[[ علم الرجال الناصبي و دوره في تحطيم حديث أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين (٥) ]]
..سنُحاكم في هذه الحلقة علم الرجال ، و سنضع علم الرجال في محكمة القرآن ، هم عليهم السلام قالوا اعرضوا الأشياء على القرآن ، إذن فقاعدةُ المعلومات التي نرجعُ إليها هي القرآن ..و هذا قرآنُ محمدٍ و آل محمد صلوات الله عليهم …
في سورة الحجرات الآيةُ السادسة ، الخطابُ للمؤمنين ، و المؤمنون هم شيعةُ عليٍّ كما تقول أحاديثُ أهل البيت ، و التعريف الدقيق للمؤمن : هو المأموم بإمامة الحجة بن الحسن العسكري ، هذا هو أدقُّ تعريفٍ للمؤمن ، و على هذا فالخطاب في يا أيها الذين آمنوا يوجَّهُ حقيقةً إلى المأمومين بإمامة الحجة بن الحسن : { يا أيُّهَا الذينَ آمَنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ ..}:_ فاسق بتقييمٍ من الله ، لا بتقييمٍ من الرجاليين ، و لا بتقييمٍ من عندي أو من عندكم ، فلربَّما أحكمُ على الرجل بالسوء ، أو أحكم عليه بالحُسن ، هكذا ظهر لي و هكذا بدا لي ، و لكنَّ الحقائق ليست كذلك ، و في هذه الآية ، الذي يُصدِر الحكم بالفسق هو الله _ { ..يا أيُّها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ ..} _ أتعلمون هذه الآية كم مرّة نزلت و فيمن نزلت ؟ هذه الآيةُ نزلت مرّتين ، عندنا آياتٌ نزلت أكثر من مرَّة و من جُملة الآيات التي نزلت أكثر من مرَّة هي هذه الآية ، و قطعاً هذه علامة على أهمية هذه الآية ، المرَّة الأولى نزلت في الذين اتَّهموا السيدة ماريا القبطية بالفاحشة ، و التُهمة صدرت من داخل البيت النبوي ..من بين أزواج النبي و كذلك من صحابة النبي ..مجموعةٌ من صحابة النبي و بعضُ أزواج النبي اتّهموا أمَّ المؤمنين السيدة ماريا القبطية بالزنا و بالفاحشة ، و أنَّ إبراهيم ولدَها ليس من رسول الله ، و القِصَّة مُفصَّلة ، قصةُ السيدة ماريا القبطية و آياتُ الإفك و حديثُ الإفك في سورة النور بحسبِ أحاديث أهل البيت ، و ليس المجال لتفصيلِ الكلام فيها ، فهذه الآية تحدَّثت عن الذين رموا السيدة ماريا القبطية بالفاحشة .
و المرة الثانية التي نزلت فيها هذه الآية ، نزلت في الوليد ابن عقبة ، و القِصَّة لها تفصيل مذكور لا مجالَ لإيراده الآن ، يمكنكم أن تُراجعوا كُتب السِيَر و كتب الحديث و كتب أسباب النزول و كتب التفسير ، فالآية نزلت مرَّةً في الذين قذفوا السيدة ماريا القبطية ، و مرَّةً أخرى نزلت في الوليد ابن عقبة ، و الوليد ابن عقبة هو أخو عثمان ابن عفّان من جهةِ أُمَّه ، و هو الوالي الذي نَصَبَهُ عثمان على الكوفة و صلَّى في محرابِ مسجدها صلاة الصُبح بالناس و هو سكران و لم يقرأ الفاتحة و إنَّما رفع صوتَهُ يقول :
هلق القلبُ الربابا
بعدما شابت و شابا
لا ندري هل قالوا آمين بعد تمامِ هذه السورة المباركة أم لم يقولوا !! و حين ركعَ و سجد كان ذكرهُ في الركوع و السجود ( إشرب و أسقني ) بدلاً من ( سبحان ربي العظيم و بحمده )..هذا هو الوليد ابن عقبة !!
فالآية نزلت في بعض نساءِ النبي اللاتي اتّهمن السيدة ماريا القبطية ، و كذلك في بعض كبار الصحابة ، و الآيةُ تحدَّثت عن الوليد ابن عقبة ، و هذا الأمر مُبيّن في رواياتنا و أحاديثنا ..و هؤلاء هم الفاسقون .
{ يا أيها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ…} الحديث هنا عن فاسقٍ حقيقي ، فالتفسيق من الله ، و ليس الكلام عن فاسقٍ ظنّي أو ضعيفٍ في الحديث ، أو ليس موثوقاً ، كما يقول الرِّجاليون و لا ندري من أين يأتون بكلامهم هذا ، ففي كُلِّ كتب الرجال لا توجد مصادر لهذه المعلومات ، و الغريب أنَّ علماءنا يُريدون منَّا و من كتب حديثنا أن تكون الأحاديثُ معلومةً من أيِّ مصدر ، لكنَّهم لا يُطالبون الرِّجاليين بالمصادر التي نقلوا منها أقوالَهم في توثيقِ الرجال أو في تصعيفهم ، فهم لم يذكروا لنا أيَّ مصدرٍ من المصادر في كتبهم ..إنَّه منطقٌ شيطاني ، نعم ، منطقٌ شيطانيٌّ واضحٌ وضوحَ الشمس ، و سنأتي على هذه التفاصيل ، يقول القرآن : { ..يا أيُّها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ..} _ القرآن هنا يتحدَّث عن أمثال الوليد ابن عقبة الذي هو من كبار كبار الفاسقين و من أشرارِهم ، و مع ذلك يقول القرآن لا تردّوا أخبارهم بل تبيّنوا ، لأنَّ العِبرَة ليست في النّاقل أو الرّاوي ، و إنّما العِبرَة في المتن ، كما مرَّ الكلام قبل قليل ، منطقُ القرآن و منطقُ أحاديثهم منطقٌ واحد ، فالروايات التي قرأتُ بعضاً منها في هذه الحلقة أو في الحلقة الماضية من الكافي الشريف تتطابق مائة في المائة مع هذا المضمون القرآني ، هذا هو منطقُ القرآن و هذا هو المنطقُ الرحماني ، فماذا يكون منطقُ علم الرجال و منطقُ الرجاليين ؟ إنَّهُ منطقُ الشيطان و لعنةُ الله على الشيطان و لعنةُ الله على منطقهِ و لعنةُ الله على علم الرجال ..إنَّهُ منطقُ الشيطان !!
هذا هو منطق الرحمان و هذا هو القرآن { ..يا أيُّها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا…}_ إبحثوا و تأكّدوا ، لأنَّ الأصل هو في المتن لا في الرّاوي : _ { .. فَتَبَيَّنُوا أن تُصيبوا قَوماً بِجَهَالَةٍ فَتُصبِحوا عَلَى ما فَعَلتُم نَادِمينَ …} _ أعتقد أنّ الكلام واضح و لا يحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء ، هذا هو القرآن و الآية واضحة و صريحة .
إذن ، هذه الآية ما هو منطوقها ، و ما هو مفهومها ؟؟
هناك مصطلحات يستعملها الفقهاءُ و علماءُ الأصول :
_(المنطوق): منطوق الآية هو الذي نطقت بهِ ألفاظُ الآية ، و منطوق الحديث هو الذي نطقت به ألفاظ الحديث .
_(المفهوم): أمَّا مفهومُ الآية أو مفهوم الحديث : المفهوم ليس موجوداً في الألفاظ و إنَّما يُفهَم من وراء الألفاظ ، أليس هناك قراءة للسطور و قراءة لَمَا بين السطور و ما وراء السطور ؟ المفهوم هو قراءة لِما بين السطور و لِما وراء السطور .
علماؤنا ماذا يفعلون ؟ يتركون منطوق الآية ، مع أنّ المنطوق هو أقوى حُجّةً من المفهوم ، أنا هنا لا أرفض المفهوم لأنَّني أؤمنُ بمنطوقِ الآية و بمفهومها ، لكنني أقول : منطوق الآية هو الاولى و الأهم قبلَ المفهوم ، و لذلك الآية نزلت مرّتين بهذا المنطوق .
ما هو منطوقُ الآية ؟
منطوق الآية : أنَّ الأحاديث أو الأخبار أو الأنباء ، إذا نقلها لكم الفاسق فلا تردّوها ، بل إبحثوا في متونها و نصوصها ، و لكن هذا الأمر يتركهُ علماء الرجال ، و علماء الأصول ، و فقهاؤنا ، فيذهبون إلى مفهوم الآية و يكتفون بذلك !!
و ما هو مفهوم الآية ؟
المفهوم كما يقولون هو أنَّ خبر الثقة حُجَّة ، و ليس هذا هو مفهوم الآية بالدّقة ، هم يقولون هكذا ، و لكنَّ خبر الثقة ليس حجّةً بصورة مسقلّة و مطلقة .
الآيةُ ليسَ مفهومها كما يقولون ، مفهوم الآية هو : أنَّنا نقبلُ خبرَ الثقة و لكن بشرط أن يكون الخبرُ صحيحاً ، إذا كُنَّا مطمئنين لهذا الثقة بأنَّه ليس مُشتبهاً و أنَّ نقلهُ كان دقيقاً ، نعم وثاقتهُ تجعلنا نقبلُ الخبر بهذه الشروط ، أمَّا إذا كان الإنسانُ موثوقاً في نفسهِ لكنَّهُ ليسَ دقيقاً في النّقل ، أي هو لا يكذب و لا ينوي الكذب و لا يُخادِع و لا يفتري ، و لكنَّهُ يحفظُ المنقولات و تتسرَّبُ من حافظتهِ و لا يشعرُ بذلك و حين ينقل يعتقدُ بأنَّهُ ينقلُ المعلومةَ بشكلها الكامل و في الحقيقة ما هو كذلك ، لكنّهُ على تقوىً و ورعٍ في الدين و على وثاقةٍ ، و هو إنسانٌ يُطمَئنُّ له ، فهل هذه الوثاقة تكفي في قبول حديثهِ ؟ أبداً ، لا تكفي …!!
الآيةُ في منطوقها تتحدَّثُ عن أنَّ الأخبار و الأحاديث لا تُرَدّ مهما كان الراوي و الناقل : {..يا أيُّها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ ..} _ حتّى لو كان الذي جاء بالنبأ فاسقاً ، و الفاسق أسوأ ما يُمكن أن يوصف بهِ الإنسان ، بينما أكثرُ الرواة بحسب كتبِ الرِّجال مجهولون ، و المجهول ليس فاسقاً ، و الذي نراه أنّ أكثرَ أحاديثِ أهل البيت يردُّها فقهاؤنا و مراجعنا ، لماذا ؟ لأنَّ الرواة مجهولون بحسبِ كتبِ علم الرجال ! تُرى ما ذنبُ حديث أهل البيت إذا كان الرجالي جاهلاً لا يعرفُ وصفَ هذا الرواي أو ذاك ؟
ثُمَّ لماذا تخالفون القرآن ؟ و القرآن يتحدَّث عن الفاسقين و عن كِبارِ الفاسقين الذين اتّهموا السيدة ماريا القبطية ، و عن أمثالِ الوليد ابن عقبة الذي هو من أشرّ و من أسوأ خلقِ الله الله ، و مع ذلك القرآن الكريم يقول لا تردُّوا أخبارهم و إنَّما إبحثوا في مُتونِها .
فلماذا تردُّون أخبار أولياء أهل البيت و أصحابِ الأئمة المخلصين لمجرّد أنَّ الرِّجالي الفلاني قال عن هذا الصحابي بأنَّهُ مجهول ، و فيما بينهُ و بين الصحابي أكثر من مائتين أو ثلاثمئة سنة ، فكيف يعرفُ ذلك الصحابي ؟ حتماً سيكون مجهولاً بالنسبة له ، و هذه قضيةٌ طبيعيّة ، فهو عاجزٌ عن معرفة هذا الرّاوي و هو جاهلٌ به ، فهل بسبب عجزهِ و جهلهِ نحكم على حديث أهل البيت بالإعدام ؟! تُرى منطقٌ رحمانيٌّ هذا أم هو منطقٌ شيطاني ؟ باللهِ عليكم !! كيف تَصفون هذا المنطق و هو يخالفُ القرآن الكريم صريحاً ؟!
الذين قذفوا السيدة ماريا القبطية و الوليد ابن عقبة هم من أعدى أعداءِ أهل البيت ، الآيةُ تتحدَّث عن هؤلاء و مع ذلك تقول لا تردُّوا أخبارهم بل دقِّقوا فيها ، و إذا كان القانون القرآني بهذا الوضوح و كان هذا هو منطوقُ الآية ، فلابدّ أن يكون مفهومها هو أن نقبلُ حديث الثقات و لكن بشرط أن نطمئنّ إلى نقلِهم ، مثل ما نتبيّن من خبرِ الفاسق لابُد أيضاً أن نتبيّن من حالِ هذا الثِّقة هل هو دقيقٌ في النقل أو لا ، إذا كان دقيقاً في النقل فوثاقتهُ هنا لها مدخليةٌ في قبول الخبر ، و إلَّا فالأساس هو المتن ، و لا شأن لنا بالرّاوي أكانَ ثقةً أم لم يكن ثقةً ، اللهم إلَّا إذا كُنَّا نعيشُ في زمنِ الإمام الصادق مثلاً و الإمام يقول لنا بأنَّ زُرارة ثِقةٌ عندي و عليكم أن تقبلوا خَبَره على أيِّ حال ، حينئذٍ سنقبلُ خبر زُرارة لأنّ الإمام صلوات الله عليه وثّقهُ لنا و قال اقبلوا خَبَرهُ على كُلِّ حال ، و إلَّا لو لم يأمرنا الإمام بأن نقبلَ خبرَ زرارة بهذه الكيفية ، فالمنطقُ و العقل و الدينُ يقول بأن نُدقِّقَ في المضامين التي ينقلُها لنا زُرارة ، لأنّنا إذا رجعنا إلى الروايات المنقولة عن زرارة رضوان الله تعالى عليه ، سنجدُ فيها من الأحاديث و المضامين التي تُخالِفُ قواعد و أصولَ أهل البيت بشكلٍ واضحٍ و صريح ، و هذا الأمر يعرفهُ الذين لهم خِبرة بحديثِ أهل البيت ، و أنا جِئتُ بزُرارة هنا مثالاً و إلَّا فهذه القضية تتكرّرُ على طول الخط ، لذلك ، الميزان هو الرجوع إلى المتن و ليس السند ، السندُ لا قيمة لهُ و القرآن أسقطَ قيمة السند في هذه الآية : { يا أيُّها الذين آمنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } _ لا تردُّوا الخبر ، بل تبيَّنوا و تثبَّتوا ، كيف نتبيَّن ؟ هل نتبيَّن من الراوي ؟ الراوي هو فاسق نعرفهُ والله هو الذي فَسَّقَهُ ، و الخبر فيهِ سَندٌ و متن ..السند واضحٌ و هو الراوي ، إذن فماذا نتبيَّن ؟ التبيُّن إذن سيكون في المتن و في المضمون ، القانون الذي ذكرتهُ قبل قليل في الكافي الشريف ، و هو أنّ الحقائقُ تحملُ القيمة في نفسها : (( إنَّ عَلَى كُلِّ حَقيقَةٍ و عَلَى كُلِّ صَوَابٍ نوراً فَمَا وَافَقَ كتاب الله فَخُذُوه و مَا خَالَفَ كتاب الله فَدَعُوه )) _ إذن فعِلمُ الرجال باطلٌ باطلٌ باطلٌ بحسب منطق القرآن و بحسب منطوق هذه الآية ، نعم ، علم الرجال هو منطقٌ شيطانيٌّ بامتياز ، و هذا القرآن صريحٌ في بيانِ هذه الحقيقة .
الغريب أنَّ العُلماء و الفقهاء يهجرون منطوق الآية و يتحدَّثون عن مفهومها ! و منطوق الآية واضح في رفضهِ لعلمِ الرجال ، إذن لماذا تذهبون إلى مفهومها و تُشوِّهون مفهوم الآية و تجعلون ذلك حجةً للعملِ بعلمِ الرجال ، لماذا ؟ أليس هذا تدليس ؟ و هل هذا المنطقُ منطقٌ رحمانيّ أم منطقٌ شيطاني ؟ أنتم قولوا ، الآية واضحةٌ و صريحةٌ _ { إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } _ أي لا قيمة للسند ، إذاً لا قيمة لعلم الرجال ، فلماذا يُغفَلُ عن هذا الجانب و يُقالُ بأنَّ مفهوم الآية هو أنّ خبرُ الثقة حجة فلابُدَّ من البحثِ عن الثقات ، و أنّه لا نستطيع أن نصل إلى الثقات إلَّا عبر علم الرجال ؟! بينما الآية لا تحتمل هذا المفهوم ، بالشكل الذي يراه الرجاليّون و حتّى لو قُلنا بأنَّ الآية تحتملُ هذا المفهوم ، فأين المنطوق إذن ؟ هم يقولون بأنَّ المنطوق أقوى حجةً من المفهوم ، فلماذا هنا يُعمَل بالمفهوم ، و يُترك المنطوق و لا يُعملُ به ؟ منطقٌ رحماني هذا أم منطقٌ شيطاني ؟! إذن علم الأصول و عمليّةُ الاستنباط و علم الرجال و علم الدراية كلُّ ذلك أُسِّسَ على هذا التدليس ، كان أساسهُ باطلاً فهو باطل ، و إذا كانت المقدّمات باطلة فالنتائج باطلة ، و كلّ هذه التي يسمّونها علوماً ما هي بعلمٍ ، و يشملها حديث : (( من أفتى بغيرِ علمٍ أكبَّهُ الله على منخريه في نارِ جهنم )) ..
للبحث تتمة…
[[ مقتطفات من برنامج الكتاب الناطق لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي الحلقة ٤ ]]