وقفة عند الرسالتين الّلتين وصلتا إلى الشيخ المُفيد في السنواتِ الأخيرةِ مِن حياتهِ من الناحية المُقدّسة (من إمام زماننا صلواتُ الله عليه).
● الرسالةُ الأولى وصلتْ إلى الشيخ المفيد في أواخر العشرة الثالثة في شهر صفر، سنة 410 هـ.. والشيخ المُفيد توفي في بغداد في شهر رمضان عام 413 هـ
وأمّا الرسالةُ الثانية فقد كُتِبتْ بتأريخ 1 شوّال سنة 412 ه ولكنّها وصلتْ للشيخ المُفيد في 23 ذي الحجّة سنة 412هـ (وقطعاً هذا جُزء مِن البرنامج أن تُكتب في تأريخ ولكنّها تصِلُ مُتأخّرةً بعض الشيء). فكلا الرسالتين وصلتا إلى الشيخ المُفيد في أواخر أيّام حياته وفي أواخر مرجعيّتهِ.
● هناك من يقول أنّ الرسائل التي وصلتْ إلى الشيخ المُفيد ثلاث رسائل، ولكنّ الرسالة الثالثة لا وجود لها بين أيدينا.. ما بين أيدينا فقط رسالتان، والمصدرُ الأصل القديم بين أيدينا لهاتين الرسالتين هو كتاب [الاحتجاج] للشيخ الطبرسي.
علماً أنّ الغايةُ مِن إيراد هاتين الرسالتين هي أنّي أُريد أن أقول: أنّ إمام زماننا في ضِمن المنظومةِ الفائقة يتواصلُ مع الذين يستحقّون أن يتواصل معهم، مِثلما تواصل مع الشيخ المُفيد، ولم يتواصل مع أحدٍ غيرهِ بعد الشيخ المُفيد، فنحنُ لا نملكُ دليلاً على أنَّ الإمام تواصل مع أحدٍ بعد الشيخ المُفيد.. وأنا هنا لا أنفي ذلك، ولكن إذا أراد أحدٌ أن يدّعي ذلك فعليهِ أن يُثبِتَ لنا هذا الأمر.
مِن خلال هاتين الرسالتين يتبيّن أنَّ إمام زماننا يتدخّل بشكلٍ مُباشر في الشأن الشيعي وفي الشأن غير الشيعي، وإنّهُ يُبلّغ الشيخ المُفيد بهذِه المُجريات والمضامين الموجودة في الرسالتين.
● جاء في نصّ الرسالة الأولى:
(للأخ السديد، والولي الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان أدامَ اللهُ إعزازه، مِن مُستودع العهد المأخوذ على العباد – وهو إمام زماننا -.بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد:
سلامٌ عليكَ أيّها الوليُّ المُخلِصُ في الدين، المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمدُ إليكَ الله الذي لا إله إلّا هو، ونسألهُ الصلاة على سيّدنا ومولانا ونبيّنا مُحمّد وآله الطاهرين، ونُعلمكَ – أدامَ اللهُ توفيقكَ لنُصرة الحق، وأجزلَ مثوبتكَ على نُطقكَ عنّا بالصدق – أنّهُ قد أُذِن لنا في تشريفكَ بالمكاتبة، وتكليفكَ ما تُؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك، أعزّهم اللهُ بطاعته وكفاهم المُهم برعايتهِ لهم وحراسته، فقِف أيّدك اللهُ بعونهِ على أعدائهِ المارقين مِن دينهِ على ما نذكرهُ، واعملُ في تأديتهِ إلى مَن تسكن إليه بما نرسمهُ إن شاء الله – هذا هو تدخّل مُباشر مِن الإمام الحجّة -.
نحنُ وإنْ كُنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حَسْب الذي أراناهُ الله تعالى لنا مِن الصلاح ولشيعتنا المُؤمنين في ذلك ما دامتْ دولةُ الدُنيا للفاسقين، فإنّا نُحيطُ علماً بأنبائكم، ولا يعزبُ – لا يغيب – عنّا شيءٌ مِن أخباركم، ومعرفتنا بالذُلّ الذي أصابكم، مُذ جنحَ كثيرٌ منكم – أي مالوا – إلى ما كان السَلَفُ الصالحُ عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراءَ ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
إنّا غيرُ مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم الّلأواء – أي الشدّة الشديدة – واصطلمكم الأعداء – أي قطعوكم من الجذور – فاتّقوا الله جلَّ جلاله وظاهرونا – أي ناصرونا – على انتياشكم مِن فتنة قد أنافت عليكم ، يهلكُ فيها مَن حمَّ أجلهُ – أي مَن قُدّر لهُ أن يهلك فيها – ويُحمى عنها مَن أدرك أملهُ، وهي أمارةٌ لأزوف حركتنا، ومباثتكم بأمرنا ونهينا، واللهُ متِمُّ نُوره ولو كرهَ المُشركون.
اعتصموا بالتقيّة مِن شبّ نار الجاهلية، يُحشّشها عُصَبٌ أمويّة، تهول بها فرقةٌ مهديّة، أنا زعيمٌ بنجاة مَن لم يرمْ فيها المواطن الخفيّة – غير الواضحة – وسلَكَ في الطعن منها السُبُل المرضيّة، إذا حلّ جمادى الأوّل مِن سنتكم هذهِ فاعتبروا بما يحدثُ فيها، واستيقظوا مِن رقدتكم لِما يكون مِن الذي يليه.
ستظهرُ لكم مِن السماء آيةٌ جليّة، ومِن الأرض مثلها بالسويّة، ويحدثُ في أرض المشرق ما يُحزن ويُقلق، ويغلب من بعدُ على العراق طوائف عن الإسلام مُرّاق، تضيقُ بسُوء فعالهم على أهلهِ الأرزاق، ثُمَّ تتفرّجُ الغُمّة مِن بعدهِ ببوار طاغوتٍ مِن الأشرار، ثُمَّ يُسرُّ بهلاكه المُتّقون الأخيار، ويتّفقُ لمريدي الحجّ مِن الآفاق ما يأملونهُ على توفير غَلَبةٍ منهم واتّفاق، ولنا في تيسير حجّهم على الاختيار منهم والوفاق شأنٌ يظهرُ على نظامٍ واتّساق.
فليعمل كلُّ امرئٍ منكم بما يقربُ به مِن محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه مِن كراهتنا وسَخَطنا، فإنَّ أمرنا بغتةً فُجاءةً حين لا تنفعهُ توبة ولا يُنجيه مِن عقابنا نَدَمٌ على حوبة – وهي آثار الذنوب والمعاصي – والله يُلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته).
● قوله: (مِن مُستودع العهد المأخوذ على العباد) الإمام حين وضع هذهِ العبارة لأنّهُ يُريد أن يُشير إلى حال مراجع الشيعة مِن أنّهم نبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظُهورهم، يعني ليس بينهم وبين إمام زمانهم مِن عهد.. وإلّا كان بإمكان الإمام أن يقول: “مِن الحجّة بن الحسن”.. ولكن هذهِ براعةُ استهلال عند الحُكماء والبُلغاء والأدباء والفُصحاء.. فالبليغ حِين يتحدّث وحين يكتب فإنَّ براعة استهلالهِ تتجلّى في أوّل كلامه، والمُراد مِن براعةِ الاستهلال هي أنّهُ يُبيّن أهمَّ مقاصدهِ في أوائلِ عبارته.. هذهِ هي براعةُ الاستهلال.
● قولهِ: (وأجزلَ مثوبتكَ على نُطقكَ عنّا بالصدق) هذا تصريحٌ مِن أنَّ الإمام الحجّة لو وجدَ ناطقاً ينطقُ عنهُ بِصدق لنَصَبهُ ناطقاً مِثلما يقول عن الشيخ المُفيد.. ولكن مَن هذا الذي ينطقُ عن الحجّة بن الحسن بِصدق بعد أن نَبَذ مراجعُ الشيعةِ العهد المأخوذ عليهم وراء ظُهورهم..؟!
● هناك منهجان:
— المنهج (1): منهجُ السَلَف الصالح الذي يتحدّث عنهُ إمامُ زماننا، وهو منهجُ الذين تمسّكوا بالعهد المأخوذِ عليهم.. وهذا العهد المأخوذ عليهم هو عهدُ بيعة الغدير، وعهدُ بيعةُ الغدير شرائطهُ واضحة وهي أنّ تفسير القرآن لا يُؤخذ إلّا مِن عليّ، وقواعدُ الفَهْم لا تُؤخذ إلّا مِن عليّ.. هذا هو منهجُ السَلَف الصالح وهُم القِلّة القليلة الذين تمسّكوا بعهد بيعة الغدير.. وهُؤلاء القلّة القليلةُ هُم الذين يُمثّلون (المنهج القُمّي).
فالمنهجُ القُمّي هو المنهجُ الذي كان عليه السَلَفُ الصالح.. وأنا لا أتحدّثُ هُنا عن الحوزة، فإنَّ مناهج الدراسة والتفسير والاستنباط هي هي في النجف وفي قُم، فأنا لا أتحدّث عن الحوزة، وإنّما سأُحدّثكم عن هذا المنهج ربّما في حلقةِ يوم غد.. علماً أنّ هذا المنهج القُمّي ليس وليد اليوم، هذا منهجٌ يعودُ بنا إلى سالف الأيّام.. إلى أيّام الغَيبة الصُغرى.
— المنهج (2): منهجٌ جديد، وهو منهجٌ تَبِعَهُ مراجعُ الشيعةِ في عصْر صُدور هذهِ الرسالة (في بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى) ويتحدّث الإمام ليس عن نفس السنة التي وصلتْ فيها هذهِ الرسالة، وإنّما يتحدّثُ عن زمانٍ سابقٍ لِهذهِ الرسالة. هذا المنهج الثاني هو منهجُ الكثير مِن مراجع الشيعة الذين نقضوا بيعة الغدير.. ولازال مراجعُ الشيعة ينقضونَ البيعة إلى هذهِ الّلحظة (إن كان في تفاسيرهم أو كُتُبهم العقائديّة أو في رسائلهم العَمَلية) فهم يفُسّرون القرآن وفقاً للمنهج العُمَري، ويُفتون في رسائلهم العَمَليّة وفقاً للمنهج الشافعي، وعقائدهم وفقاً للمنهج الأشعري والمُعتزلي، فمنظومةُ أصول الدين الخمسة جاءُوا بها مِن الأشاعرة والمُعتزلة.. وهذا الأمْر بدأ مِن أوائل عصر الغَيبة الكُبرى
— إذا أردنا أن نقوم بعمليّة مُراجعةٍ دقيقةٍ لِمراجع الشيعة مُنذ بدايات الغَيبة الكُبرى سنجد أنَّ أكثرَهم قد نقضوا بيعة الغدير.. وهذا الأمرُ يبدو واضحاً حتّى عند الشيخ المُفيد في كُتُبه التي كتبها في اوائل حياتهِ، ولكن مِن خلال هذهِ الرسائل يبدو أنَّ الشيخ المُفيد قد تغيّرتْ أحوالهُ بالكامل، ولهذا يُخاطِبهُ الإمام الحجّة بهذه الخِطابات العظيمةِ جدّاً.
— قولهِ: (وظاهرونا على انتياشكم – أي إلتقاطكم – مِن فتنة قد أنافت عليكم – أي أطلّت عليكم -) الإمامُ يطلبُ المُناصرة مِن الشيعة، هذا تدخّل مِن الإمام بشكلٍ مُباشر.
الرسالةُ تشتملُ على حقيقةٍ واضحة وهي أنَّ الإمام الحجّة يُواصِلُ عَمَلهُ وحركتهُ ونشاطهُ وفِعله.. إذا خفي علينا ذلك الآن فلأنّنا لسنا أهلاً لذلك، وإذا كان قد ترك المراجع لأنفسهم فلأنّهم قد نبذوا العهد المأخوذ عليهم.. وأدلُّ دليلٍ على أنَّ الإمام قد ترك المراجع لأنفُسهم هو الفشلُ الذي يعيشون فيه، والعَجزُ حتّى عن أن يُدلي أحدهم بِحديثٍ فصيحٍ يُعجِبُ جُمهورهم حتّى لِمُدّةِ نصف ساعة.. أيُّ فشلٍ أقبحُ من هذا الفشل..؟!
— قولهِ: (وهي أمارةٌ لأزوف حركتنا) أي علامةٌ لِبداية حركتنا.. والإمام هُنا لا يتحدّث عن ظُهوره الشريف، إنّه يتحدّث عن نشاطٍ مُعيّن يتناسبُ مع ذلك المقطع الزماني.. وقوله: (ومباثتكم بأمرنا ونهينا) أي أنّني سأُوصِل لكم ما أُريد وما لا أُريد.
— قولهِ: (اعتصموا بالتقيّة مِن شبّ نار الجاهلية) أي أنّكم الآن بحاجة إلى تقيّة لأنّ هناك مَن يُريد أن يقوم بأمرٍ سيُسبّب فتنةً عظيمةً للناس ولكم، وقوله: (يُحشّشها عُصَبٌ أمويّة) يعني هُناك مجموعاتٌ أمويّةُ المنهج وأمويّةُ المذاق يُريدون أن يُؤجّجوا ناراً عليكم، فلا تُخدعوا..!
وقوله: (تهولُ بها فرقة مهديّة) يعني أنَّ هناك مِن الشيعة مَن سيتحيّرون بهذه الفتنة، ولكنّهم إذا التزموا التقيّة وتمسّكوا بهذا المُخطّط وهذا البرنامج الذي رسمه الإمام فإنّ النجاة ستكونُ مِن نصيبهم.
— قولهِ: (أنا زعيمٌ بنجاة مَن لم يرمْ فيها المواطن الخفيّة، وسلَكَ في الطعن منها السُبُل المرضيّة) يقول: أنا أقول لكم أنّ الذي لا يذهبُ في الجهات وفي الأماكن وفي الاتّجاهاتِ غير الواضحة فإنّهُ سينجو.
— حين سأل سائل عن معنى هذهِ العبارة: (فليعمل كلُّ امرئٍ منكم بما يقربُ به مِن محبّتنا…) كان الجواب في الحلقات (الأولى والثانية والثالثة) من هذا البرنامج، فلا أُعيد الكلام المُتقدّم.. فمَن كان يُهمّه الأمر فليُراجع هذه الحلقات.
— هذهِ الرسالة الأولى كتبها إمامُ زماننا بخطّ يدهِ إلى الشيخ المُفيد.. ولذا جاء في آخرها:
(هذا كتابُنا إليك أيُّها الأخ الولي، والمُخلص في ودّنا الصفي، والناصرُ لنا الوفي، حرسكَ اللهُ بعينه التي لا تنام، فاحتفظْ به، ولا تُظهر على خطّنا الذي سطرناهُ بما لهُ ضمَّناهُ أحدا، وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوصِ جماعتهم بالعمل عليه إنْ شاء الله، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين).
هذه الرسالة مِن تأريخ وُصولها إلى وفاةِ الشيخ المُفيد إلى حدود ثلاث سنوات ونصف.
الرسالة الثانية وصلتْ إلى الشيخ المفيد قبل وفاتهِ بثمانية أشهر وعشرة أيّام.. وهذه الرسالة تشتملُ على إخبارات جديدة، وهذا يعني أنّ الإخبارات التي مرّت في الرسالة الأولى تحقّقتْ. فهُناك إخبارتٌ جديدة، ولكن هُناك شيءٌ ثابتٌ في الرسالة الثانية وهو تأكيدُ الإمام الحجّة على أنّ مراجع الشيعة لازالوا ناقضين للعهد..! وسأقرأُ الرسالةُ عليكم.
● جاء في نصّ الرسالة الثانية والتي يتحدّث فيها الإمام بالإجمال وبأسلوب التعمية، يقول:
(مِن عبد الله المُرابط في سبيله إلى مُلهَم الحقّ ودليلهُ – أي الشيخ المُفيد -.
بسم الله الرحمن الرحيم سلامٌ عليك أيُّها الناصر للحقّ الداعي إلى كلمةِ الصدق، فإنّا نحمدُ الله إليك الذي لا إله إلّا هو، إلهنا وإله آبائنا الأوّلين ونسأله الصلاة على نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمّدٍ خاتم النبيّين وعلى أهل بيتهِ الطيّبين الطاهرين.
وبعد: فقد كنّا نظرنا مُناجاتك عصمكَ اللهُ بالسبب الذي وهبهُ لكَ مِن أوليائه وحرسكَ مِن كيد أعدائه، وشفّعنا ذلك الآن مِن مُستقرٍّ لنا يُنصَبُ في شمراخ – أي قمّة الجبل – من بهماء – وهي الصحراء المُمتدة التي يضيعُ فيها مَن يضيع – صِرْنا إليه آنفاً من غماليل – من مكان كان كثير الشجر – ألجأ إليه السباريت مِن الإيمان – يعني رجالٌ يفتقرون إلى ولاء عليّ وآل عليّ – ويُوشك أن يكون هُبوطنا منه إلى صحصح – أرض مُنبسطة لا جبال فيها – مِن غير بُعْدٍ مِن الدهر ولا تطاول مِن الزمان، ويأتيك نبأٌ منّا بما يتجدّد لنا مِن حال، فتعرفُ بذلك ما تعتمدهُ مِن الزلفة إلينا بالأعمال والله مُوفّقُكَ لذلكَ برحمته. فلتكنْ حرسكَ اللهُ بعينهِ التي لا تنام أن تقابل بذلك فتنةً تبسل نُفوس قومٍ – أي تُهلكهم – حرثتْ باطلاً لاسترهاب المُبطلين، وتبتهجُ لدمارها المُؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون.
وآية حركتنا مِن هذهِ الّلوثة – أي الوسخ والدناءة يُشير إلى الفتنة – حادثةٌ بالحرم المعظّم مِن رجس مُنافقٍ مُذمّم – عكس المُحمّد الممدوح – مستحلٍّ للدم المُحرّم، يعمد بكيده أهل الإيمان، ولا يبلغُ بذلك غرضهُ مِن الظُلم لهم والعدوان، لأنّنا مِن وراء حِفظهم بالدُعاء الذي لا يُحجَب عن ملكِ الأرض والسماء، فليطمئنَّ بذلكَ مِن أولياءنا القلوب وليثقوا بالكفاية منه، وإنْ راعتهم بهم الخُطوب – المصاعب والرزايا – والعاقبةُ لجميل صُنع الله سبحانهُ تكون حميدةً لهم ما اجتنبوا المنهيَّ عنه مِن الذنوب.
ونحنُ نعهَدُ إليكَ أيُّها الوليُّ المُخلص المجاهد فينا الظالمين، أيّدك اللهُ بنصرهِ الذي أيّد به السَلَف مِن أوليائنا الصالحين، أنّهُ مَن اتّقى ربّه مِن إخوانك في الدين وخرج عليه بما هو مُستحقّه كان آمناً مِن الفتنة المُظلّة – أي المُطلّة عليكم – ومِحَنها المُظلمة المُضلّة، ومَن بخل منهم بما أعارهُ الله مِن نعمته على مَن أمرهُ بصِلته ، فإنّه يكون خاسراً بذلك لأُولاهُ وآخرته،
ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع مِن القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لَما تأخّر عنهم اليُمن بلقائنا، ولتعجّلتْ لهم السعادةُ بمُشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا – يعني أنّ زعماء الشيعة لا يعرفون إمامهم معرفةً صحيحة – فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرههُ ولا نُؤثره منهم – وهو طَلَبهم للمعارف مِن غير طريق أهل البيت – واللهُ المستعان ، وهو حسبُنا ونعم الوكيل.
وصلواته على سيّدنا البشير النذير مُحمّد وآله الطاهرين وسلّم. وكُتبَ في غرّة شوّال مِن سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
هذا كتابُنا إليك أيُّها الولي المُلهَم للحقّ العليّ باملائنا وخطّ ثقتنا فأخفهِ عن كلّ أحد، واطوهِ واجعلْ لهُ نُسخةً يطّلع عليها مَن تسكنُ إلى أمانتهِ مِن أوليائنا ، شملهم الله ببركتنا ودعائنا إنْ شاء الله، والحمد لله والصلاة على سيدنا محمّد وآله الطاهرين).
● قولهِ: (مِن مُستقرٍّ لنا يُنصَبُ في شمراخ من بهماء صِرْنا إليه آنفاً من غماليل) يعني أنَّ المواضع التي يتواجدُ فيها الإمام تتغيّر، فذلكَ نِظامُ الغَيبة، وتلك مُقتضياتُ المنظومةِ المهدويّة الفائقة.. وقوله: (يُنصَبُ في شمراخ من بهماء) يعني يُنصَب مُستقرٌّ للإمام على رأس جبل مِن بهماء وهي الصحراءُ الجرداء الكبيرة المُمتدّة التي يضيعُ فيها مَن يضيع.
فالإمام يتحدّث عن مكانٍ مُبهَمٍ لا يُريد أن يُفصِح عنه.. قد يعلمُ بذلك المكان الشيخ المُفيد وقد لا يعلم.. صار الإمامُ إلى هذا المُستقرّ في الوقت الحاضر بعد أن كان في منطقةِ غماليل وهي الأرضُ التي تكون كثيرةَ الشجر وكثيرةَ العُشُب.. والذي ألجأ الإمام أن يذهب إلى رُؤوس الجبال ويترك الأرض الخضراء هُم (السباريت مِن الإيمان) يعني رجالٌ يفتقرون إلى الإيمان، والإيمانُ هو الوفاءُ لعليّ وآل عليّ.. فهؤلاء السباريتُ مِن الإيمان هُم الذين نبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظُهورهم.. هؤلاء هُم – السرابيت في اللهجة العراقية – .
● قوله: (ويُوشك أن يكون هُبوطنا منه إلى صحصح) يعني أنّنا سنُغيّر مكاننا قريباً مِن رؤوس الجبال إلى “صحصح” وهي الأرضُ المُنبسطةُ التي لا جبال فيها.. فالإمام هُنا يُحدّثُ الشيخ المفيد ويُحدّثنا مِن أنّه ينتقلُ مِن موطنٍ إلى آخر.
لو كان الإمام لا يعملُ ولا يتحرّك لبقيَ في مكانٍ واحد.. ولكنّ الإمام في نشاطٍ دؤوبٍ مُستمرٍّ.
● قولهِ: (ومَن بخل منهم بما أعارهُ الله مِن نعمته على مَن أمرهُ بصِلته) بِحسب هذهِ النُسخة فإنَّ الرسالة تتحدّثُ عن صِلة الإمام وهو حقٌّ ماليٌّ خاصٌّ بالإمام المعصوم وقد جاء مَذكوراً في فِقْه آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. كما في [الكافي الشريف: ج1] هناك باب عنوانه: (بابُ صِلة الإمام عليه السلام) ممّا جاء فيه على سبيل المِثال هذه الرواية:
(عن إسحاق بن عمّار: عن أبي إبراهيم ” الإمام الكاظم عليه السلام”، قال: سألتهُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: {مَن ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيُضاعفهُ لهُ ولهُ أجرٌ كريم} قال: نزلتْ في صِلة الإمام)
وصلِةُ الإمام هي التي جاءتْ في رسالة اسحاق بن يعقوب التي ألغتْ الخُمس وأباحته للشيعة في زمان الغَيبة، حين يقول الإمام في هذا التوقيع:
(وأمّا أموالكم فلا نقبلها إلّا لتطهروا ، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع فما آتاني الله خير ممّا آتاكم)
أهمّ المضامين في الرسالتين مضمونان:
● المضمون (1): هناك اتّجاهان: اتّجاهُ السَلَف الصالح الذي يُريدهُ إمام زماننا.. واتّجاهُ المراجع الذين نبذوا العَهد المأخوذَ منهم وراءَ ظُهورهم، وهذا المنهج لا يُريده الإمام ويكرهه وإنْ عدّ المراجع مِن شيعته.
● المضمون (2): أنّ الإمام الحجّة لو وَجَد أُناساً كما يُريد لتواصل معهم ولَرعاهُم، ولا تّصل بهم بشكلٍ مُباشر أو بالرسائل التي يكتبها بيده، أو عن طريق أوليائه يُطلعهم على الحقائق ويُنظّم الأمر معهم.. والرسالتين الّلتين قرأتُهما عليكم فيهما مِن الوضوح والصراحة ما يُشيرُ إلى أنَّ الإمام يتدخّل في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة ولكن بِحَسَب منهجيّة المنظومة المهدويّة في وجهها الخفي.