(مفهوم الذات الإنسانية في حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي الأحسائي)

             سلسلة  وعي الذات البشرية عند الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (2)

                   (مقارنة فلسفية بين حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي والفلسفات الغربية)

                                                                                                                                                                                              الشيخ سعيد محمد القريشي

                       (مفهوم الذات الإنسانية في حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي الأحسائي)                                                                                  

            ما تعريف الذات لغوياً ثم في اصطلاح العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين رحمه الله؟ نقول: في اللغة (ذات) تعني النفس والشخص، فيقال ذات الشيء أي نفسه وعينه، وتطلق على جوهر الشيء وماهيته، وتطلق أيضاً على القائم بنفسه، أي الذاتي، فكل شيء قائم بنفسه ولا يحتاج لعنصر آخر فهو ذاتي، ثم فرق بعض اللغويين بين الذات والشخص، فالذات تطلق على الجسم وغيره، أما الشخص فيطلق حصراً على الهيئة (الجسم)، فكل شيء له مجموع هيئة تشكل وحدة شخصية يسمى شخصاً، فيقال ذات شخص، ويطلق أيضاً على كل عنصر يميز هذا الشيء عن غيره بأنه ذاتي، أي أما هو كامل الذات أو جزء منها من حيث ترتفع بارتفاعه. إذاً نخلص لغوياً أن كلمة ذات لها صفة العموم والشخص لها صفة الخصوص. من هنا ننطلق لنعرف تعريف الذات عند الشيخ أحمد بن زين الدين، فنقول مبدأياً الشيخ يفرق بين ذات الإنسان أي حقيقته الأساسية التي ترتفع إنسانيته بارتفاعها وبين ذات الإنسان الشخصية، أي مجموع مركب الإنسان كاملاً، فالذات الحقيقة في تعريف الشيخ هي أساس وجود الإنسان نفسه، ما بها يتحقق وجود الإنسان ويذوق طعم أحساس الوجود والتحقق في ملك الله ويكون مذكورا في العلم الإلهي كما قال تعالى: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا). فذكر حين خلقت حصته الخاصة من الوجود الإمكاني (مذكور في العلم) والتكويني (متحقق في التكوين) تلك الحصة هي الذات الإنسانية الوجودية ويعبر عنها الشيخ بـ(ـالفؤاد) وبارتفاع هذه الذات أو جزء منها يبطل وينتفي وجوده وكينونته، فنخلص أن الذات عند العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين هي الأساس الذاتي التي به يتحقق وجود الإنسان وترتفع بارتفاعها. إذاً الآن نتعمق في طرح العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين، فنقول ما هي هذه الذات في علم الحكمة بعيداً عن التعريف المنطقي والفلسفي. يقول الشيخ أحمد رحمه الله: هي حصة الإنسان الفرد من نور الله المخلوق الذي هو الإنسانية، فالإنسانية أثر نور الله المخلوق الذي لا تشوبه ظلمات، والإنسان مخلوق من النور إلا إذا اختار أن يركس في الظلمات والزذائل بالخروج من الإنسانية والدخول في الحيوانية البهيمية، ـ وليست هي الحيوانية التي تعنى الحياة ـ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في أحد خطبه: لصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، وذلك ميت الأحياء].[الخطبة 85 نهج البلاغة] وذلك لخروجه من الإنسانية وإن احتفظ بصورتها النوعية. إذن ما هي تلك الحصة الوجودية التي شكلت ذات الإنسان عند الشيخ أحمد بن زين الدين نقول هي أول نقطة أو جزء من الإنسان استجاب استجابة طوعية لأمر الله الإيجادي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.يس: 82] فأول جزء يستجيب ويذوق طعم الوجود في الإنسان هو ذاته ويعبر عنه الشيخ بمشعر (الفؤاد) أي الحاسة الوجودية عند الإنسان التي أشار لها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10]. وهي أعلى مشعر وحاسة إدراكية وجودية عند الإنسان وسنتحدث عنها لاحقاً في فصل مستقل. وبهذا يسجل العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين حاسة جديدة في الفلسفة وعلم النفس الإدراكي ويهديها للبشرية كأول من دونها وكتب عنها. وللعلم يقول الشيخ أحمد رحمه الله أن الله أكمل الذات الإنسانية بشكل كامل في رسوله محمد والاثني عشر معصوماً  وفاطمة عليهم السلام جميعاً. يقول:[ فمعني أنّهم المثل الأعلى أنّ الله جلّ وعلا خلقهم على أحسن صورة يقتضيها الإمكان وهي ما هم عليه من الهيئة والكينونة كما أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {وهو الأنسان الكامل وهو محمّد وآله الاثناعشر وفاطمة (ص)][شرح الزيارة، ج ص160، مكتبة الشيخ الأوحد الألكترونية]. أما الذات الشخصية عند الشيخ أحمد بن زين الدين هي مجموع مركب الإنسان الداخلي والخارجي الذي يقع نحو إشارة الإنسان لنفسه بأصبعه هذا أنا، في هذه الذات يتفق الشيخ مع فلاسفة الغرب ونستطيع أن نسميها بالذات العرفية، أي المتعارف عليها عند البشر حين نقول ذات الإنسان هي هذه الذات الشخصية، وهي التي تقع محل دراسات فلاسفة الغرب والمطلوب وعيها عندهم، فمن هنا تتضح الصورة في الفروق بين رأي الشيخ أحمد بن زين الدين في نوع الذات المطلوب وعيها وتعريفها وبين فلاسفة الغرب، فمفهوم الذات الآن صار واضحاً. يقول الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي عن الذات الإنسانية التي هي الفؤاد: [والمراد بالفؤاد في كلام الأئمة عليهم السلام هو الوجود بالمعنى الثاني الذي ذكرته في شرح مشاعر الملّا صدر الدين الشيرازي أعني الشيء من حيث كونه أثراً لفعل الله تعالى فإن الشيء له اعتباران اعتبارٌ من ربّه وهو انّه آية الله وأثر فعله واعتبارٌ من نفسه وهو هويّته من حيث نفسه وهو الماهية الثانية ويحتمل أن يراد بالفؤاد ما ذكرناه بالمعنى الأوّل وهو أول فائض من فعل الله وهو عندنا هو المادة المطلقة وانفعاله عند فعل الله هو الماهية الأُولى التي هي قابليته والحاصل أن الفؤاد هو الوجود وهو الذي يَعرف الله وبه يُعرف الله وهو في الإنسان بمنزلة المَلِكِ في المدينة والقلب بمنزلة الوزير وإنما انحصر دليل الحكمة الاصطلاحي في إدراك الفؤاد لأنّه هو الذي يدرك الشيء مجرّداً عن جميع ما سوى محض وجود الشيء مع قطع النظر عن جميع عوارض الشيء الذاتية كأركان القابلية ومتمماتها والعارضية بلا إشارة ولا كيف ولا يحصل من غير الفؤاد فلذا كان محل المعرفة ولذا قلنا مستنده الفؤاد] [شرح الفؤائد، ص12، المكتبة الشيخ الأوحد الالكترونية]. ويقول الشيخ أيضاً رحمه الله أن الفؤاد هو وجود الإنسان المخلوق من نور الله المخلوق، أي الفعلي: [ قلت وهو نور اللّه الذي ذكره (ع ) في قوله: اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه. أقول لأنّه عليه السلام يريد بهذا النور هو الفؤاد لأنّ الصادق عليه السلام ذكر أن ضياء المعرفة ينجلي في الفؤاد وذكر عليه السلام في حديث آخر أنه هو نور الله الذي خلق الله منه المؤمن وأنه هو نور الله الذي هو الفراسة كما في الحديث]. [شرح الفؤائد، ص13، المكتبة الشيخ الأوحد الالكترونية]. ويقول الشيخ أحمد رحمه الله أن الإنسانية هي أثر فعل الله وحقيقتها النورانية وليست الظلمات والرذائل: [فقوله (ع) أن الله خلق المؤمنين من نوره، صريح في أن النور هو المادة أي الوجود وقد صرّح عليه السلام بأنها هي الأب فقال أبوه النور وأمّه الرحمة يعني الصورة الإنسانية المستقيمة المنقوشة على هيئات الطاعات وصورها والدليل على أن هذا النور هو المادة ما ذكره عليه السلام في تفسير كلام جدّه عليه السلام حين قال اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله قال عليه السلام يعني بنوره الذي خلق منه، والذي خلق منه هو المادة وهو النور أي الوجود وهذا ظاهر لا غبار عليه والمراد بالرحمة الحصّة الناطقية وبالنور الحصّة الحيوانية في قولهم الإنسان حيوان ناطق فإن حيوان هو المادة وناطق هو الصورة والمراد بالمادة هو الوجود الذي هو أول صادر عن فعل الله تعالي إذ لم يصدر عن فعل الله سبحانه إلا شيء والشيء لا يتقوم إلا بمادة وصورة والمادة هي الصادر عن فعل الله والصورة هيئة ذلك الصادر وانفعاله بفعل الله فاشرب صافياً ودع عنك الأوهام][شرح الفوائد، ص165، مكتبة الشيخ الأوحد الألكترونية] وبهذا نكون حددنا ملامح الذات البشرية عند العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي رحمه الله من كلامه في كتبه وسنوسع البحث حولها في الفصول القادمة إن شاء الله.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة