قِبلةُ العاشقين

قُل للسَّماواتِ أنَّ البيتَ لاقيها

محلِّقًا نحوَ سقفٍ في عواليها

وأنَّ أنجمَها لا تُرجُمَانَ لها

إلا عليٌّ ، فيا سبحانَ باريها

وقل لساعاتِ دارِ الخُلدِ إذ خَلُدَت

بأنَّ رُوحَ عليٍّ في ثوانيها

وأنَّها رَغمَ إطلاقِ الوجودِ لها

تَقيَّدت بصدى أنغامِ حاديها

وقل لكلِّ أحاديثِ الكمالِ إذا

تواترت أنَّ رُكنَ البيتِ راويها

وأنَّها مُرسلاتٌ في شواردِها

إلا أسانيدَ بدرٍ في مغازيها

بيتٌ ببكةَ لا كالبيتِ ، إذ وُلِدت

فيهِ البيوتاتُ ، والكرارُ يُمضيها

يستقبلُ الفيضَ في سبحانِ سجدتِهِ

فيملأُ الأرضَ من سلطانِ واليها

ويُلهمُ الكعبةَ الألطافَ في غُرَرٍ

كالمُحكماتِ التي شُدَّت رواسيها

يشدُّ كُسوَتَها حتى تُقبِّلَه

كأنَّ قُبلتَها محرابُ كاسيها

يلُفُّ هامتَها من وحي هامتِه

فيهبطُ الوحيُ من أستارِ عاليها

يبثُّها للجثامينِ التي بُعِثَت

حتى ظننتُ بأنَّ الموتَ داعيها

فمَن تكونَُ أبا الثُّوَّارِ؟ أيُّ دمٍ

أجريتَهُ في المنايا حينَ تُدميها؟

ومَن تكونُ أبا الأطهار؟ أيُّ تقىً

عجنتَهُ بالنَّوايا حين تَنويها؟

وما حدودُ سماءٍ فيكَ تجهلُها

ضادُ العروبةِ ، والأفلاكُ تَحكيها؟

وهل تألُّقُكَ البدريُّ يرفعُها؟

أم اجتماعُكَ في البدرينِ يُزهيها؟

وأيُّ قِبلَةِ قُدسٍ جئتَ تُظمِئُها

من ناظريكَ ، وبالقرآنِ تُروِيها؟

حتى إذا طافَ حولَ الحمدِ طائفُها

يتلوكَ فوقَ صراطِ الحمدِ تاليها

يستلهمُ البيتَ أركانًا لموئلِهِ

وروحُهُ بين مِصراعيكَ يُلقيها

غُذِّيتُ باسمِكَ في أعتابِ نافلتي

حتى غدوتَ سلامي في قوافيها

حتى إذا ما استحلَّ الفجرُ آخِرَها

رَدَدتَهُ فاستقرَّت في مَثانيها

واشتدَّ عوديَ في طُوفانِ أدعيتي

إذ ارتشفتُكَ من أحضانِ ساقيها

والتمَّ شملُ شتاتي عندَ مِسبَحتي

لمَّا دنا فَتَدَلَّى مِنك باقيها

وارتاضتِ الروحُ في يُمناكَ وادعةً

تُعطيك من كفِّها عهدًا وتُعطيها

والتذَّتِ الشمسُ في أفياءِ مسرحِها

حينَ استطابتكَ ظلاًّ في فيافيها

هذا إناؤك في الآفاقِ تملؤه

كفُّ الإلهِ سيولًا من أوانيها

يئنُّ عالمُكَ العُلويُّ من حُجُبٍ

وأنت من فوقها صدرٌ يعانيها

يعجُّ صدرُكَ بالأسماءِ حيثُ غدا

يُطيقُ ما شاءَ ممَّا شاءَ واعيها

وأنتَ وحيُ معانيها وأحرُفِها

تعنيكَ في كونها وحيًا وتعنيها

وأنتَ وَحدَتُها في عينِ كَثرَتِها

وأنتَ أولُها في عينِ ثانيها

وليسَ من بينِها معناكَ إذ علمَت

بأنَّ ضربةَ عَمْرٍو لا تُحاكيها

إيهٍ منَ الخندقِ المحفورِ في رئتي

فقد تنفستُ من دُنياكَ ماضيها

يا كاملَ الإِنسِ ، يا أُنسَ الكمالِ ، أما

مِن أرضِ أُنسِكَ في عينيَّ تُذريها؟

أما لغُصنِكَ أن يُضفي على عدمي

مِنَ القُطُوفِ وجودًا حينَ يُضفيها؟

وهل لكفَّكَ أن تعلو جُميجَِمتي؟

لعلَّ يُتمَ دِماغي يرتمي فيها

أبا التُّرابِ ، وهل للتُّربِ مُتَّكَأٌ

ببطنِ مكةَ إلا الدارَ تبنيها؟

ولستُ أدري ، أ فيك الدارُ قد وُلِدَت؟

أم أنتَ فيها ديارٌ لستُ أدريها؟

أم أنتَ بحرٌ عليه الفُلْكُ قد حُمِلَت؟

أم أنَّكَ الفُلْكُ بسمِ الله مُجرِيها؟

توَّهتني فيكَ حتى بتُّ مُنتشيًا

حتى الثُمالةِ علِّي أَبلُغُ التِّيها

فهل قصيدتيَ الورقاءُ تُطرِبُني؟

أم أنَّها رميةٌ من غيرِ راميها؟

فلا العباراتُ تُعطيكَ البدايةَ في

كِنايتينِ ، ولا تُبديكَ مِن فِيها

ولا النهاياتُ تستوفيكَ ، كيفَ وقد

بدأتَ في أمسِها واليومَ تُنهيها؟

أنتَ التناهِي بذاتِ العشقِ ما عشقَت

عينايَ ما يتناهَى في تَناهيها

وأنتَ أوفى تصاميمِ الجَمالِ ، ومِن

صُعودِكَ المنتهى صمَّمتَ وافيها

حتى إذا جاءتِ الأشياءُ قلتَ لها:

بإذنِ ربِّكِ كوني ، ثُمَّ تُقصيها

وأنتَ قرآنُ فجرٍ كنتَ مُلتحِفًا

روائعَ الليلِ تحتَ الفجرِ تُخفيها

إنْ شئتَ يا كعبةَ الإيمانِ ، خُذْ بيدي

وإنْ تشأْ فاقتلعها من أمانيها

أنتَ الوليُّ ، فما للنَّفسِ من نَفَسٍ

وأنتَ في رئتيها قيدَ أيديها

تقسوا رماحُكَ في أصنامِ جارحَتي

حتى تذوَّقتُ شهدًا طعمَ قاسيها

كأنَّ رُمحَكَ في أحشاءِ حَنجَرتي

صوتُ الصراطِ يُدوِّي في نواحِيها

مولايَ ، يا ملتقى الدارَينِ ، خذ بِيَدي

على الصراط ، وَضَعها حيثُ تَكفيها

فأينما وَضَعَتْ يُمناكَ راحِلَتي

تَقَاسَم َالرَّكبُ أنهارًا بواديها

وأنتَ خارطتي نحوَ الفَناءِ ، فَخُذ

ذاتي إليكَ لعلَّ الشَّوقَ يُفنيها

وعلَّ نجوايَ تشكو من لواعِجِها

فيلتقيكَ من الأنباءِ شاكيها

فاضرب على الزادِ حتى يستشيطَ تقىً

واقبض على جمرتي علِّي   أُداويها

عبدالله العليوي

وصلى الله على محمد وآل محمد

١٤٣٧/٧/١٣