📚 *فلسفة تحريم الغناء.*
🎤 *آية الله السيد منير الخباز حفظه الله*
الكثير من الإخوة الشباب يطرح هذه الشبهة: لماذا الإسلام يحرّم الغناء؟! لماذا الإسلام يمنعنا عن هذه اللذة الممتعة؟! أليس الإسلام دينًا إنسانيًا؟! مقتضى الإنسانية والفطرة الإنسانية أن يُفْتَح لنا المجال لإشباع لذاتنا، خصوصًا لذة الأغنية، فلماذا يحرّم الإسلام علينا ذلك؟! الإسلام لا يحرّم علينا أن نسمع صوت هديل الحمام مثلاً، ولا صوت خرير الماء، وغيرها من الأصوات الطبيعية الجميلة، فلماذا يحرّم الصوت الجميل للمرأة إذا كان كسائر الأصوات الجميلة؟!
الإسلام – كما ذكر علماء العرفان – يريد أن يربي عند الإنسان ظاهرة الانقياد والتعبّد، وحتى يتضح المقصود من ظاهرة الانقياد والتعبد نضرب مثالاً: الجندي الذي يخضع للتدريب يكون فوقه ضابط يأمره بأوامر لا هدف لها ولا فلسفة وراءها، فيقول لها: استرح، استعد، يمين، شمال، اصعد، انزل، افعل كذا… ويأمره بتمارين قاسية وبتدريبات مختلفة لا لهدف إلا لتربيته على الانقياد والطاعة والتعبد من دون مناقشة، فهذا المسؤول يربّي الجندي بتدريبات مختلفة قاسية لأجل هدف واحد، وهو تربيته على روح الانقياد والطاعة والاستماع للأمر.
الإسلام عنده هذا المنطلق، ولذلك يقول: صل صلاة المغرب ثلاث ركعات، وصل صلاة الفجر ركعتين فقط، وصل صلاة الظهر أربع ركعات في الحضر، وارم جمرة العقبة بسبع حصيات، وطف بالبيت سبعة أشواط… فلماذا لا نصلي الفجر ثلاث ركعات؟! ولماذا لا نصلي الظهر ركعتين؟! ولماذا لا نرمي الجمرة بثمان حصيات؟! ولماذا لا نطوف بالبيت ستة أشواط؟! هذه كلها حدود لتربية روح الانقياد عند الإنسان، إذ أن هناك أمورًا غيبيةً تعبديةً أمر بها الإسلام لهدف تربية الإنسان على روح الانقياد. ألا تعترف بأن هناك مولى لك خلقك وأنعم عليك؟! إذا كنتَ معترفًا بوجود المولى، فإن مقتضى التعبد بمولويته أن تطيعه وأن تنقاد لأوامره.
أما إذا تفلسف الإنسان وقال: أخبرني لماذا تحرّم وإلا لن أطيعك! أخبرني لماذا توجب وإلا لن أطعيك! إذا كان هذا منطقك فلستَ عبدًا! إذا كنتَ عبدًا وهو مولاك فعليك الانقياد لأوامره، وأما إذا وقفت أمام كل أمر يأمرك بك، وإن لم تفهم الحكمة لم تطع، فإنك حينئذٍ لستَ عبدًا، لأن مقتضى العبودية إطاعة أمر المولى.
قصة بشر الحافي:
كان بشر من الأثرياء المترفين، حيث كان يملك الأموال الطائلة، ولكن كما قال القرآن الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، فبمجرد أن تكون عنده سيارة فخمة ووسادة ناعمة وفلة واسعة فإنه ينجرف نحو المعاصي والشهوات، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، ومن هنا انطلق بشر إلى المعاصي، حيث قاده الترف والبذخ إلى الرذيلة، فصار بيته بيتَ الرقص والغناء والمجون، فكان يستأجر المغنيات للغناء في بيته.
مر الإمام الكاظم  وأصوات الغناء تتعالى من بيت بشر، فوجد إحدى جواريه قد خرجت من البيت لتلقي القمامة، فالتفت إلى الجارية، وقال لها: بيت من هذا؟ قالت: بيت بشر، قال: هل سيدك عبدٌ أم حرٌ؟ قالت له: حر، قال: صدقتِ، لو كان عبدًا لأطاع مولاه. دخلت الخادمة وأبلغت بشرًا بالموضوع، فتغير بشر وارتعدت فرائصه، وخرج من البيت حافيًا يهرول إلى الإمام الكاظم ، فدخل عليه وقال: أنت الذي مررت بالبيت وقلتَ للجارية كذا وكذا؟ قال: نعم. إلى متى تتوب يا بشر؟ إلى متى ستخاف الله؟ إلى متى ستربي نفسك على الخوف من الله؟ وصار من العبّاد، فسمّي بشر الحافي لأنه خرج إلى التوبة حافي القدمين.
لو عاش الإنسان في مجتمع منفتح، واستطاع أن يستمع للغناء، وأن يمارس اللذة الجنسية في أي وقت، وأن يرتكب أي معصية، فحينئذٍ لا رادع أمامه إلا الخوف من الله، ولذلك ورد عن الإمام الصادق : ”خف الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنك يراك، وإن كنتَ ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنتَ أنه يراك ثم برزتَ له بالمعصية – وكأنك تتحدى أوامره – فقد جعلتَه من أهون الناظرين إليك“، ويقول القرآن الكريم: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ويقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
المسألة مسألة تعبد بأمر المولى، والمسألة مسألة الخوف من المولى، والمسألة مسألة الخشية من الله «عز وجل»، وهذا هو العائق الحقيقي والحاجز الحقيقي أمام المعاصي وأمام استماع الغناء وأمام الانجراف وراء هذه الأمور. وقد ورد عن الإمام الصادق : ”بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تستجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك“، فهل يسرك أن يكون بيتك مهجورًا من قِبَل الملائكة ومعمورًا من قِبَل الشياطين؟! هل يسرك أن يكون بيتك محلاً للفجائع؟!
الكثير من الناس يظنون أن الفجيعة هي الكارثة المادية، كالحريق مثلاً، والحال أن الفاجعة قد تكون في الدين أو في العرض، ولذلك نقرأ في الدعاء: ”اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا“، فإن البيت إذا غمرته الموسيقى وغمره الغناء وغمرته الأفلام من أول النهار إلى الليل فإن هذه الأمور تؤثر على نفوس أهل البيت شيئًا فشيئًا، وبمرور الوقت ينجر أهل البيت بالتدريج شيئًا فشيئًا للمعاصي والفسق والرذائل، وقد يصل بيت الغناء إلى أن تقام فيه جريمة الزنا والفواحش بشكل طبيعي؛ نتيجة انغمار الإنسان تحت تأثير الغناء، وتحت دافعية الموسيقى المطربة، وهنا تكون الفجيعة: الفجيعة في العرض، والفجيعة في الدين.