وقفة عند لوحةِ ميلادِ الحُسينِ الحزينةِ في القرآن،

وقفة عند لوحةِ ميلادِ الحُسينِ الحزينةِ في القرآن،
وبيانُ جانبٍ مِن الرعايةِ الإلهيّةِ الخاصّةِ للحسين بعد ولادتِهِ
:
❂ يقولُ إمامُنا الصادقُ “صلواتُ اللهِ عليه”:
(إنّ جبرئيل نزل على مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآلِهِ” فقال له: يا محمّد، إنّ اللهَ يُبشّرُك بمولودٍ يُولَدُ مِن فاطِمة تقتلُهُ أُمّتُك مِن بعدك،
فقال النبي: يا جبرئيل وعلى ربّي السلام، لا حاجةَ لي في مولودٍ يُولَدُ مِن فاطِمةَ تقتلُهُ أُمّتي مِن بعدي،
فعرج -جبرئيل – ثمّ هبط فقال له مِثل ذلك،
فقال النبي: يا جبرئيل وعلى ربّي السلام، لا حاجةَ لي في مولودٍ تقتلُهُ أُمّتي مِن بعدي.. فعرج جبرئيلُ إلى السماء ثُمّ هبط فقال: يا محمّد إنّ ربّك يُقرِئُك السلامَ ويُبشّرُك بأنّه جاعلٌ في ذُرّيتِهِ الإمامةَ والولايةَ والوصيّة،
فقال النبي: قد رضيت،
ثمّ أرسل إلى فاطِمةَ أنّ اللهَ يُبشّرُني بمولودٍ يُولَدُ لكِ تقتلُهُ أُمّتي مِن بعدي.. فأرسلت إليه: لا حاجةَ لي في مولودٍ مِنّي تقتلُهُ أُمّتُك مِن بعدك،
فأرسل إليها: أنّ اللهَ قد جعل في ذرّيتِهِ الإمامةَ والولايةَ والوصيّة، فأرسلت إليه: أنّي قد رضِيت،
{فحملتهُ أُمّهُ كُرهاً ووضعتهُ كُرهاً وحمْلُهُ وفِصالُهُ ثلاثون شهراً حتّى إذا بلغ أشُدّه‌ُ وبلغ أربعين سنةً قال ربِّ أوزعني‌ أن أشكُرَ نعمتَك الّتي أنعمتَ عليَّ وعلى‌ والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه‌ُ وأصلح لي في ذُرّيتي‌}
فلولا أنّه قال‌ أصلح لي في ذُرّيتي لكانت ذُريّتُهُ كُلّهم أئمة،
ولم يرضع الحسينُ مِن فاطِمة ولا مِن أنثى.. كان يُؤتى به النبيَّ فيضعُ إبهامَهُ في فيه فيمصُّ مِنها ما يكفيها اليومين والثلاث،
فنبتَ لحمُ الحسينِ مِن لحمِ رسولِ اللهِ ودمِهِ، ولم يُولَد لستّةِ أشهُرٍ إلّا عيسى ابنُ مريم والحسينَ بن علي)
[الكافي: ج1]
〰️〰️〰️〰️〰️〰️
سلامٌ على حُسينٍ يشعُّ فَرَحاً في بيتِ عليٍّ وفاطِمة،
ويالَهُ مِن فَرَحٍ تُلوِّنُهُ الدموعُ وترسِمُ ملامِحَهُ أصواتُ السنابكِ عند الخيام!

[توضيحات]
هذه الآيةُ التي ذكرها إمامُنا الصادق: {فحملتهُ أُمّهُ كُرهاً..} نزلت في الحسينِ وليست عامّةً في كُلِّ مولودٍ يُولَد،
لأنّ الآيةَ تقول: {وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثلاثونَ شهراً}
معنى فِصالُه: يعني فِطامُهُ مِن الرضاع

فالآية تتحدّثُ عن مولودٍ هذه صِفاتُهُ:
• أنّ أُمّهُ حملتهُ كُرهاً ووضعتهُ كُرها،
• ومُدّةُ حملِهِ ورضاعِهِ معاً ثلاثون شهراً،
ونحنُ نعلم أنّ مُدّةَ رضاعِ الطفلِ التي قرّرها دينُ أهلِ البيت: حولينِ كاملين، كما يقولُ القرآن: {والوالداتُ يُرضِعنَ أولادهُنَّ حولينَ كاملين}
والحَولان الكاملان أربعةٌ وعشرونَ شهراً،
فيكونُ المُتبقّي مِن الثلاثينَ شهراً للحملِ والرضاع: سِتّةَ أشهر (وهي مُدّةُ الحمل)

فهل كلُّ مولودٍ يُولَدُ يكونُ حمْلُهُ سِتّةَ أشهُر؟!
قطعاً لا، فالآيةُ حين قالت: {وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثلاثون شهراً} إنّها تُشيرُ إلى مولودٍ مُعيّن يكونُ حملُهُ ستّةَ أشهُر، وهو سيّدُ الشهداء،
فقد كانت مُدّةُ حملِ الحسين سِتّةَ أشهر، كما يقولُ إمامُنا الصادق:
(حملُ الحسينِ سِتّةُ أشهر، وأُرضِعَ سنتين، وهو قولُ اللهِ عزّ وجلّ: {ووصيّنا الإنسانَ بوالديهِ إحساناً حملتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووضعتْهُ كُرْهاً وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثلاثُون شهراً)
[آمالي الطوسي]

ويُؤكّدُ هذا المعنى إمامُ زمانِنا في تفسيرِهِ لقولِهِ تعالى: {كهيعص} إذ يقولُ في نهايةِ الحديث:
(وكان حمْلُ يحيى سِتّةَ أشهر، وحَمْلُ الحسين سِتّةَ أشهُر.. وذُبِحَ يحيى كما ذُبِحَ الحسين، ولم تبكِ السماءُ والأرضُ إلّا عليهما)
[المناقب]

أضف أنّ الآيةَ تقول: {حتّى إذا بلغ أشُدَّهُ وبلغ أربعينَ سنةً قال ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتَك الّتي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاهُ وأصلح لي في ذُريتي}
فهل كُلُّ مولودٍ يدعو بهذا الدعاء إذا بلغ الأربعين؟!
قطعاً لا.. فهذه الآيةُ تتحدّثُ عن مولودٍ مُعيّن وهو الحسين

✦ قولُ الآية: {حملتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووضعتْهُ كُرْهاً} هذا المعنى بيّنهُ إمامُنا الصادقُ في روايةٍ أُخرى، يقول فيها:
(فلمّا حملت فاطِمةُ بالحُسينِ كرِهت حَمْلَه)
المراد مِن أنّها كرهت حملَه: أي أنّها حملت به حُزناً، لأنّها كانت تكرهُ الّذي سيجري على هذا الوليد،
وإلّا لا تُوجد أُمٌّ تحمِلُ وليدَها وهي تكرهُ حملَها،
وأحاديثُ العترةِ تُخبِرُنا أنّ الصدّيقةَ الكُبرى كان يصيبُها السكونُ والحزنُ أيّامَ حملِها بسيّدِ الشُهداء،
فحملُها بالحُسينِ أحزنَها وأوجع قلبَها، لأنّها عَلِمت بما يجري عليه وعلمت أنّه يُذبَحُ مظلوماً عطشاناً!

✦ قولُهُ: (ولم يرضع الحسينُ مِن فاطِمة) هذا في مقطعٍ زمانيٍّ مُعيّن، وليس بشكلٍ مُطلق،
في مقطعٍ زمانيٍّ مُعيّن لم يرضع سيّدُ الشُهداء مِن أُمّهِ الزهراء وإنّما كان يرضعُ مِن إبهامِ جدّهِ المُصطفى كما يقولُ إمامُنا الصادق،
لأنّ الرضاعَ هنا هو رضاعُ فيضٍ وليس رضاعاً عاديّاً.. يعني مِثل رضاعِ رسولِ اللهِ مِن كافلِهِ أبي طالب،
هذا رضاعُ الفيضِ للحسين مِن يمينِ جدّه المُصطفى.. وهو جزءٌ مِن برنامجِ الرعايةِ الإلهيّةِ الخاصّةِ لسيّدِ الشهداء بعد ولادتِهِ،

فمِن رضاع الفيضِ المُحمّدي هذا نبت لحمُ الحُسينِ مِن لحمِ رسولِ اللهِ ومِن دمِهِ،
يعني أنّ لحمَ الحُسينِ هو بعينِهِ لحمُ رسولِ الله، ودمُ الحسينِ هو بعينِهِ دمُ رسولِ الله، كما يقولُ رسولُ اللهِ في حديثِ الكساء وهو يتحدّثُ عن أهلِ بيتِهِ الأطهار:
(الّلهُمّ إنّ هؤلاء أهلُ بيتي وخاصّتي وحامّتي لحمُهُم لحمي ودمُهُم دمي)
هُنا مَصنعُ دماءِ المعصومين الطاهرةِ المُطهَّرة.. لا كما يقولُ جُملةٌ مِن أصحابِ العمائمِ بأنّ دماءَ المعصومين نجسةٌ كدمائنا والعياذُ بالله!
بل إنّ فيهم مَن وصلت به السفاهةُ أن يقول بأنّه حتّى الحسينُ -الّذي هو سيّدُ الشهداء على الإطلاق – دمهُ نجسٌ والعياذ بالله!

ثُمّ إنّ نفسَ هذا المضمون الواردِ في الروايةِ بخُصوص رضاعِ الفيضِ المحمّدي للحسين.. تُؤكّدهُ زيارةُ سيّدِ الشهداء في يومِ عرفة، حين تقول:
(غَذّتْك يدُ الرحمة، ورَضعتَ مِن ثدي الإِيمان، ورُبِّيتَ في حِجْرِ الإِسلام)
المُراد مِن يد الرحمة: هي يمينُ محمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”
وثديُ الإيمان: هو رضاعُهُ مِن أُمّهِ الصدّيقةِ الكبرى،
وقولِهِ: (ورُبّيتَ في حِجرِ الإسلام) إنّه حِجرُ أميرُ المُؤمنين، فالإسلامُ مضمونُهُ الحقيقيُّ ولايةُ عليٍّ كما جاء في آيةِ بيعةِ الغدير: {وإِن لم تفعل -أي إن لم تُبَلِّغ ما يرتبطُ ببيعة الغدير – فما بلّغتَ رِسالتَه}
يعني ليس هناك مِن إسلامٍ مُطلقاً، وذيلُ الآيةِ يُؤكّدُ ذلك حيثُ يقول: {واللهُ لا يهدي القومَ الكافرين} فقد وصفت الآيةُ الّذي لا يعتقدُ بولايةِ عليٍّ بأنّه كافر،
فالتعريفُ الحقيقيُّ الكاملُ للإسلام هو ولايةُ عليٍّ،
وبتعبيرٍ دقيقٍ؛ الإسلامُ هو التسليمُ لعليٍّ.
وفي زمانِنا هذا ونحنُ في زمانِ الغَيبةِ الطويلةِ الثانية، الإسلامُ؛ هو التسليمُ لإمامِ زمانِنا

فكما ترون.. القرآنُ وأحاديثُ العترةِ الطاهرة وزياراتُهُم الشريفة كُلّها تصبُّ في مَجرىً واحد، تعضدُ بعضُها بعضاً،
فالّذي تُسوّلُ له نفسُهُ أن يُشكّك في أحاديثِ العترِة الطاهرة.. تأتي مضامين الزيارات وأدعيةُ أهلِ البيتِ الشريفةِ فتصفعُهُ على وجهِهِ

✦ هناك مَن يعترض أيضاً ويقول: أنّه لا يُمكنُ إنجابُ طِفل لستّةِ أشهر!
ونقول:
ما قيمةُ هذا الاعتراض إذا كان القرآنُ بنفسِهِ يُقرّر هذه الحقيقة؟
وكذلك أحاديثُ العترةِ أيضاً تُؤكّد هذه الحقيقةَ، كما في الرواية التالية التي يردُّ فيها سيّدُ الأوصياء على هذا الاعتراض،
تقولُ الرواية:
(كان رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ مع عُمر بن الخطّاب، فأرسلهُ -عمر- في جيشٍ، فغاب ستّةَ أشهُر، ثمّ قدِمَ وكان مع أهلِهِ -أي زوجتِهِ- ستّةَ أشهُر،
فعلقت مِنه -أي حملت مِنه- فجاءت بولدٍ لستّةِ أشهُرٍ فأنكرَهُ – يعني أنكر الرجلُ ولدَهُ لأنّه ابنُ ستّةِ أشهر.. لأنّ الذي في ذهنِهِ أنّ حملَ المرأةِ يكونُ دائماً تسعةَ أشهر-
فجاء -الرجل- بها إلى عُمر، وقال: يا أمير المُؤمنين..كُنتُ في البعثِ الّذي وجّهتني فيه، وتعلَمُ أنّي قدِمتُ مُنذُ ستّةِ أشهُر، وكُنتُ مع أهلي، وقد جاءت بغلامٍ وهو ذا، وتزعمُ أنّه منّي!
فقال لها عُمر:
ما تقُولين أيتُها المرأة؟ فقالت: واللهِ ما غشيني رجلٌ غيرهُ، وما فجرتُ، وإنّه لابنُهُ.
وكان اسمُ الرجلِ الهيثم،
فقال لها عُمر: أحقٌّ ما يقولُ زوجكِ؟
قالت: صدق يا أمير المؤمنين -يعني صدق بأنّي أنجبتُ طِفلاً لستّةِ أشهر-
فأمر بها عُمر أن تُرجَم، فحفر لها حفيرةً ثمّ أدخلها فيها،
فبلغ ذلك أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ فجاء مُسرعاً، حتّى أدركها وأخذ بيدِها، فسلّها -أي أخرجها- مِن الحفيرة، ثمّ قال لعُمر:
«أربع على نفسك -أي ارفق بنفسك وكُف وتمهّل ولا تعجل- إنّها قد صدقت، إنّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ في كتابِه: {وحمْلُهُ وفِصالُهُ ثلاثونَ شهراً}
وقال في الرضاع: {والوالداتُ يُرضِعنَ أولادهُنَّ حولينِ كاملين} فالحملُ والرضاعُ ثلاثونَ شهراً، وهذا الحسينُ وُلِدَ لستّةِ أشهُر» فعندها قال عُمر: لولا عليٌ لهلك عُمر)
[تأويل الآيات]

أميرُ المؤمنين أراد أن يقول: إذا كُنتَ ترى إستحالةَ أن تُنجِبَ المرأةُ طِفلاً ابنَ سِتّةِ أشهر، فالقرآنُ يُبطِلُ اعتقادَك هذا.. وجاء الإمامُ بالآيةِ الدالّةِ على إمكانيّةِ إنجابِ طِفلٍ حَمْلُهُ ستّةُ أشهُر،
ثمّ جاء الأميرُ بالحُسين مِثالاً واقعيّاً على ذلك،
فالآيةُ نزلت في الحسين،
وهي تدلُّ أيضاً على إمكانيّةِ ولادةِ طِفلٍ حمْلُهُ سِتّةُ أشهر، وليس ذلك مُستحيلاً
:
#الثقافة_الزهرائية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading