• ما هو التوفيق؟ وكيف ينال الشيعي التوفيق من إمام زمانه؟ – الشيخ عبدالحليم الغزي
التوفيقُ: هو العامل الأساسي الأهم في بلوغ الإنسان ووصولهِ إلى العقيدةِ الصحيحة.. والمراد من التوفيق هو نظر ولطف ورعاية وعناية من إمام زماننا بنا إذا وفقنا لهذا التوفيق.. وهذا التوفيق في الحقيقة هو أيضا بِحاجة إلى توفيق.. ولذا لا ندري كيف نشكر إمام زماننا.. فإن شكرنا له بحاجةٍ إلى شكر، والشكر الثاني بِحاجة إلى شكر.. وسنبقى في سلسلةٍ لا انقطاع لها..
فالفضل كل الفضل له “صلواتُ اللهِ عليه” ونحن في مقام العجز والتقصير والقصور بين يديه
التوفيقُ أمر وهبي لكننا نستطيع أن نتحرك في الاتجاه الذي يقربنا مِن أن ننال التوفيق من إمام زماننا.. إذا كنتم تبحثون عن ذلك: إنها الأولويات، قائمة الأولويات في حياتنا.. كيف نرتب الأولويّات؟
ربما هناك من الناسِ من لا يملكون قائمة للأولويات أصلا.. إنني أتحدث هنا عن أُناس يملكون قائمة للأولويات.. فلابد أن يكونَ الإنسان مهتما بمجريات حياته في جميع اتجاهاتها، وحينما يكون مهتما بمُجريات حياته لابد أن يمتلك قائمة للأولويات في ترتيب الأهداف، الموضوعاتِ المهمة، المشاكل، الحلول التي ترتبط بشؤونات حياته المختلفة
وأنا هنا لا أتحدث عن كل القوائم في حياة الناس.. إنني أتحدث مع أولئك الذين يدعون أنّهم شيعة للحجة بن الحسن، ويدعون أنهم ينتظرونه، ويدعون أنهم نذروا حياتهم في خدمته.. ولا شأن لي بالآخرين. حديثي هذا معَ أُولئك الذينَ ينتظرونَ الحُجّةَ بن الحَسَن، ويدّعون أنَّهم نذروا حياتهم لِخدمته “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” أقول لهم: أين هي قائمةُ أولويّاتكم؟
قَطْعاً مَن يمتلكُ قائمةً للأولويّات وليستْ فيها مِن الأولويّاتِ إلّا أولويّةٌ واحدة وهُي “الحجّة بن الحسن” وبقيّةُ الأمور لها قوائمُ أُخرى.. لا يُمكن أن نُقايس بينها وبين هذهِ القائمة.. هذهِ الصُورةُ الأمثل، ولكن لا وجودَ لها على أرض الواقع
يُمكننا أن نجد على أرض الواقع قائمةً مِن الأولويّات قد نضعُ الحُجّةَ بن الحَسَن على رأس هذهِ القائمة مع سلسلةٍ مِن الأهدافِ والموضوعاتِ والشُؤون المُختلفة لِحياتنا الدينيّةِ والدنيويّة.. وهذا ناتجٌ عن قِلّة معرفتنا
الدينُ فيهِ أولويّةٌ واحدة هي: “الحُجّةُ بن الحسن” وكُلّ العناوين الأُخرى هي فروعٌ لهذا الأصل.. كما يقولُ نبيّنا الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله” لأمير المُؤمنين:
(يا عليُّ أنتَ أصلُ الدين).
أولويّةٌ واحدة وانتهينا.. على مُستوى الدين وعلى مُستوى الدُنيا التي يُفترض أن نوظّفها في خدمة إمامِ زماننا
لن أُطيل في الكلام، ولكنّني أذهبُ بكم إلى الكتاب الكريم
في الآية 24 مِن سُورةِ التوبة: {قُل إنْ كان آباؤُكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتُمُوها وتجارةٌ تَخشونَ كسادَها ومَساكنُ ترضونَها أحبَّ إليكم مِن اللهِ ورسوله وجهادٍ في سبيلهِ فتربّصوا حتّى يأتي اللهُ بأمرهِ والله لا يهدي القومَ الفاسقين}
الآيةٌ واضحةٌ.. مضمونُها في ترتيبِ الأولويّات.. دقّقوا النظر في هذهِ الآية جيّداً بعد البرنامج
حين تقول الآية: {إنْ كان آباؤُكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتُمُوها وتجارةٌ تَخشونَ كسادَها ومَساكنُ ترضونَها} فإنَّ الأمر لا ينحصرُ بهذهِ العناوين.. هذهِ العناوين هي التي تمثّل مَدارُ الأولويّاتِ في حياةِ الناس في ساحتها.. فالأولويّاتُ تدورُ حول هذهِ العناوين في حياة الناس.. وإلّا فإنَّ العناوينَ ليستْ مَحصورةً بما جاءَ في الآيةِ الكريمة.. ما جاء في الآيةِ الكريمة هي أمثلةٌ واضحةٌ ومعروفةٌ في حياة الناس
حين تقول الآية: {ومَساكنُ ترضونَها أحبَّ إليكم مِن اللهِ ورسوله وجهادٍ في سبيلهِ} الجهادُ هُنا هو عَمَلٌ، وظيفة.. الأولويّةُ للجهاد هُنا قطعاً لَيستْ مَعطوفةً بشكلٍ حقيقيٍّ على أولويّة اللهِ ورسوله.. ولكنَّ الآيةَ نزلتْ في أجواء كانتْ الوظيفةُ الأولى فيها هي الجهاد.. وإلّا فذِكرُ الجهاد هُنا لا لِخُصوصيّةٍ فيه تجعلهُ مُختلفاً عن سائرِ التكاليفِ والعباداتِ والأعمالِ والوظائفِ الأُخرى
الأولويّةُ للهِ ولِرسولهِ ولِما يُريدهُ رسولُ الله
في أجواءِ الآيةِ وفي الزمن الذي نزلتْ فيه هذهِ الآية.. الذي كان يُريدهُ رسول الله بالدرجة الأولى هو الجهاد.. وفي مقطعٍ آخر قد يُريدُ شيئاً آخر.. فالأولويّةُ هُنا ليستْ للجهاد، وإنّما الأولويّةُ هُنا للذي يُريدهُ رسولُ الله.. لابُدَّ أن نلتفتَ إلى دقائق مضامين هذهِ الآية الكريمة.
فالآية تُريد أن تقول أنّهُ إذا كانتْ قوائمُ الأولويّاتِ عندكم هكذا بشكلٍ يتنافرُ مع منطق الكتاب والعترة.. فتربّصوا – أي انتظروا – حتّى يأتي اللهُ بأمرهِ والله لا يهدي القومَ الفاسقين
فإذا كانتْ قوائمُ الأولويّات ليستْ مُرتّبةً بِحَسَب منهج الكتاب والعترة فإنَّ الكتاب يصِفُ القوم بالفاسقين..!(وقفة تقريب لفكرة ترتيب قائمة الأولويّات بمثالٍ عملي عن “كادر الكاميرا”..)
إنّنا حينَ ننتخبُ أولويّةً مِن الأولويّات فهذا يعني أنَّ عدسةَ عُقولنا وقُلوبنا وأنَّ عدسةَ اهتماماتنا وأنَّ عدسةَ وجداننا وأنَّ عدسةَ إمكاناتنا الماديّة والمعنويّة لا تظهرُ فيها إلّا هذهِ الأولويّة
بقيّةُ العناوين لا يعني أنّها ليستْ مُهمّةً لنا، لكنّها ليستْ داخلةً في هذا الكادر
حين أتحدّثُ عن الأولويّات فإنَّ أفضلَ مثالٍ أجدهُ هُو هذا المِثال: (كادرُ الكاميرا) ما كان في كادر الكاميرا هُو هذا الذي يتوجّهُ إليه العقل، يتوجّهُ إليه القلب.. وهذهِ العبارة في دُعاء النُدبة الشريف تختصرُ كُلَّ الكلام
(أين وجه الله الذي إليه يتوجّه الأولياء)