هل الامام المهدي عليه السلام موجود في الدنيا ام في الأولى؟

هل الامام المهدي عليه السلام موجود في الدنيا ام في الأولى؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه: ((واما أمر ظهوره عليه السلام فاعلم ان الدنيا هذه قد خاف فيها من الأعداء، فلما فرّ من هذه المسماة بالدنيا انتقل إلى الاولى، والخلق يسيرون إليه، لكنه عليه السلام سريع السير فقطع المسافة في لحظة، والناس يسيرون إلى الأولى يسير بهم التقدير سير السفينة براكبها في هذا النهر الراكد الذي هو الزمان، وكان طرفا الزمان أوله وآخره لطيفين للطافة الأجسام الواقفة فيهما ولطافة تلك الأمكنة، ووسط الزمان كثيف ككثافة أجسامه وأمكنته، فإذا وصلوا إليه قام بالأمر وظهر الدين كله…)). [الرسالة الرشتية ج 8 جوامع الكلم ص422].

إن هذا النص قد حيّر العلماء واذهل الألبّاء، بل لقد اشمأز منه اولياء الشيخ الاوحد قبل الاعداء، فأنكروا مضمونه وذهبوا يفتشون في بعض كلماته اعلى الله مقامه ما يوافق الرأي السائد عند الناس، وعلى رأس من يذهب الى ذلك الرأي ثلة من العلماء والمحدثين كالعلامة محمد باقر المجلسي والشيخ حسين النوري رحمهما الله، بل ان الاخير قد ألّفَ كتاباً اسماه (جنة المأوى) تطرق فيه الى ذكر قصص اللقاء بالامام المهدي صلوات الله عليه، واستفرغ وسعه في تضعيف التوقيع الشريف الصادر عن الناحية المقدسة والذي ينص على الامر بتكذيب مدعي المشاهدة، ووصفه بالارسال غير الموجب علماً. وقد سار على هذا النهج عدد من الباحثين المعاصرين كالسيد حسن الابطحي الذي نقل لنا في بعض كتبه العشرات من قصص اللقاء بالامام المهدي عليه السلام في العصر الراهن، وكل هذه القصص تأتي في صالح دعم الاطروحة التقليدية التي يتبناها العلماء المشار اليهم وهم الاكثرية، واعني بها اطروحة (ظهور الشخص وخفاء العنوان).

وكنت قد تطرقت في جواب احد الاخوة الى بيان اجمالي للمراد من ذلك النص العجيب، ورجوت الله تعالى ان اوفق لكتابة مقال مفصّل في الموضوع، فما اسرع ان اجيبت دعوتي ولله الحمد، وها انا اليوم اذكر تفصيل ما أجملته في بيان المراد، ومن الله تعالى اطلب التأييد والسداد.

أقول: ان انتقال الامام المهدي عليه السلام إلى الاولى اي صيرورته في عالم المثال او هورقيليا لا يترتب عليه مفارقته للدنيا كما يفارقها الاموات، كيف والمهدي عليه السلام هو عين الحياة كما ورد في الدعاء (السلام عليك يا عين الحياة)، فالاُولى ليست في مكان خارج الارض كأن تكون في كوكب آخر او في السماء مثلما يتوهم البعض، بل هي في هذه الارض، ولكن من لا أنس له باصطلاحات الشيخ الاوحد لابد ان يتطرق اليه من مطالعة النص المذكور اعلاه الحيرة، فيتوهم ان لازم انتقال الامام المهدي عليه السلام الى الاولى هو مغادرته ارضنا هذه الى موضع اخر في السماء، فيتساءل كيف ذلك وقد وردت الاخبار المتضافرة المتواترة في أن الارض اذا خلت من الحجة ساخت بأهلها؟ فيجاب بأن الحجة عليه السلام لم يخرج بذلك الانتقال عن الارض بل هو باق فيها، وهو مشرف على الدنيا من موضعه في الاُولى.

وربما بدا هذا القول بالنسبة الى الكثيرين بمثابة مفارقة تفتقر الى حل، وسأقوم ان شاء الله تعالى في هذا المقال بحلها، وانك لن تجد في اي كتاب او صحيفة او موقع او منتدى جواباً وبياناً لهذا الاشكال في غير هذا المقال. وجواب المفارقة هو كالتالي: إن منشأ الاشتباه والغلط ناجم في الحقيقة من تسوية مفهوم الدنيا بالارض، اي اعتبار الدنيا والارض من قبيل المفاهيم المترادفة، والحال ان الدنيا هي نشأة زمانية ومحلها ظاهر الارض، والاولى نشأة دهرية ومحلها باطن الارض، وهنا اود التنبيه على اشتباه آخر قد يتبادر الى ذهن من لا دُربَة له ولا انس باصطلاحات الشيخ الاوحد أعلى الله مقامه، فيتصور ان ظاهر الارض هو سطحها وباطن الارض هو بطنها، فيرتب على انتقال المهدي عليه السلام من الدنيا الى الاولى موته والعياذ بالله.

اعلم ان المراد من باطن الارض هو صافيها ولطيفها من الاجسام والمكان والوقت، وبالتالي فإن الدنيا والاولى هما نشأتان ارضيتان جسمانيتان يختلفان بحسب الكثافة واللطافة، اي ان الدنيا يغلب عليها حكم الكثيف لاختلاطها بالشوائب العنصرية، والاولى يغلب عليها حكم اللطيف لخلوها من تلك الشوائب. وما كان كثيفاً من اجسام الارض من المواليد الثلاثة (الجماد، النبات، الحيوان) يجري عليه حكم النشأة الدنيوية (اي يكون مشمولا بنواميسها)، وأما ما كان لطيفاً منها فيجري عليه حكم النشأة المثالية (نشأة الأُولى)، وبعبارة اخرى: يوجد في هذه الارض اجسام ومواضع غير مدركة بالحواس الظاهرة بسبب لطافتها، ومنها الجزيرة الخضراء، ووادي السلام، وجابلقا وجابرسا، والجنتان المدهامتان، وجنة ادم عليه السلام …

وقد اشار الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه في كثير من رسائله الى ان الانسان المؤمن في هذه الدنيا سائر في اتجاه التكامل والترقي، وقد ندبه الله عزوجل الى مجاهدة نفسه ووعده ان يهديه السبيل الواضح والصراط المستقيم، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقال عز من قائل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة وقدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين)، وقال: (فاستبقوا الخيرات اينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً)، والغرض من ذلك السير وتلك المجاهدة هو التنزه عن التعلقات الدنيوية واثارها، فكلما جدّ المؤمن في السير مجاهداً في سبيل الله تجرد عن التعلقات والسبحات اكثر فأكثر وانكشفت عن نفسه الحجب المانعة عن المعرفة حتى يوفق في نهاية المطاف فيرى ايات الله الانفسية والافاقية جليّةً بهيّة… ويترتب على ذلك تلطف القوى والمشاعر والمدارك، فيدرك بحواسه ما لا يدركه غيره، وهو ما يطلق عليه في اصطلاح العرفاء: المكاشفات. واذا كان سير هذا المؤمن مصحوباً بالزهد واجتناب الشبهات في الاكل والشرب وفي القول والفعل فإن جسمه وبدنه بعد مدة تطول او تقصر يصفو من الاكدار والاقذار فيكون كالجوهرة الصافية، ويترشّح حينئذٍ ليكون في سلك انصار الامام المهدي صلوات الله عليه حين ظهوره، بل يوفق بعض هؤلاء السائرين والسالكين الى الاتصال بالامام عجل الله فرجه او رؤيته في عصر الغيبة الكبرى او حتى الالتحاق به والدخول في انصاره واعوانه ومواليه… فإذا اكتمل للمهدي عليه السلام ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ممن مُحِّصوا بالمجاهدة وغُربلوا بالبلاء ووصلوا الى درجة عالية من الايمان والإيقان وتحقق فيهم معنى الانتظار والاستعداد للنصرة، نهض المهدي عليه السلام واشرقت من مغرب الغيبة شمس الظهور، فيقوم صلوات الله تعالى عليه بالامر ويملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، فتنكشف حينئذ الاُولى على الدنيا، وتظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة، ثم يتلو ذلك قيام بعض الأموات من قبورهم ورجوعهم الى الدنيا، ويبتدأ عصر الرجعة.

واعلم ان الجسم كلما تلطف وقلت كثافته كلما صار سيره سريعاً، وكلما غلظ واشتدت كثافته كلما اصبح سيره وئيداً بطيئاً، وقد ثبت في العلم الحديث ان العلاقة بين السرعة والكتلة هي علاقة عكسية، وان ألطف الاشياء اسرعها. وهو ما اشار اليه الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه بقوله: (لكنه عليه السلام سريع السير فقطع المسافة في لحظة)، وهناك بحث طويل يتفرع على هذا البيان نرجئه الى محله ووقته والله المستعان.

والحمد لله المحمود المشكور، وصلى الله على محمد واله مدى الاعصار والدهور.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading