وقفة عند معنى حديثِ جواد الأئمة:
(المُؤمن يحتاجُ إلى توفيقٌ مِن اللهِ، وواعظٌ مِن نفسِهِ، وقبولٌ مِمّن ينصَحُهُ)
:
❂ يقولُ إمامُنا الجواد “صلواتُ اللهِ عليه”:
(المُؤمن يحتاجُ إلى ثلاثِ خِصال: توفيقٌ مِن اللهِ، وواعظٌ مِن نفسِهِ، وقبولٌ مِمّن ينصَحُهُ).
〰〰〰〰〰
[توضيحات]
هذهِ الكلمة المُوجزة لإمامِنا الجواد بيّن فيها الإمام أركاناً مُهمةً في حياةِ أولياءِ أهل البيت في الجنبةِ الدينيّة وفي الجنبة الدنيويّة..
سنبدأُ الحديثَ أوّلاً عن النقطتين الثانيةُ والثالثةُ.. ثُمّ نُعرّجُ على النقطة الأولى التي ذَكَرها الإمام وهي “التوفيق”
إمامُنا الجواد جعل حاجةَ المؤمنين في هذهِ الأمور:
• الأوّل: أن يكون للمؤمن واعظٌ من نفسهِ
• والثاني: أن يكون لديهِ قبولٌ مِمّن ينصحُهُ
وهذانِ الأمران يتفرّعانِ عن التوفيق.. فالأصلُ في حاجةِ المؤمن لسلامةِ دِينهِ ولكمال إيمانِهِ هو “التوفيق”
يعني أنّ المؤمن الذي يُريدُ أن يمشي في الطريق السليم الذي يقودُهُ للفوزِ في الدُنيا والآخرة فإنّهُ يحتاجُ أوّلاً إلى التوفيق الإلهي.. هذهِ هي النقطةُ الأهم، لأنّهُ إذا ما نَزَلَ التوفيقُ الإلهيُّ على المُؤمن.. فسيكونُ لهُ حيئنذٍ واعظٌ مِن نفسه، وقَبولٌ مِمّن يَنصحُهُ ببركةِ التوفيق.. فهذان الأمران هُما ثمرةٌ مِن ثمارِ التوفيق.
فالتوفيقُ يُرافقُ الإنسانَ في كلِّ عملٍ صالح، ويُرافقُ الإنسانَ أيضاً في كلِّ امتناعٍ عن عملٍ قبيح.. أمّا غيرُ هاتين الحالتين فيأتي الخذلان وهُو ضِدٌ للتوفيق.
✦ معنى (أن يكونَ لهُ واعظٌ مِن نفسه) يعني أنّ الإنسان يتّعظُ بما يجري عليه مِن الأحداث في أُمورهِ الدنيويّة وفي أُمورِ دينهِ أيضاً.. سواء كانت هذهِ الأحداث حصلت لهُ في الرخاء أم في الشدّة، في صحّتِهِ حدثت أو في مرضه، في غناهُ أو في فقره، في أمنهِ أو في خوفهِ.. في مُختلفِ الحالاتِ التي يمرُّ بها لابُدَّ لهُ أن يتفّكرَ كثيراً ويتدبَّرَ ويتأمّلَ فيما يجري عليه حتّى يتّعظ
وكذلك لابُدَّ لهُ أن يتّعِظَ بما يصدرُ مِنهُ مِن أفعالٍ حسنة ومِن أفعالٍ قبيحة.. ويُطيلُ التفكّر فيها.. هذا معنى أن يكونَ للإنسانِ واعظٌ مِن نفسه
وهذا الأمرُ (أعني قضيّةَ اتّعاظِ الإنسانِ بما يجري عليه) هذا الأمر يتحّققُ للإنسان حينما تكونُ نيّتُهُ سليمة.. والمُراد مِن النيّة السليمة: هو أن لا يكونَ للإنسانِ هدفٌ في حياتِهِ سِوى أن يكونَ مَقبولاً عند إمام زمانِهِ ويكونَ قريباً من إمام زمانه.
لأنّه إذا كان همّهُ الأوّلُ والأخير هُو أن يتقرّبَ مِن إمامِ زمانِهِ فإنّهُ سيراقبُ أفعالَهُ دائماً ويُحاسِبُ نَفسَهُ دائماً ويَتفكّر فيما يجري عليه وفيما يَصدرُ مِنه ويسعى لِتصحيحِ أخطائهِ حتّى يكونَ مقبولاً عند إمامِهِ ويكون قريباً من إمامِهِ.. لأنّ إمام زمانِنا هُو الذي يُوصينا ويقول:
(فليعمل كُلُّ امرئٍ منكم بما يَقربُ بهِ مِن مَحبّتنا ويَتجنّب ما يُدنيهِ مِن كراهتنا وسَخَطِنا)
فصاحبُ النيّةِ السليمةِ هو الذي يُراقبُ أفعالَهُ دائماً ويتأمّلُ في أحوالهِ وأفعالهِ وتصرّفاتهِ.. هل أنّ عملَهُ هذا يُقرّبُهُ مِن مَحبّةِ إمامِهِ أم يُقرّبُهُ مِن سَخَطِ إمامِه
✦ أمّا قوله: (وقبول مِمّن ينصحهُ) فهذهِ الصِفة (أعني توفيقَ الإنسان لِقبولِ النصيحةِ مِن الناصح الصادق) هذه الصِفة هي أيضاً مِِن ثمار التوفيق.. يُمكن للإنسانِ أن ينالها إذا كانت عندهُ نيّةٌ سليمة وصادقة في التقرّب من إمامِ زمانِهِ وكذلك إذا كان عنده هدفٌ واضحٌ مُشخّص في حياتِهِ يُقرّبُهُ مِن إمامِهِ
والأمر الثالث الذي يَحتاجُه الإنسان كي يكون مُوفّقاً للقبولِ مِمّن يَنصحُهُ هو: التواضعُ للحقِّ ولأهلِ الحق والتواضعُ في طَلَبِ الحق.. تواضعٌ بكُلِّ أبعادِهِ وبكلِّ معانيه، بحيث إذا نصَحَهُ شخصٌ خبيرٌ ومُخلصٌ نَصيحةً صادقةً تَنفعُهُ في أمرِ دينهِ.. فلابُدَّ أن يتواضعَ ويقبلَها منهُ حتّى لو كانت هذه النصيحة الصادقة مُرّةٌ ومؤلمة وتُخالف مِزاج هذا الإنسان وهواه، وحتّى لو صدرتْ هذهِ النصيحة مِمّن هو أصغرُ مِنه
فحينما يقبلُ الإنسانُ نصيحةَ الناصحِ الخبير الصادق.. فإنّ هذهِ النصيحة سيكونُ لها أثر في ترشيدِ طريقِ الإنسان، فيعرف بهذهِ النصيحة أين يضعُ أقدامَهُ لِتكونَ في الموضع الصحيح
فإنّ مَدار كُلِّ هذهِ الأمور التي ذُكِرتْ في الحديث بما فيها التوفيق.. مدارُها هو سلامةُ الطريق.. فكُلّها تَدورُ في مدارِ ساحلِ النجاةِ الذي يُوصِلُ الإنسانَ إلى العاقبةِ المحمودة
✸ أمّا بخُصوص المُفردة الأولى وهي “التوفيق”
فالمراد مِن التوفيق في الّلغة: هو الوصولُ إلى المُراد.. أمّا في رواياتِ أهلِ البيت فالمرادُ مِن التوفيق: هو المعونة، كما نقرأ في سُورة الحمد (إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين) فالعبادةُ مِن دُون المعونة الإلهيّة لا يمكنُ أن تتحقّق.. وإلى هذا يُشيرُ إمامُنا الكاظم في الرواية التالية
حين سألهُ أحدُ أصحابهِ:
(أليس أنا مُستطيعٌ لِمّا كُلّفت؟ قال لهُ الإمام: ما الاستطاعةُ عندك؟ فقال الرجل: القوّةُ على العمل. قال لهُ الإمام: قد أُعطيتَ القوّةَ إنْ أُعطيتَ المعونة.
فقال الرجل: فما المعونة؟ قال الإمام: التوفيق.
قال الرجل: فَلِمَ أُعطَ التوفيق؟ – يعني إذا كان الباري أعطاني القوّة فلِمَا إعطاءُ التوفيق؟-
قال الإمام: لو كنتَ مُوّفقاً كُنتَ عاملاً.. وقد يكونُ الكافرُ أقوى مِنك ولا يُعطى التوفيق فلا يكونُ عاملاً. ثمّ قال لهُ الإمام: أخبرني عنك، مَن خلق فيك القوّة؟ قال الرجل: اللهُ تباركَ وتعالى. فقال له الإمام: فهل تستطيعُ بتلك القوّة دفعَ الضررِ عن نفسكَ وأخذ النفعِ إليها بغيرِ العونِ مِن اللهِ تبارك وتعالى؟ قال الرجل: لا. فقال الإمام: فلِمَ تنتحلُ ما لا تقدر عليه؟ ثمّ قال له: أين أنت عن قولِ العبد الصالح – شعيب النبيّ -: {وما توفيقي إلّا بالله})
[فقه الرضا]
أيضاً هناك رواية أُخرى تحمل نفس المضمون في بيان معنى التوفيق.. وهي عن إمامِنا الباقر.. يقولُ فيها حين سُئلَ عن معنى قول: (لا حول ولا قوّة إلّا باللهِ) قال:
(معناهُ لا حول لنا عن معصيةِ اللهِ إلّا بعونِ الله، ولا قوّة لنا على طاعةِ اللهِ إلّا بتوفيقِ اللهِ عزّ وجلّ).
مِن خلال هذهِ الروايات يتبيّنُ لنا أنّ معنى التوفيق هو الإعانةُ والّلطف مِن قِبَلِهِ تعالى، وهذهِ الإعانةُ إنّما تَصِلُ إلينا مِن خلالِ وجهِ اللهِ وبابهِ الذي مِنهُ يُؤتى وهو إمامِ زمانِنا
وكما أشرنا أنّ هذا التوفيق لهُ صُور.. فإمّا أن يَتجلّى بتوفيقِ الإنسانِ للعمل الصالح.. أو يَتجلّى بمنعِ الإنسان مِن العملِ الفاسد كما بيّنت رواية إمامِنا الباقر
فالإنسانُ مِن دُونِ التوفيق لا يَتمكّنُ أن يُحقِّقَ نَجاحاً في أيِّ جانبٍ مِن جوانبِ حياتِهِ العمليّة (الدينيّة والدنيوية) حتّى في الجانب العقائدي، بل وحتّى في نيّةِ الإنسان
فالنيّة الصالحةُ أيضاً تحتاجُ إلى توفيق، كما تُشيرُ إلى ذلك جملة كثيرة مِن كلماتِ أهل البيت ورواياتِهم، حيثُ عبّرتْ كلماتُهم الشريفة عن التوفيق بمعاني عديدة.. مِنها:
(أنّ التوفيق عناية، والتوفيق رحمة، وهو جذبةٌ مِن جذباتِ الربّ، وهو نفحةٌ تُقرّبُ العبدَ إلى ربّه، وأنّ التوفيق هو أوّلُ النعمة..) ومعاني أُخرى كثيرة وردت في الروايات
وكُلُّ هذهِ المعاني وغيرها تجتمعُ في هذهِ الرواية لِسيّدِ الأوصياء التي يقول فيها:
(كما أنَّ الجسمَ والظِلَّ لا يفترقان، كذلك التوفيقُ والدينُ لا يفترقان)
هذهِ الروايةُ جامعةٌ لِكلِّ المعاني التي ذُكرتْ للتوفيق.. فالأميرُ يقول فيها: أنّهُ كما أنّ الجسم في جميع حالاتِهِ لا يفترقُ عن الظِلّ.. فكذلك التوفيقُ لابُدّ أن يكونَ مُرافقاً للدين كمُرافقة الظِلّ للجسم.. وإلّا فإنَّ الإنسانَ الذي لا ينالُ التوفيق لن ينالُ حظّاً مِن الدين، وأصلُ سلامةِ دين الإنسان في التوفيق
فالمؤمنُ حتّى يَسلمَ دِينُهُ يَحتاجُ إلى سلامةِ الطريقِ والمسلكِ الذي يسيرُ فيه، ويحتاجُ أيضاً إلى تَحصيل العقيدةِ السليمة الواضحة، ويَحتاجُ إلى الإرتباطِ الصادق المُخلص مع إمام زمانِهِ والذي يكون سبباً لنيلِ العاقبة الحسنة
وكُلُّ هذهِ المعاني هي آثار للتوفيق الإلهي الذي لا ينالهُ الإنسان إلّا مِن إمامِ زمانِهِ.. لأنّ الإمام هو وجه الله، ولأنّ حقيقةَ التوفيقِ في ثقافة العترة هي الولاية، كما يُشير إلى ذلك سيّد الأوصياء حين يقول: (التوفيقُ أوّلُ النعمة)
فنحنُ نعلم أنّ أوّلَ النعمةِ وأعظمَ النعمةِ هي ولايةُ أهل البيت.. فمِن هُنا يتّضحُ أنّ المُرادَ مِن حقيقةِ التوفيق هي ولايةُ أهل البيت، وآثارُ التوفيقِ في حياةِ الإنسان لا تَتحقّق إلّا بالتوجّهِ لأهل البيت.. كما نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (مَن أتاكم نجا ومَن لم يأتِكم هَلَك) فهذهِ العبارةُ تُشير إلى آثارِ التوفيقِ في سلامةِ مَسلكِ الإنسان وفي نجاتِهِ التي لا تتحقّق إلّا مِن طريقهم “صلواتُ الله عليهم”
أيضاً حين تقولُ الزيارة: (سَعَدَ مَن والاكم وهَلَكَ مَن عاداكم وخاب مَن جَحَدكم وضلّ مَن فارقكم وفاز مَن تمسّكَ بكم وأمِنَ مَن لجأ إليكُم وسَلِمَ مَن صدّقكم وهُدِيَ مَن اعتَصَمَ بِكُم. مَنِ اتّبعكم فالجنّةُ مأواهُ ومَن خالفكم فالنار مثواهُ، ومَن جَحَدكم كافر ومَن حاربكم مُشرك ومَن ردّ عليكُم في أسفلِ دَرَكٍ مِن الجحيم..)
كُلُّ هذهِ العبارات هي آثارٌ للتوفيق، وتُشيرُ بوضوحٍ إلى أنّ التوفيق في جانب أهلِ البيت.. فهذهِ معاني التوفيق في أزهى حُلَلِها وفي أوضحِ مَراتبها.. وأمّا في جانبِ غيرهم فلا يُوجد إلّا الخذلان
وأمّا كيف ينالُ الإنسان هذهِ المعاني والآثار للتوفيق؟
فالجواب: أنّ ذلك يحصلُ للإنسان بطولُ المكوثِ على أبواب أهل البيت “صلواتُ الله عليهم”.. فمَن لَجَّ وَلَج.. كما يقولُ نبيّنا الأعظم
أي مَن لجَّ في التوسّل والمُناجاةِ وألحّ في طَلَبِ الحاجة مِن أهل البيت فإنّهُ ينالُها.. فقد وَرَدَ في الروايات أنّ اللهَ تعالى يُحبُّ السائلَ الّلحوح – أي المُلحُّ في دعائه – وأفضلُ حاجةٍ يطلِبُها الإنسانُ هي نيلُ التوفيقِ مِن إمامِ زمانِهِ