لماذا أختار الشيخ هذه الاصطلاحات … ؟

لماذا أختار الشيخ هذه الاصطلاحات … ؟

لماذا أختار الشيخ هذه الاصطلاحات … ؟

ولعل قائلاً يقول: لو كان الأمر كما ذكرت فلماذا أتى بعبارات غير مأنوسة واصطلاحات غير معروفة ؟! وفي هذه تمويه الناس والتلبيس على العوام والخواص , وإيقاع الاختلاف في البين , وذلك غير محمود في الشريعة وغير مرغوب في الحقيقة , فإن الناظر في هذه الكلمات بين مصدق ومكذب وعارف ومتوقف , فالعارفون تقول إنهم قليلون , والمتوقفون سالمون , والمكذبون يشنعون والمصدقون يعتقدون خلاف الواقع , فيكون وزرهم عليه , فلم تنشأ هذه الاختلافات إلا من أمثال هذه العبارات , فلو فرض أن قائلها خال من العيب – ولا شك أنها موروثة للريب – ففي ذلك إهانة للدين المبين وهدم لشريعة خاتم النبيين , على الصادع بها آلاف التحية والثناء من الحق المبين.

والجواب عن ذلك من وجوه:

الجواب الأول:

وجوب رد المتشابه إلى الأصول المحكمة

إن هذا إنما يرد لو لم يكن شائعاً بين الناس أن في الكلام محكماً ومتشابهاً وخاصاً ومطلقاً ومقيداً وظاهراً وباطناً وتعميةً وتصريحاً وتلويحاً وتمييزاً وإيهاماً وإجمالاً وتفصيلاً وكنايةً ومجازاً واستعارةً وتشبيهاً ومثالاً وأصلاً وإشارةً وتلويحاً ولحناً ودليلاً , وأن العلوم متشتتة , والمطالب مختلفة والاصطلاحات متفاوتة والدقائق كثيرة وشاع بينهم وذاع حتى خرق الأسماع وملأ الأصقاع أن لا مشاحة في الاصطلاح

وعلى هذا فالعارف والمتوقف هم السالمون , والمكذبون والمصدقون عن غير بصيرة هم الهالكون , إذ الأولون يشملهم قوله تعالى: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) بعد إقامة الدليل وإيضاح السبيل , من أن الكلام ليس مجراه واحداً , وأن البيان لا ينحصر في طور غير معتددة , فلا يسعه التكذيب والتشنيع إلا بعد الإحاطة والاطلاع على مراد المتكلم وحصول القطع بمراده , وذلك إما بتنصيصه أو بحصول القرائن القطعية.

وقد اتفق علماء الأصول على أن الظواهر لا حجة فيها مع التمكن من النص لأن الأول يفيد الظن والثاني يفيد القطع وحرمة العمل بالظن مع التمكن من القطع من أجلى البديهيات وأوضح الواضحات , مع أن في الاكتفاء بالظواهر عند عدم التمكن من النص في أمثال هذه المقامات نظر ظاهر , إذ لم يقم عليه اجماع ولا دليل قاطع فيقتصر على حد الضرورة في الأحكام الشرعية الفرعية , مع أن في كلام مولانا – أعلى الله مقامه , ورفع في الخلد أعلامة – ليس ما يدل في ظاهره على ما ينافي ما عليه الفرقة المحقة , بل ما يذكر كلاماً غير معروف عند العوام إلا ويذكر بعده بياناً لذلك الكلام , بحيث يرفع الظلام وتدفع شبهة الأنسام.

إلا أن من نظر إلى الكلام ولم ينظر إلى قراءته وبياناته , يكون كمن قال: إن الله تبارك وتعالى حرم الصلاة  ونهى عنها بقوله: ( ولا تقربوا الصلاة ) والنهي دليل الحرمة فتكون الصلاة محرمة , ولم ينظر إلى ما بعد الآية من القرينة المعينة , وهكذا حال المكذبين الناظرين في كلام شيخنا وأستاذنا فافهم.

نظروا إلى بعض الكلام ولم ينظروا إليه على التمام , ليروا بدراً لامعاً ونوراً ساطعاً , بل أخذوا البعض وحذفوا الآخر لإظهار بواطنهم والله سبحانه أعلم بهم وبسرهم , يعاملهم حسبما يفترون ويجزيهم على ما يصفون: ( سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ).

ألى ترى أنه – أعلى الله مقامه , ورفع في الخلد أعلامه – ذكر في هذه العبارات المنقولة في مسألة المعراج , بعدما ذكر أنه صلى الله عليه وآله وسلم عند كل مرتبة منها – أي من العناصر – مثلا – أي نسباً وهيئات – مع أنه ما يدل على شيء مما توهموا. استدرك سؤالاً إيضاحاً للأمر وتبيناً للحكم بقوله رحمه الله: ( لا يقال على هذا إنه قول بعروج الروح خاصة ) وساق الكلام في تتميم السؤال وتبيين الجواب إلى أن قال: ( وإلا فهو على ما عليه من التجسد والتخطيط … الخ ).

وهل يكون تصريح أعظم من هذا في عروج الجسم الجسدي في القالب البشري ؟! وهل يبقى في ذلك اشتباه , أو ظاهر يدل على عروج الروح من غير جسد إذ الظاهر حينئذ !! ولكن الأمر كما قال الشاعر:

عين الرضا عن كل عيب كليلة           كما عين السخط تبدي المساويا

فظهر لك مما بينا: أن المكذبين لا حجة لهم في إظهار التكذيب , وبل حجتهم داحظة عند ربهم , وأما المصدقون عن غير بصيرة فليسوا بمعذورين أيضاً لأن الدين الذي ليس بمحكم – بحيث يزول مع كل كلام – ليس بدين وإنما هو تقليد محض , وللمتدين لابد من أخذ أصول محكمة وقواعد متقنة مصححة معروضة على مذهب الفرقة لمحقة وإجماع الطائفة الناجية , ويجب عليه رد كل ما يرد عليه بذلك الأصل المحكم , ويأخذ ما يوافقه ويترك ما يخالفة.

وإن كان من كلام من يعتقد حقيته , فيجعله من المتشابهات ويرد علمه إليه , وينسب القصور إلى نفسه , لا أن يعتقد بكل كلام , ويأخذ بظاهر كل بيان , وإن كان بظاهره ينافي الملة البيضاء والشريعة الغراء , فلا عذر له إذا ضل وغوى بعد وضوح هذه القاعدة المقرره , وشيوع هذه الطريقة المحققة.

وأما العالم النحرير والكامل الخبير , فهو كما قال الشاعر:

علي نحت المعاني من مواضعها                وما علي إذا لم يفهم البقر

والوجه الثاني:

سيرا على نهج أهل العصمة عليهم السلام

قوله تعالى: ( لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) وقد قال مولانا الرضا عليه السلام – ككلام الله – محكماً ومتشابهاً وعاماً وخاصاً ومطلقاً ومقيداً ) الحديث – نقلت بعضه بالمعنى – فإذا كان التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مما سنه الله وفرض فالمؤمن المخلص هو أن يتاسى به في جميع أفعاله وأحواله , من الأمور الغير المختصة به صلى الله عليه وآله وسلم فيجري كلامه كما أجراه صلى الله عليه وآله وسلم , فالاعتراض مشترك الورود والجواب الجواب.

والقول بأن إيراد المتشابهات مختص بالله تعالى والنبي والأئمة عليهم السلام فكلام يشبه الهذيان , إذ لم يدل عليه دليل , لا من نص مقطوع به , ولا من ظاهر مظنون فيه , ولا من ضعيف مشكوك فيه , ولا من عقل قاطع , ولا إجماع واقع , بل معروف خلافه من طريقتهم , والمعارف عكسه من مذهبهم عليهم السلام , ولذا اشتهر عنهم عليهم السلام: ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) ( كذب سمعك وبصرك مع من تجد إليه سبيلاً واحمل فعل أخيك المؤمن على سبعين محملاً صحيحاً ).

وما وقع الإجماع على أن لا اعتبار بالقرطاس , وأن لا يحكم بالكفر بمحض الكتابة , وإن كانت صريحة في الكفر , لعله أراد معنى ما هو غير معلوم من ظاهر اللغة , وما رواه علماؤنا – رضوان الله عليهم – في مصنفاتهم في الإمامة كالديلمي في ( الإرشاد ) وغيره في غيره من أن أعرابياً  أتى إلى عمر بن الخطاب وقال: أنا أكره الحق وأحب الفتنة وأشهد بما لا أرى ولا أعلم وأعلم ما { لا } يعلمه الله وعندي ما ليس عند الله وأنا ربكم , فغضب عمر وحكم بكفره وأمر بضرب عنقه وكان أمير المؤمنين حاضراً فقال عليه السلام: مه يا عمر فإن الإعرابي ما قال ِإلا حقاً , ولكنكم ما فهمتم كلامه.

أما قوله: إني أكره الحق فإن الموت حق وهو يكرهه , وأما قوله: أني أحب الفتنة فإن الفتنة هي المال والأولاد لقوله تعالى: ( إنما أمولاكم وأولادكم فتنة ) ويحب المال والولد , وأما قوله: إني أعلم ما لا يعلمه الله وهو يعلم لله شريكاً – في الفرض – والله سبحانه يقول: ( أم تنبؤنه ما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول ) وأما قوله: عندي ما ليس عند الله فعنده الظلم وليس عند الله , وأما قوله: أنا ربكم والكم مفرد الأكمام لا ضمير مخطاب , والحديث بالمعنى.

والعاقل المنصف إذا شاهد هذا الحديث لقبول المتفق على صحتها لا يبقى له لهذا القول الشنيع والرأي الفضيع فالقول: بأن عصمة الإمام عليه السلام قرينة واضحة لعدم المخالفة لمذهب الفرقة المحقة , ووجوب تأويل كلامه عليه السلام وصرفه إلى المعروف من المذهب والتوقف عند الجهل بكيفية التأويل , بخلاف غير المعصوم فإنه لا دليل على التأويل فجيب الحمل على ما يظهر كلام فاسد وتوهم كاسد فإن الأعرابي يبطله ويفسده وكذلك الروايات المقتدمة والأدلة ا لقطعية من العقلية والنقلية الدالة على عدم القول بما لا يعلم فإن القائل إذا علم انتسابه إلى مذهب ودين فإخراجه عنه والحكم عليه بخلافة بالألفاظ القابلة للاحتمالات الكثيرة المتعددة , والظواهر المفيد للظن والتخمين جرأة على الله ورسوله والأئمة الطاهرين صلى الله عليه وعليهم أجمعين.

ولا شك ان كل منتسب إلى كل مذهب ودين يعرف بالانتساب إلى ذلك المذهب وتلك الطريقة وذلك معلوم واضح لمن له عينان وله قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وما ورد من النهي عن تأويل كلام الصوفية على ما رواه الأردبيلي في حديقة الشيعة: ( ألا فمن مال إليهم وأول كلماتهم فإنا منهم براء , قيل: وإن كان المائل من محبيكم , فنظر عليه السلام إليه شبه المغضب وقال: ( من قال لحقوقنا لم يذهب إلى عقولنا ) فنحن نقول بموجبه ونتبرء إلى الله ممن يأول كلمات الصوفية الملحدين فإنهم الكفرة أعداء الدين , ولكن ذلك بعد إثبات تصوفهم لا بمحض الاحتمال والظن والتخمين ؟! فإن ذلك لا يثبت به الدين ولم يقم به الشرع المبين كيف ؟! والله عزوجل يقول في كتابه الحكيم: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ) ولا شك أن الرمي بالكفر أشنع وأقبح من الرمي بالزنا والرمي بالتصوف أقبح من الرمي بالكفر , لأنه جامع لجميع مراتب الكفر وطبقاتهم ودرجاتهم , والمؤمن أكرم عند الله من المؤمنة والعالم العارف المسمى في روايات أهل البيت عليهم السلام بالمؤمن الممتحن أكرم عند الله من العالم , فانظر ماذا ترى من التفاوت الفاحش , فإن الله تعالى لعن الرامي للمحصنة قبل أن تقوم البينة المقررة في الشريعة فكيف من يرمي المؤمن العالم العارف بالكفر والتصوف والغلق , قبل أن يقوم عليه البينة الشرعية ؟!

وهل يكون العثور على بعض الألفاظ المتشابهة والكلمات المحتملة للاحتمالات المتساوية – على فرض تحققها ووقوعها – يكون بينة ؟! ألستم تقول: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال , وفي هذه المقامات تكفي الاحتمالات البعيدة الضعيفة فكيف المتساوية بل الراجحة , أما كفاكم بهذه الآية المباركة الشريفة رادعاً وزاجراً.

وذكري الكلمات المتشابهة فرض وتقدير وتغليظ للأمر , وإلا ففي كلام مولانا وأستاذنا – أعلى الله مقامه وفرع في الخلد أعلامة – ليس فيه ما يوهم التشبيه والاشتباه أو يكون ظاهراً فيما ينافي ما عليه الفرقة المحقة – حاشا وكلا – بل ما صدر منه إلا وقارنه ببيان فصيح وذكر صريح يكشف معضلة ويفتح مقفلة لمن يفهم ويعرف ويحكم وينصف ولكن الأمر كما قال الشاعر:

إذا لم تكن للمرء عين صحيحة

                                    فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

فقبل وضوح الأمر ثبوت المخالفة كيف يدخل في قوله: ألا فمن أول كلماتهم , ثبت العرش ثم انقش وهل بعد تصريح بأن مرادي من هذا الكلام هذا المعنى الصحيح لا الذي توهمت فهل يبقى للتأويل مجال ؟! أليس هو النص في المطولب , وهل سمع من أحد من الجهال – فضلا عن العلماء – أن الظاهر يعارض النص أو يكون الظاهر حجة بعد تحقق النص , أليس النص بالنسبة إلى كل كلام تنصيص القائل بمراده وتصريحه بما في باله ؟!

وما أشبه هذه المعارضة بقول ذلك الحشوي الصوفي لما حضر عند مولانا الصادق عليه السلام وذكر أنه ممن يروي الحديث من العلماء و وقال له جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام أنه قال: ( إن الله تعالى تجلى لموسى عليه السلام بصورة شاب أمرد وذكر روايات آخرى من هذا القبيل ونسبها كلها إلى الامام الصادق ثم قال له الامام عليه السلام هل تعرف جعفر بن محمد قال: لا قال عليه السلام لو عرفته وقال لك إن هذا القول ليس قولي وأنا بريء من هذه العقائد , هل تقبل منه أو لا ؟ قال: لا لأنه الذي أخبرني أوثق منه ( ذكرت مختصر الحديث بالمعنى إذ لم أحفظ لفظة وهو مذكور بطوله في كتاب العوالم والبحار ).

وما نحن فيه بعينه ذلك قال تعالى ( لتركبن طبقاً عن طبق  ) وقال تعالى ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) فافهم الكلام وعلى من يفهم الكلام السلام.

الوجه الثالث:

حذواً بالعماء الآعلام

إن ما ذكرتم ليس قدحاً في الشيخ – أعلى الله مقامه ورفع في الخلد أعلامة – وحده بل هو قدح في عامة علماء الشيعة واساطين الشريعة إذ لم يسلم منهم أحد غالباً إلا وذكر ما في ظاهره المنافات والمخالفة لظاهر الشريعة.

الشيخ الصدوق قدس سره

مثل ما ذكره الصدوق قدس سره في إثبات السهو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام كما قال في الفقيه: ( وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله يقول أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن نرد جميع الأخبار , وفي ردها إبطال الدين والشريعة وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرد على منكريه إن شاء الله تعالى ).

وقال أيضاً فيه: ( قال مصنف هذا الكتاب أن الغلاة والمفوضة – لعنهم الله – ينكرون سهو  النبي صلى الله عليه وآله وسلم – إلى آخر كلامه ).

وأنت خبير بأن عصمة الأنبياء عن السهو والنسيان من ضروريات مذهب الشيعة , مع أن الصدوق أنكره ولعن من ينكر السهو , فلو حملت هذا الكلام على ظاهره لزم شمول اللعنة على جميع الشيعة وعلمائهم , ويلزم منه خروج عن المذهب , مع أنه لم يطعن عليه أحد بذلك , ولم ينسبه أحد إلى الخروج عن المذهب ولا إلى الإهانة بالدين حيث لعن أساطين العلماء من الشيعة المخلصين المنكرين لسهو النبي والأئمة عليهم السلام , فيجب أن يجعل سهوه على الإسهاء والنسيان إلى الإنسان , واللعن على من يقول بعدم سهوهم مستقلة , وكيف ينسب مثل الصدوق مثل الخروج عن الدين مع عظم شأنه ونبالة مكانه ؟! وشهد له الإمام القائم عجل الله فرجه بالخير والسعادة.

السيد المرتضى قدس سره

ومثل ما ذكره السيد المرتضى في رسالة له مختصرة: ( بأن الله ليس إلها للجوهر الفرد والأعراض ) وهذا – كما ترى – صريح في إنكاره لضرورة الدين , فإن الله سبحانه إله كل شيء وخالق كل شيء ووارث كل شيء , ولم ينسبه رحمه الله أحد من العلماء إلى هذا , بل حكموا عليه بالوثاقة في اعلى مراتبها , فظهر أنهم لم يحملوا كلامه على ظاهره , بل وجهوا له توجيهاً وجيهاً وذكروا له محملاً صحيحاً مطابقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام وما عليه فرقة المحقة , ولو حملت العبارة  على ظاهرها لم يكن شيء أصرح منها في الدلالة على الكفر والزندقة.

وهي بالضرورة أصرح بالدلالة على ا لمخالفة من عبارات شيخنا وأستاذنا – أعلى الله درجته , ورفع في عليين منزلته – ولست أدري ما بالهم يأولون هنالك ولا يأولون هنا ؟!.

العلامة المجلسي قدس سره

ومثل ما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله في رسالته الفارسية المسماة بصراط النجاة وذكر فيها المقدورات ثم قال كلاماً حاصله: ( إن المقدورات ثلاثة: منها ما هو مقدوراً لله وليس مقدوراً للخلق , ومنها ما هو مقدوراً لله وللخلق , ومنها ما هو مقدوراً للخلق وليس مقدوراً لله ) وهذا كما ترى بظاهره يدل على أن الخلق أقدر من الله تعالى , وهذا مخالف لضرورة الإسلام , وهل يجوز لعاقل نسبة هذا الأمر الشنيع والفضيع إلى مثل هذا العالم الرباني والفاضل الصمداني الناشر للأخبار والغواص في بحار الأنوار ؟

ولهذا لم ينسبه أحد إلى هذا القول وما هذا إلا لأنهم صرفوا كلامه رحمه الله من ظاهره وأولوه بما يطابق الحق فلو لم يكن التأويل والحمل ووقوع المتشابه شيئاً معلوماً عندهم لما صدر منهم أمثال هذه الكلمات.

المقدس الأردبيلي قدس سره

مثل ما ذكره المقدس الأردبيلي قدس سره في حاشيته على الحضرمي , من جوازه التركيب العقلي على الله , مع كون التركيب مطلقاً علامة الحدوث مما أجمع عليه المسلمين , بل المليون بل كافة العقلاء , فوجب حمل كلامه على معنى صحيح , إذ لم يجعله أحد من العلماء قادحاً في وثاقته , فضلاً عن عدالته , فضلاً عن إيمانه , فضلاً عن إسلامه , ولو لم يجز الحمل والتأويل لكان هذا القول صريحاً في الكفر والزندقة , وجلالة شأن القائل تابى عن ذلك.

المحقق الخوانساري قدس سره

ومثل ما ذكره المحقق الخوانساري آقا جمال في حاشيته على حاشية قديم التجريد: من جواز انتزاع الأزمنة الغير المتناهية والمدد اللانهاية لها من ذات الله عز وجل , وأن ذات الله تعالى بذاته منشأ لهذه الإنتزاعات. وهكذا كما ترى بظاهره يستلزم الانفصال والاقتران , وقد أجمع العلماء وكافة المسلمين وغيرهم على أن أكوان الأربعة التي هي: الاقتران والاجتماع والحركة والسكون من علامات الحدوث , مع أنه لم يطعن في هذا المحقق بالكفر والخروج عن الدين أحد من العلماء , وليس هذا إلا حمل كلامه وتأويله وصرفه عن ظاهره كما هو الطريقة المقررة للعماء خلفاً عن سلف.

الملا محسن الكاشي قدس سره

وما ذكره الملا محسن الكاشي صاحب الوافي والصافي , وله كلمات قبيحة بظاهرها يخالف الشريعة والملة , وأنا أذكر شطراً مما أحفظ من عباراته بألفاظه.

منها: ما ذكره في الكلمات المكنونة: ( أن الوجود إن أخذ بشرط شيء فهو الوجود المقيد وإن أخذ بشرط لا شيء فهو الوجود العام البديهي وإن أخذ بلا شرط فهو الوجود المطلق وهو الذي يطلق على الله دون الأولين وهذا الوجود في نفسه ليس بمتكثر ولا متعدد ولا مختلف بل تلزمه هذه المراتب بحسب مراتبه ومقاماته المنبهة عليها بقوله تعالى: ( رفيع الدرجات ذو العرش ) فيصير كلياً وجزئياً وجنساً وفصلاً من غير حصول تكثر في ذاته ).

انظر الآن في هذا الكلام وتصريحه بالقول بوحدة الوجود الذي أجمع المسلمون على بطلانه وتكفير القائل به , وذكر اصطلاحه في الوجود المطلق إذا اطلق بالمعنى المذكور , ولا أراكم تحكمون بكفره مع أن عبارات مولانا وأستاذنا – أعلى الله مقامه – لا تبلغ معشار ما في هذا الكلام من ا لتصريح بالمخالفة لضرورة الإيمان والإسلام.

منها: ما ذكره بكلماته ايضاً بما لفظه: ذات الإسم الباطن بعينه هو ذات الإسم الظاهر والفاعل بعينه هو القابل والأعيان الثابتة عينه الغير المجعولة والفعل والقبول له يدان وهو الفاعل بإحدى يديه والقابل بالأخرى والذات واحدة والكثرة نقوش فصح أنه ما أوجد شيئاً إلا نفسه وليس إلا ظهوره ).

ومنها: ما ذكره فيها في بيان القدر وسره وسر سره وساق الكلام إلى أن قال: ( وسر سر القدر أن هذه الأعيان ( الثابتة ) ليست أموراً خارجة عن ذات الحق سبحانه بل هي ذاتيات وآنيات للحق وذاتيات الحق لا تقبل الجعل والتغيير والتبديل والزيادة والنقصان ).

منها: منها ما ذكره فيها أيضاً:

 

فالبحر بحر على ما كان في قدم

                                      إن الحوادث أمواج وأنهار

لا يحجبنك أشكال تشكلها

                             عمن تشكل فيها وهي أستار

وأمثال هذه الكلمات فيها أكثر من أن تحصى لو أردنا استقصاءها لطال بنا الكلام

منها: ما ذكره في الوافي في باب المشيئة والإرادة: إن المشيئة أحدية التعلق وهي نسبته تابعة للعلم والعلم نسبته تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك.

وله من أمثال هذه الكلمات ما لا يحصى ولا يستقصى ذكرنا نوعاً منها تنبيهاً للغافلين وإرشاداً للمسترشدين وإيقاضاً للراقدين ممن يصدق أو يكذب أو يتوقف.

الملا مهدي الناراقي قدس سره

منها ما ذكره العالم الحكيم الملا مهدي النارقي في كتابه المسمى بمشكلات العلوم في ذيل موثقة عمار الساباطي في المعاد وساق الكلام إلى أنه ذكر: ( أن الجسم يشتمل على الأجزاء الأصلية والأجزاء الفضلية , وأن الواجب في المعاد عود الأولى لا الثاني – وساق الكلام إلى أن قال – ولو قلنا بعدم عود الأجزاء – أصلاً أصلية كانت أو فضلية وعود الطينة التي خلق الجسم منها – كما في الحديث – سواء فسرت الطينة بالنفس الناطقة أو غيرها كما القول بالعود الجسمي ) وهذا معنى مختصر كلامه إذ لم أحفظ بلفظه.

وهذا كما ترى لمخالفته لكافة ا لمسلمين , بل وغيرهم من المليين القائلين بالمعاد الجسماني ولولا حمل كلامه على المعنى الصحيح وصرفه إلى وجه وجيه كان ينسب هذا العالم الكامل إلى الخروج من الملة والدين , مع أنه لم ينسبه أحد إلى هذا ولم يطعن عليه بهذا مع أنه من أساطين العلماء وزبدة الفقهاء والحكماء.

الشيخ الحسين النجفي قدس سره

منها ما ذكره الشيخ العالم الورع الشيخ الحسين النجفي في بعض قصائده في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أحفظ بيتاً منها وهو قوله:

هو صنع الإلهي والخلق طراً                   صنع من كاد أن يكون إلها

وقال أيضاً:

إذا كان إيجاد العوالم عنهم           

                               فلا تلم الغالي وإن ضل في الدعوى

وهذا كما ترى صريح في أنه عليه السلام وأهل بيته هم العلل الفاعلية في إيجاد الأشياء وخلق العوالم , وأنتم تقولون إن هذا خلاف ضرورة المسلمين , مع أن هذا الشيخ العظيم الشأن قد اتفقت ألسن العامة والخاصة على توثيقة وجلالة شأنه ونبالة مكانه , وما هذا إلا لأنهم لم يحملوا كلامه إلى ظاهره , بل حملوه على معنى صحيح ووجهوه بتوجيه وجيه يوافق ما عليه ا لفرقة المحقة وغيرهم من العلماء الكاملين والحكماء الرساخين.

ولو أردنا ذكر بعض ما لهم من الكلمات المتشابهات من اختصار العبارات المغلقة المجملة لطال بنا الكلام وأخرجنا عما نحن فيه من اختصار المقام وفيما ذكرنا كفاية لألي الدراية إذ يدرك الذكي بنظر واحد ما لا يدركه البليد بألف شاهد.

فلو كان ذكر الكلمات المتشابهة قدحاً في المتكلم قبل الالتفات إلى المعروف من مذهبه وما يذكره من القرائن الموضحة لمطلبه , لوجب الحكم بكفر هؤلاء الأجلاء الكرام من أساطين العلماء الحاملين للمذهب والدين والحافظين لآثار سيد المرسلين عليه وآله صلوات المصلين أبد الآبدين , والحكم بكفرهم كفر بالله رب العالمين مع أن عبرات مولانا وأستاذنا – أعلى الله مرتبته , ورفع في فسح الجنان منزلته – لا تبلغ معشار معشار مافي عبائر هؤلاء الأجلاء والأكابر العظماء , فالقدح فيه وفيهم قدح في أئمتهم عليهم السلام والقدح فيهم قدح في الله , فاختر لنفسك ما تحلو فإن ما ذكرنا تمام الكلام وعلى من يفهمه السلام.

إشكالات وردود

ولعل بعض القاصرين الغير متأملين في حقيقة الأمر يقول: لو كان الأمر كما ذكرت من وجوب حمل الكلام بما يوافق المذهب والدين فلماذا طعن الشيخ – أعلى الله مقامه – على جماعة من الموحدين مثل الملا محسن الكاشي والملا صدر الدين الشيرازي وغيرهما من العلماء والحكماء ؟ بل ربما حكم بكفرهم وذكر قبائح كلماتهم وفساد عقائدهم , وهلا راعي هذه القاعدة المقررة فيهم وحمل كلامهم على وجه وجيه ومحمل صحيح ؟؟

ثم إن العلماء لز يزل ديدنهم ورأيهم في مقام التوثيق والجرح والتعديل على ظواهر العبارات والكلمات والألفاظ فإنها سفراء المعاني كما هو الظاهر من تتبع كتب الرجال , ولولا ذلك لم يعرف علماء الخاصة من العامة وأهل الإسلام من أهل الكفر , لأن التأويل والتوجيه يجري فيه كل كلام حتى في قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) إذ يجوز أن يقال: أنا عبد ربكم الأعلى وحذف المضاف شائع وذائع , وهذا القول في البطلان بما لا يحتاج إلى البيان فإذن: فالمدار على مدلولات الألفاظ والكلمات وما يظهر للناظر المتتبع.

الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كشف الحق في مسائل المعراج 

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة