[[ كثرة العبادة بغير علي بن أبي طالب هي فواحش و آثام ]]

[[ كثرة العبادة بغير علي بن أبي طالب هي فواحش و آثام ]]

قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه لكميل بن زياد : يا كميل ، لا تغتر بأقوام يصلون فيطيلون ، و يصومون فيداومون ، و يتصدقون فيحسبون أنهم موقوفون .
يا كميل ، أقسم بالله لسمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول : إن الشيطان إذا حمل قوماً على الفواحش مثل الزنى ، و شرب الخمر ، و الربا ، و ما أشبه ذلك من الخنى و المأثم حبب إليهم العبادة الشديدة ، و الخشوع ، و الركوع ، و الخضوع و السجود ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين يدعون إلى النار و يوم القيامة لا ينصرون ؟ (1)

كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الحديث الشريف لا يمكن حمله على الظاهر فقط ، بحيث لا يمكن تصور أن العبادة الشديدة ، و الخشوع ، و الركوع ، و الخضوع و السجود يوصلان الإنسان إلى إرتكاب الفواحش ، كيف و قد قال عز و جل في كتابه الكريم { وَ أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } !!

فالعابد لله سبحانه يكون في حفظ و حرز و أمان من إبليس و ليس على اللعين سلطة عليه بأن يمنعه عن طاعة أو يجره إلى معصية ، و ذلك قول الله عز و جل { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ }
و قوله تعالى { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَ كَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا }

فلفهم الحديث الشريف لا بد من الخروج من حدود الظاهر و العبارة و الغوص في الباطن و الإشارة ، و نفهم حقيقة العبادة من خلال قول آل محمد صلوات الله عليهم ، فلكل ظاهر باطن ، و لكل بدن روح ، و لكل صورة حقيقة و جوهر ، و كذلك العبادة .
فالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و … ليست هي العبادة ، بل مجرد صور ظاهرة لحقيقة باطنة .
فالحقيقة و الجوهر و روح العبادة هي الإمام من آل محمد صلوات الله عليهم ، و الطقوس العبادية ظهورها .
فكل هذه الطقوس لو بلغت ما بلغت لا يمكن أن تفعل أثرها إذا أتينا بها بالصورة فقط من دون الجوهر ، فإنها ميتة لا روح فيها ، لأنها البدن ، و روحها ولاية الإمام من آل محمد صلوات الله عليهم .

لذلك ليس لها أي أثر في القرب من الله تعالى ، فالعابد يظن نفسه أنه يتقرب من الله و هو في الحقيقة يتقرب من إبليس ، لأن عبادته ليست من الوجه الذي أراده الله بل في نقيضه ، أي الوجه الذي أراده الشيطان ، و هو قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : يا كميل ، ليس الشأن أن تصلي و تصوم و تتصدق ، إنما الشأن أن تكون الصلاة فعلت بقلب نقي ، و عمل عند الله مرضي ، و خشوع سوي ، و إبقاء للجد فيها .
يا كميل ، انظر فيم تصلي ، و على ما تصلي ، إن لم تكن من وجهه و حله فلا قبول .(1)

فمن لا يعتقد بأن جميع عباداته و طاعاته ما هي إلا تأكيد على ولاية آل محمد و طاعتهم و وفاءً لبيعتهم في الذر ، لأنهم حقيقة كل عمل يقرب إلى الله سبحانه ، و هذا المعنى وارد عنهم صلوات الله عليهم في الكثير من الروايات و الخطب الشريفة النورانية منها ما ورد عن أبي عبد الله صلوات الله عليه في قوله تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } قال : طائعين للأئمة صلوات الله عليهم .(2)

و منها قول أبو عبد الله صلوات الله عليه : نحن الصلاة في كتاب الله عز و جل ، و نحن الزكاة ، و نحن الصيام ، و نحن الحج ، و نحن الشهر الحرام ، و نحن البلد الحرام ، و نحن كعبة الله ، و نحن قبلة الله ، و نحن وجه الله .
قال الله تعالى { فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه } و نحن الآيات ، و نحن البينات .(3)

فمن أقام ولاية علي بن أبي طالب فقد أقام الصلاة ، أما من يقيم الصلاة بولاية غير علي فليس له شيء ، و ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لسلمان : فمن أقام ولايتي فقد أقام الصلاة ، تصديق ذلك قوله تعالى في الكتاب العزيز : { وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلَاةِ وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } فالصَبر رسول الله ، و الصلاة إقامة ولايتي ، فمنها قال الله تعالى { وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } و لم يقل و إنهما لكبيرتان ، لأن الولاية كبيرة حملها إلا على الخاشعين و الخاشعون هم الشيعة المُستَبصرون .(4)

فمن لا يقيم العبادة بهذه النية و بهذا الفهم من العقيدة الحقة فعبادته رضا لإبليس و ليس لله عز و جل .

أليست العبادة ما ورد ذكره في القرآن الكريم قوله تعالى { وَ أَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا }
العبادة هي الاستقامة ، و هي الإمتحان ، و هي الذكر .

و هذا معنى الآيات بتفسير العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، فعن أبي جعفر صلوات الله عليه في قوله تعالى { و أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً }
قال : يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين و الأوصياء من ولده صلوات الله عليهم ، و قبلوا طاعتهم في أمرهم و نهيهم { لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً } يقول : لأشربنا قلوبهم الايمان ، و الطريقة هي ولاية علي بن أبي طالب و الأوصياء صلوات الله عليهم .(5)

و عن جابر عن أبي جعفر صلوات الله عليه في قوله عز و جل { و أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيه }
قال : قال الله : لجعلنا أظلتهم في الماء العذب { لِنَفْتِنَهُمْ فِيه } و فتنتهم في علي صلوات الله عليه ، و ما فتنوا فيه و كفروا إلا بما نزل في ولايته .(6)

و عن ابن عباس في قوله تعالى { وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ } قال : ذكر ربه ولاية عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه .(7)

و عن جابر الجعفي قال : سألت أبا جعفر صلوات الله عليه عن قول الله عز و جل { و مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّه يَسْلُكْه عَذاباً صَعَداً } قال : من أعرض عن علي صلوات الله عليه يسلكه العذاب الصعد ، و هو أشد العذاب .(8)

فمن عبادته ليست بكل تفاصيلها ذكر لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه فهو معرض عن ذكر ربه و هو في العذاب في الدنيا و الآخرة ، و في سلطة إبليس من جميع جهاته ، لذلك إبليس يوسوس له الفواحش و الآثام و يوقعه فيها و يوهمه بالتوبة ، و أنى له بالتوبة و هي لا تقبل سوى من موالي أمير المؤمنين صلوات الله عليه .

و من جهة أخرى كما أن أصل و سر و حقيقة كل عبادة هي ولاية علي بن أبي طالب ، فكذلك أصل و حقيقة كل منكر و معصية هي ولاية الجبت و الطاغوت لعنهما الله ، فعن أبي عبد اللَّه صلوات الله عليه قال : و عدونا أصل كل شرّ ، و من فروعهم كل قبيح و فاحشة ، فمنهم الكذب ، و البخل ، و النميمة ، و القطيعة ، و أكل الربا ، و أكل مال اليتيم بغير حقه ، و تعدّي الحدود التي أمر الله ، و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ، و الزنا ، و السرقة ، و كل ما وافق ذلك من القبيح .(9)

و عنه أيضاً صلوات الله عليه قال : و عدونا في كتاب الله : الفحشاء و المنكر و البغي ، و الخمر و الميسر ، و الأنصاب و الأزلام ، و الأصنام و الأوثان ، و الجبت و الطاغوت ، و الميتة و الدم و لحم الخنزير .
يا داود ، إن الله خلقنا و أكرم خلقنا ، و فضلنا و جعلنا أمناءه و حفظته و خزانه على ما في السماوات و ما في الأرض ، و جعل لنا أضدادا و أعداء ، فسمانا في كتابه و كنى عن أسمائنا بأحسن الأسماء و أحبها إليه .
و سمى أضدادنا و أعداءنا في كتابه و كنى عن أسمائهم و ضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه و إلى عباده المتقين .(3)

فمن على ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه طائع لله قائم بالعمل الصالح و إن كان قاعداً .
و من على ولاية غير علي صلوات الله عليه فهو عاصٍ مذنب مرتكب للفواحش و الآثام و إن كان لا يقارف الذنوب ببدنه .

و ذلك ما ورد عن الصادق عن أبيه عن جده صلوات الله عليهم قال : مرّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مسجد الكوفة و قنبر معه ، فرأى رجلاً قائماً يصلي فقال : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت رجلاً أحسن صلاةً من هذا !
فقال أمير المؤمنين : يا قنبر ، فوالله لرجل على يقين من ولايتنا أهل البيت خير ممن له عبادة ألف سنة .
و لو أن عبداً عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت .(10)

و عن عبد الرحمن بن كثير قال : حججت مع أبي عبد الله صلوات الله عليه فإني معه في بعض الطريق إذ صعد على جبل فنظر إلى الناس فقال : ما أكثر الضجيج ؟!
فقال له داود بن كثير الرقي : يا ابن رسول الله ، هل يستجيب الله دعاء الجمع الذي أرى ؟
فقال : ويحك يا أبا سليمان ، إن الله لا يغفر أن يشرك به ، إن الجاحد لولاية علي صلوات الله عليه كعابد وثن .(11)

فمعنى حديث أمير المؤمنين صلوات الله عليه مع كميل الذي ذكرناه في البداية أن إبليس يحمل المقصرين في ولاية علي صلوات الله عليه على كثرة العبادة و الركوع و السجود و الخضوع ، فهذه العبادة لا تقربه من الله البتة و لا تحصنه من وسوسة الشيطان ، بل تقربه من إبليس بحيث أن العابد عندما يرى في نفسه وسوسة إبليس له في حب الطاعة و العبادة الشديدة و الاستيحاش من تركها يظن أنه أمر رباني من الله فيسكن إليه و يثق به ، و بعد ذلك يأمره بحب الجبت و الطاغوت و قبول ولايتهما ، فيرضخ العابد لهذه الوسوسة ظناً منه أن الذي يوسوس له ملك كريم ، فيقع في حبهما و عدم البراءة منهما ، فعند ذلك تكون عبادته هي نفسها المعاصي و الفحشاء و المنكر .

و ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : يا كميل ، إنه يأتي لك ” الشيطان ” بلطف كيده ، فيأمرك بما يعلم أنك قد ألفته من طاعة لا تدعها فتحسب أن ذلك ملك كريم ، و إنما هو شيطان رجيم ، فإذا سكنت إليه و اطمأننت حملك على العظائم المهلكة التي لا نجاة معها .
يا كميل ، إن الأرض مملوة من فخاخهم فلن ينجو منها إلا من تشبث بنا ، و قد أعلمك الله أنه لن ينجو منها إلا عباده و عباده أولياؤنا .(1)

✍️ #عبدهم_مصطفى

📚 المصادر و المراجع

(1) 📗مستدرك الوسائل|4|95 📗بشارة المصطفى|56 📗جامع أحاديث الشيعة|5|34 📗ميزان الحكمة|3|447 📗بحار الأنوار|74|274

(2) 📗تفسير العياشي|1|135 📗تفسير كنز الدقائق|2|369 📗مستدرك سفينة البحار|6|326 📗البرهان في تفسير القرآن|1|558 📗بحار الأنوار|24|304

(3) 📗تفسير كنز الدقائق|1|5 📗تفسير الصراط المستقيم|2|216 📗تأويل الآيات الظاهرة|1|19 📗مجمع النورين|210 📗تفسير البرهان|1|52 📗بحار الأنوار|24|303

(4) 📗الكلمات المكنونة|211 📗تفسير الصراط المستقيم|4|146 📗تفسير مقتنيات الدرر|1|124 📗مشارق أنوار اليقين|255 📗بحار الأنوار|26|3 📗إلزام الناصب|1|32

(5) 📗الكافي|1|268 📗مرآة العقول|3|10 📗البرهان في تفسير القرآن|5|508

(6) 📗مختصر بصائر الدرجات|178 📗تفسير كنز الدقائق|13|483 📗تأويل الآيات الظاهرة|2|292 📗بحار الأنوار|24|31

(7) 📗التفسير الصافي|5|236 📗تفسير القمي|2|390 📗بحار الأنوار|35|397 📗البرهان في تفسير القرآن|5|511

(8) 📗تأويل الآيات الظاهرة|2|293 📗تفسير كنز الدقائق|13|293 📗مستدرك سفينة البحار|6|274 📗البرهان في تفسير القرآن|5|511 📗بحار الأنوار|35|397

(9) 📗الكافي|8|242 📗الوافي|5|1067 📗ميزان الحكمة|1|115 📗وسائل الشيعة|27|70

(10) 📗مستدرك الوسائل|1|168 📗جامع أحاديث الشيعة|1|439 📗الإمام علي بن أبي طالب|أحمد الهمداني|107 📗بحار الأنوار|27|196

(11) 📗الاختصاص، المفيد|315 📗بصائر الدرجات|378 📗مستدرك الوسائل|1|158

#المعرفة_بالنورانية
للاشتراك واتسآب
+96181266504
تلغرام
http://telegram.me/almarefablnoraneya

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة