في عقيدتِنا الشيعيّة: أُمُّ البنين هي وسيلَتُنا إلى الزهراء وآلها الأطهار “صلواتُ اللهِ عليهم” لكن.. كيف نالتْ مولاتُنا أُمُّ البنين هذهِ المنزلةَ..؟

في عقيدتِنا الشيعيّة: أُمُّ البنين هي وسيلَتُنا إلى الزهراء وآلها الأطهار “صلواتُ اللهِ عليهم”
لكن.. كيف نالتْ مولاتُنا أُمُّ البنين هذهِ المنزلةَ..؟
:
(أمُّ البنين).. عُنوانٌ إذا أُطلِقَ في الوسطِ الشيعي عُموماً وفي الوسطِ الحُسيني خُصوصاً.. فأوّلُ شيءٍ يتبادرُ إلى الذهنِ حينَ يُسمَعُ هذا العنوان (أمُّ البنين) يَتبادرُ معنى: التوسّل، الوسيلة، بابُ الحوائج، قضاءُ الحاجات، بلوغُ المرام، الوصولُ إلى المُراد.. وكلُّ هذهِ المضامين تَجتمعُ في عُنوانٍ واحد هو (التوسّل)..
التوسّلُ في ثقافةِ الكتاب والعترة يُمثّلُ هويّتَنا الشيعيّة.. والمُرادُ مِن ذلك هو أنَّ التوسّلَ يُشكّلُ المضمونَ الفِكريَّ والعقائديَّ الشامِلَ في دِيننا.. فَمُحتوى عقل الإنسان ومُحتوى قلب الإنسان هُو هذا الذي يُقال لهُ (هويّةُ الإنسان).. فالتوسّلُ هُو هويّتنا الشيعيّة كما تُشيرُ إلى ذلكَ الزيارةُ الجامعةُ الكبيرةُ في هذهِ العبارات، حين نقولُ ونحنُ نُخاطب المعصومين “صلواتُ اللهِ عليهم”:
(مُحتجب بذمّتكم مُعترفٌ بكم مُؤمنٌ بإيابكم مُصدّقٌ برجعتكم مُنتظرٌ لأمركم مُرتقبٌ لِدولتكم آخذٌ بقولكم عاملٌ بأمركم مُستجيرٌ بكم زائرٌ لكم لائذٌ عائذٌ بقُبوركم، مُستشفعٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بكم، ومُتقرّبٌ بكم إليه، ومُقدّمُكم أمامَ طَلِبَتي وحوائجي وإرادتي في كلّ أحوالي وأُموري، مُؤمنٌ بسرّكم وعلانيتِكم وشاهدِكم وغائبِكم وأوّلِكم وآخرِكم ومُفوّضٌ في ذلكَ كلّه إليكم، ومُسلّمٌ فيه معكم، وقلبي لكم مُسلّم ورأيي لكم تَبَع ونُصرتي لكم مُعدّة…)
هذهِ التفصيلاتُ والمُفردات هي التي تُشكِّلُ الهويّةَ الشيعيّة.
فحين تقولُ الزيارةُ الشريفةُ: “مُستجيرٌ بكم”.. فالإستجارةُ توسّل.. لأنَّ الذي يستجير يكونُ خائفاً، يعني مُحتاجاً.. فالمستجيرُ هو المُضطر، والذي يعيشُ حالةً مِن الاضطرار فإنّهُ يذهب ويتوجّه إلى الجهةِ التي تُنقذهُ مِن هذا الاضطرار.
• أيضاً حين تقولُ الزيارةُ الشريفة: “زائرٌ لكم” فالزيارةُ هي توسّلٌ أيضاً.. بل هي مِن أوضحِ مصاديقِ التوسّلِ في دِيننا.. وكذلكَ حِين تقولُ الزيارةُ الشريفةُ: (لائِذٌ عائِذٌ بِقُبُورِكُم) فالَّلوذُ والعَوذُ بقُبورِهم مِن أوضحِ مَصاديقِ التوسّل.
أيضاً حينَ تقولُ الزيارةُ الشريفةُ: (مُسْتَشْفِعٌ إِلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِكُم) فهذا مِصداقٌ آخرٌ أيضاً مِن مصاديقِ التوسّل.. فهي تَحملُ نفسَ المضمونِ الواردِ في دُعاءِ التوسّل المعروف: (يا وجيهاً عند اللهِ اشفعْ لَنا عند الله).
فهذهِ العبائر الشريفة هي مصاديقُ واسعةٌ عريضةٌ مِن التوسّل، وهي مصاديقُ عميقةٌ جدّاً.. لأنَّ الزيارةَ الشريفةَ تقول: (مُستشفعٌ إلى الله عزّ وجل بكم، ومُتقرّب بكم إليه، ومُقدّمكم أمام طلبتي وحوائجي وإرادتي في كلّ أحوالي وأُموري) يعني نُقدّمُ مُحمّداً وآلَ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم” في كُلّ الأحوال والإرادات.. هذا هو التوسّلُ الذي يُريدهُ مِنّا أهلُ البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”.. أن نتوسّلَ بهم في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.. وبِحَسَبِ هذا الوصف فنَحنُ لا يُوجدُ عندنا حتّى واحد بالمئة مِن التوسّل.. لا عند كِبارنا ولا عند صِغارنا، فهذا المضمونُ يُشيرُ إلى معنىً واسعٍ وعميق مِن التوسّل.. هذا هو المُراد مِن أنَّ التوسّل هُو هويّتُنا الشيعيّة.. فالهويّةُ – كما مرَّ – هي المضمونُ الفِكريُّ الشاملُ للإنسانِ.. والتوسّلُ شيءٌ واسعٌ يُغطّي جميعَ أنحاءِ الحياة.
✦ الأمر الآخر الذي لابُدَّ مِن الإشارةِ إليهِ هو:
أنَّ التوسّلَ في عقيدتِنا على مَراتب.. فهُناك توسّلٌ بهم “صلواتُ اللهِ عليهم”، يعني نتوسّلُ بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ إلى اللهِ سُبحانَهُ وتعالى.. وهُناك توسّلٌ في مَرتبةٍ ثانية وهي أنَّ نتوسّل إلى أهل البيت بأوليائهم.. يعني نُقدّمُ أولياءَ أهل البيت وسيلةً للوصول إلى أهل البيت، كالتوسّلِ بأُمّ البنين أو بأبي الفضل العبّاس أو بالسيّدةِ المعصومة.. فنتوسّلُ بِهذهِ الوجوداتِ الطاهرةِ المُطهّرةِ التي تأتي مِن بعد الأئمةِ المعصومين الأربعةِ عشر.. وهذهِ المضامينُ واضحةٌ في كلماتِ أهل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما تُشيرُ إلى ذلك زيارةُ عاشوراء – على سبيل المِثال – حيثُ نقرأ فيها هذهِ الفقرة: (وأتَقرَّبُ إلى الله ثُمَّ إِليكُم بِمُوالَاتِكُم ومُوالاةِ وَليِّكُم)
هذهِ الفقرة مِن زيارةِ عاشوراء تشتملُ على ما يُعرَفُ في الّلغةِ بأسلوب “الطيّ والنشر في الكلام”..
فبإسلوب الطيّ يكونُ معنى العبارة هكذا : أتقرَّبُ إلى اللهِ ثُمَّ إليكم بمُوالاتكم ومُوالاةِ وليّكم.. أي أنَّني أتقرّبُ إلى اللهِ بمُوالاتِكم ومُوالاةِ وليّكم وأتقرّبُ إليكم أيضاً بمُوالاتكم وبمُوالاة وليّكم.
أمَّا بأسلوبِ النشْرِ والتفصيل فالكلامُ يكونُ هكذا : إنِّي أتقرَّبُ إلى اللهِ بمُوالاتكم وأتقرَّبُ إليكم بمُوالاةِ وليّكم.
وعلى نفس هذا النَسَق حينَ نستمرُّ مع زيارةِ عاشوراء، نقرأ فيها هذهِ العبارة أيضاً: (فأسألُ اللهَ الّذِي أكرمَني بِمَعرِفتِكُم ومَعرِفةِ أوليائِكُم)
المُرادُ مِن أوليائهم “صلواتُ اللهِ عليهم” هُم هذهِ الوجوداتُ الطاهرةُ المُطهّرة.. فالكرامةُ إنّما تَنالُنا بِمعرفةِ أولياءِ أهل البيت في المراتبِ العاليّةِ كالعقيلة زينب وأبي الفضل العبّاس وأُمّ البنين والسيّدةِ المعصومة.. الكرامةُ تنالُنا بمعرفةِ هذهِ الوجوداتِ الطاهرةِ التي تأتي مِن بعدهم “صلواتُ اللهِ عليهم”.
فحين تقولُ الزيارةُ الشريفة: (فأسألُ اللهَ الّذِي أكرَمَني بِمَعرِفَتِكُم ومَعرِفَةِ أوليَائِكُم) فهي تُشيرُ إلى مَرتبتين مِن مَراتب التوسّل:
توسّلٌ بهم “صلواتُ الله عليهم”.. وتوسّلٌ إليهم.
فنحنُ نتوسّلُ بهم إلى اللهِ، ونتوسّلُ إليهم بهذهِ الوجوداتِ الطاهرةِ المطُهّرة.. كما تُشيرُ إلى ذلك أيضاً هذهِ الفِقْرة مِن دُعاء علقمة الذي يُقرأ بعد زيارةِ عاشوراء والمرويّ عن إمامنا باقر العلوم.. حِين يقول الدُعاء: (ليس لي وراءَ اللهِ ووراءَكُم يا سادتي مُنتهى) يعني أنَّ نهايةَ الأُمورِ عندكم.
فالتوسّلُ إمّا أن يكونَ بهم إلى الله.. وإمّا أن يكونَ التوسّلُ إليهم “صلواتُ اللهِ عليهم” بهذهِ الوجوداتِ الطاهرةِ المُطهّرة مِن أوليائهم كمولاتِنا أُمّ البنين التي نَعيشُ في أيّامِ رحيلها “صلواتُ الله وسلامهُ عليها”.
فأُمّ البنينِ هي وسيلتُنا إلى مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد.. وعلى وجهِ الخُصوص هي وسيلتُنا إلى الزهراءِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.
✸ السؤال الذي يطرحُ نفسهُ هُنا: كيف نالتْ مولاتُنا أمُّ البنين “صلواتُ اللهِ عليها” هذهِ المنزلةَ الرفيعةَ جدّاً بحيث صارتْ أُمّ البنينِ هي وسيلتُنا إلى الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ اللهِ عليها”..؟
الجواب هو: أنَّ أُمَّ البنين “صلواتُ اللهِ عليها” نالتْ هذهِ المنزلة بتوسّلُها وانقطاعِها للزهراء “صلواتُ اللهِ عليها”.. فأُمُّ البنين انقطعتْ إلى الزهراء، وبعبارةٍ أخرى: فَنَتْ في فناءِ الزهراءِ “صلواتُ اللهِ وسلامُه عليها”.. فحينَ فنى وُجودها في ولائِها للزهراء صارتْ بهذهِ المنزلة.
ولِتقريب المعنى نأتي بهذا المِثال:
أنتَ حينما تقفُ أمامَ المرآةِ مثلاً وتَرى صُورتكَ فيها.. فأنتَ تارةً تَغفَلُ عن الِمرآةِ، ويتوجّهُ ذِهْنكَ إلى صُورتكَ فقط.. وتارةً العكس: أنتَ تَغفلُ عن صُورتِكَ ويكونُ توجُّهُكَ إلى المرآة.. وسببُ ذلك هُو حالةُ الفناءِ بين المِرآة والصُورة.
وهذا مُجرّدُ مِثال تقريبي فقط.. والأمثلةُ كما يقولون: تُقرّبُ مِن وجهٍ وتُبعّدُ مِن وجوه..
أمُّ البنين “صلواتُ الله عليها ” لأنّها فنتْ في فناءِ الزهراء “صلواتُ اللهِ عليها” وانقطعَتْ انقطاعاً كاملاً إلى الزهراء.. لِذلكَ صارَ الذي يتوسّلُ بها كأنّهُ يتوسّلُ إلى الصدّيقةِ الكُبرى “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”..
ولذلكَ أمُّ البنينِ هي وسيلتُنا للصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء.. فأمُّ البنينِ فَنَتْ في وِلاءِ فاطمة، فَنَتْ في مَحبّةِ فاطمة، فَنَتْ في طاعةِ فاطمة، فَنَتْ في البراءةِ مِن أعداءِ فاطمة، فَنَتْ في الإخلاص والوفاء لفاطمة، وأحبّتْ أولادَ فاطمة..
أحبّتْ حَسَناً وحُسَيناً لِفاطمة، وأحبّتْ حُسيناً لِحُسين.. ولِذا تَعلّقتْ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها” بسيّدِ الشُهداءِ تَعلّقاً لا نَجدُ عباراتٍ يُمكنُ أن تَصِفَ طَبيعةَ هذا التعلّق..!
يَعجزُ البيان حقّاً ويَعجزُ الّلسان وتَعجزُ الكلماتُ عن بيانِ طبيعةِ علاقةِ أمُّ البنين بسيّد الشهداء..!
:
#الثقافة_الزهرائية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة