بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه: ((واما أمر ظهوره عليه السلام فاعلم ان الدنيا هذه قد خاف فيها من الأعداء، فلما فرّ من هذه المسماة بالدنيا انتقل إلى الاولى، والخلق يسيرون إليه، لكنه عليه السلام سريع السير فقطع المسافة في لحظة، والناس يسيرون إلى الأولى يسير بهم التقدير سير السفينة براكبها في هذا النهر الراكد الذي هو الزمان، وكان طرفا الزمان أوله وآخره لطيفين للطافة الأجسام الواقفة فيهما ولطافة تلك الأمكنة، ووسط الزمان كثيف ككثافة أجسامه وأمكنته، فإذا وصلوا إليه قام بالأمر وظهر الدين كله…)). [الرسالة الرشتية ج 8 جوامع الكلم ص422].
إن هذا النص قد حيّر العلماء واذهل الألبّاء، بل لقد اشمأز منه اولياء الشيخ الاوحد قبل الاعداء، فأنكروا مضمونه وذهبوا يفتشون في بعض كلماته اعلى الله مقامه ما يوافق الرأي السائد عند الناس، وعلى رأس من يذهب الى ذلك الرأي ثلة من العلماء والمحدثين كالعلامة محمد باقر المجلسي والشيخ حسين النوري رحمهما الله، بل ان الاخير قد ألّفَ كتاباً اسماه (جنة المأوى) تطرق فيه الى ذكر قصص اللقاء بالامام المهدي صلوات الله عليه، واستفرغ وسعه في تضعيف التوقيع الشريف الصادر عن الناحية المقدسة والذي ينص على الامر بتكذيب مدعي المشاهدة، ووصفه بالارسال غير الموجب علماً. وقد سار على هذا النهج عدد من الباحثين المعاصرين كالسيد حسن الابطحي الذي نقل لنا في بعض كتبه العشرات من قصص اللقاء بالامام المهدي عليه السلام في العصر الراهن، وكل هذه القصص تأتي في صالح دعم الاطروحة التقليدية التي يتبناها العلماء المشار اليهم وهم الاكثرية، واعني بها اطروحة (ظهور الشخص وخفاء العنوان).
وكنت قد تطرقت في جواب احد الاخوة الى بيان اجمالي للمراد من ذلك النص العجيب، ورجوت الله تعالى ان اوفق لكتابة مقال مفصّل في الموضوع، فما اسرع ان اجيبت دعوتي ولله الحمد، وها انا اليوم اذكر تفصيل ما أجملته في بيان المراد، ومن الله تعالى اطلب التأييد والسداد.
واعلم ان الجسم كلما تلطف وقلت كثافته كلما صار سيره سريعاً، وكلما غلظ واشتدت كثافته كلما اصبح سيره وئيداً بطيئاً، وقد ثبت في العلم الحديث ان العلاقة بين السرعة والكتلة هي علاقة عكسية، وان ألطف الاشياء اسرعها. وهو ما اشار اليه الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه بقوله: (لكنه عليه السلام سريع السير فقطع المسافة في لحظة)، وهناك بحث طويل يتفرع على هذا البيان نرجئه الى محله ووقته والله المستعان.
والحمد لله المحمود المشكور، وصلى الله على محمد واله مدى الاعصار والدهور.