سؤال موجه إلى المرجع الكبير السيد الحكيم (طاب ثراه)

سؤال موجه إلى المرجع الكبير السيد الحكيم (طاب ثراه)

سؤال ـ سيدنا الكريم في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا الاسلامية توجد هناك أزمة ثقة في بعض مجتمعاتنا (الإمامية) بين المجتمع ورجال الدين من علماء ومبلغين، ساعد على وجودها ظروف كثيرة لا تخفى على المتابع، فياحبذا لو تفضلتم علينا ببعض النصائح والتوجيهات التي تساعد على التخفيف من تلك الأزمة؟

جواب سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (طاب ثراه) : الأزمة المذكورة من أهم مشاكل هذه الطائفة الممتحنة وأعقدها. وهي بعد مؤشر خير لهذه الطائفة، يناسب صمودها وخلودها، لأنها تكشف عن تحرر المجتمع فيها من التقليد الأعمى لرجال الدين والتبليغ، مما يجعل رجل الدين غير قادر على حرف المجتمع عن مسار هذه الطائفة المستقيم، ونهجها القويم لو سولت له نفسه، وغلبه هواه؛ أو لضغوط خارجية تدعو للانحراف، كما حصل لكثير من الطوائف والمجتمعات.
كما أن رجل الدين والتبليغ إذا كان مستهدفاً للنقد والتمحيص صار حذراً متيقضاً، وحاول تجنب المزالق والبعد عن مواقع التهم وتحفز للتكامل والرقي.
وعلى كل حال يجب على جميع الأطراف الوقوف عند حدود الله تعالى، والحذر من الخروج عنها في سورة التحرر والاندفاع، وتحري رضا الله تعالى، وصدق النيَّة معه.
فيجب على رجل الدين والتبليغ الاهتمام بأداء وظيفته على أحسن الوجوه وأفضلها، وتجنب السلبيات بالقدر المستطاع والاستماع للنقد البناء والتجاوب معه. من دون أن يصل الأمر به إلى إرضاء الناس على حساب المبدأ والواجب مهما كان الثمن.
كما يجب على أفراد المجتمع التشجيع على الاستقامة، وأداء الواجب، ورفض الزيغ والانحراف مهما كان مصدره، والحذر من النقد الهادم غير المسؤول ولا المنصف. نعم، هناك أمر مهم له أعظم الأثر في هذه الأزمة يحسن التعرض له هنا، وهو أمر المال الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله، والذي لم يُحسِن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم انفاقه في ترويج الدين، ورفع أعلامه، والدعوة له، أو في إغاثة ذوي الحاجة المضطرين من المؤمنين.
بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به، ويتوسعون في انفاقه، حيث قد يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر حسب منظور الناس، حيث أوجب ذلك انعكاس صورة سيئة لرجل الدين والتبليغ عند كثير من الناس، وضاع الصالح في هذا الخضم. حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية، وأداء الواجب في الدعوة إلى الله تعالى، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع، وسلبت الثقة منهم، وشاع سوء الظن فيهم، حتى قد يتفاقم الأمر، ونصل إلى ما لا تحمد عقباه.
فالواجب على رجال الدين والمبلغين الصحيحين المخلصين في عملهم، والذين بهم ترتيب الثمرة المطلوبة على جهودهم..
أولاً: أن يبعدوا عن مواقع التهمة، ويتعففوا عن الناس، فلا يطلبوا المال، ولا يتعرضوا لتحصيله، وإن عرض عليهم المال تنزهوا عن قبوله إن كان من سنخ الهدايا والمساعدات الشخصية إباءً وترفعاً.
وإن كان من سنخ الحقوق الشرعية لم يقبلوه لأنفسهم، بل للمرجع الذي يقتنع به دافع المال، أو يقتنعوا به أنفسهم ـ فيما بينهم وبين الله تعالى ـ إن أوكل دافع المال الأمر إليهم، ويؤكدون ذلك بتحصيل الوصل من المرجع المذكور، وتسليمه لدافع المال، ليتضح له وصول المال للمرجع، ثم ينسقوا مع المرجع من أجل إنفاق المال في مصارفه المرضية لله تعالى، بما في ذلك سد الحاجة الشخصية لرجل الدين والتبليغ، الذي هو الواسطة بين المرجع والناس، من أجل أن يستغني عن الناس، ويترفَّع عن الطلب إليهم، ويتعفف عما في أيديهم.
وقد كان سيدنا الجد مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) يؤكد على ذلك مع خاصَّة وكلائه وممثليه، وأوثق الناس عنده، ليبعدهم عن مواقع التهمة، وكان لذلك أفضل النتائج في عهده.
ثانياً: أن لا يتوسعوا في كسب المال وإنفاقه لأنفسهم، ويبعدوا عن مظاهر الجمع والادخار، والبذخ والترف، حتى لو كان المال من مكاسبهم الشخصية، فضلاً عما إذا كان من الحقوق الشرعية.
ويحاولوا إنفاق ما زاد عن حاجتهم منه في المصارف الراجحة، كالخدمات الدينية بوجوهها المختلفة، وإغاثة المضطرين من المؤمنين، وسد عوزهم، وتفريج كربتهم، وإغاثة لهفتهم.
ففي ذلك قبل كل شيء رضا الله تعالى الذي هو من أهم أسباب التوفيق والبركة في العمل، والتسديد في المسعى، ثم هو سبب لتأكيد ثقة الناس برجل الدين والتبليغ، حتى يطمئنوا إليه، ويستمعوا له، فيسترشدوا بإرشاداته، ويقبلوا قوله، ويتعاونوا معه لخدمة هذا المبدأ الشريف المتعَب، الذي قام بحقيقته وواقعيته مع الحجة الواضحة، والبراهين الساطعة، وبجهود المعنيين من معتنقيه، وجهادهم، وتضحياتهم، وبثباتهم، وصبرهم على مر العصور، وتعاقب الدهور، في شدة المحن وتواتر الفتن.
ونسأله سبحانه أن يجعلنا من العاملين في سبيله، المرضيين له، المقبولين عنده، إنه الرؤوف الرحيم بهم.
وقد طال بنا المقام إلى ما لم نكن نحتسب في جواب سؤالكم، أملاً في أن نؤدي بعض الواجب في النصح والتذكير لرجال الدين والمبلغين في أداء واجبهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة