصولية تعالج الشبهة الموضوعية التحريمية بدليل الإباحة وبراءة الذمة بينما الإخباريون هذا الموضوع بالحظر والتوقف أو الاحتياط.
ثم يعقب على ذلك قائلا: هذه هي الفروق الأساسية بين فرقتي: الإخبارية والأصولية , والشيخية تقف بالضبط في هذه النقاط إلى جانب الأصوليين , وتعالج المسائل الفقهية على أسسها تماماً كما يفعل علماء الأصوليون بلا أدنى فرق … نعم بلا أدنى فرق …
هذا هو الدليل الأول على كون الشيخية أصولية وليست بأخبارية.
ثانياً: الدليل الثاني هو: الكتب الفقهية والرسائل العملية التي ألفها علماء الشيخية … خذوها وانظروا إليها ونقبوا فيها فستجدون أنهم أصوليون في طرق الاستنباط بلا فرق كما قلت.
وإن شئتم أن تعرفوا بعض أسماء هذه الكتب فدونكم الجزء الثاني من ( جوامع الكلم ) للشيخ أحمد الأحسائي في جواب مسائل: ملا فتح علي خان … ودونكم الرسالة الصومية والرسالة الحيدرية للشيخ نفسه.
ودونكم الرسالة العملية ( منهاج الشيعة ) للحاج ميرزا علي الحائري … إلخ.
( من هذين الدليلين يثبت: أن الشيخية أصوليون وليست فرقة متشعبة من الإخباريين ) لا سيما وكلام السيد في كتابه دليل المتحيرين صريح وقاطع إنه يقول: ( وأما طريقنا في الاستنباط للأحكام الشرعية فهي كما اختاره الأصوليون من الكتاب والسنة والإجماع والعقل هذه الفئة التي تزعم أن الشيخية إخباريون تنطبق عليها قاعدة يهرف بما لا يعرف ).
الكاتب: محمد علي إسبر
المصدر: العلامة الجليل أحمد بن زين الدين الإحسائي في دائرة الضوء