رد الشيخ الأوحد على استدلال المصنف بالعلة على المعلول
وهذا يريد أن البرهان المنفي هو اللمي وهو الاستدلال بالعلة على المعلول , فلما لم تكن له على نفاه , وفيه شيئان :
أحدهما : إن المصنف قد ذكر البرهان عليه , فإن لم يكن لميا كان إنياً , وهو الاستدلال بالمعلول على العلة , فيلزم ثبوت البرهان الإني , واللمي أشرف من الإني , والمصنف ظاهر كلامه نفي مطلق البرهان , لأن البرهان يميز الشيء , والمميز مدرك محاط به , فلا برهان له إلا ذاته .
وثانيهما : إنهم إنما استدلوا عليه بالبرهان اللمي ولا يريدون به ما أراد صاحب هذا القيل , لأنهم يريدون به أن في الخارج موجوداً قطعاً , وهذه القضية هي العلة , وأن بعض ذلك الموجود واجب الوجود , وهذه هي المعلول لتوقفها على الأولى فيستدلون على ثبوت الواجب بثبوت الموجود المطلق , فحالة الإطلاق علة لحالة التقييد والتخصيص , وقد أشرنا سابقاً إلى هذا , وهذا المعنى غير معنى ما أراد صاحب القيل من البرهان اللمي .
ولو أرادوا ما أراد لما استدلوا باللمي في إثبات واجب الوجود , حتى أنهم يجعلون ذلك طريق العارفين والمحققين , والإني طريق العوام والجهال .
وقوله : ( فشهد ذاته على ذاته وعلى وحدانية ذاته ) قيل : لعل مراده بهذه الإشارة إلى ظهوره بذاته بلا واسطة أمر , وشهادته على وحدانيته إشارة إلى كون ذاته المقدسة , بحيث إذا لا حظها العقل لو أمكن يحكم بامتناع أن يكون لها شريك , فذاته تدل على الوحدة , إذ صرف الشيء لا يمكن التعدد فيه , وإليه أشار صاحب التلويحات بقوله : صرف الوجود الذي لا أتم منه كلما فرضته ثانياً , فإذا نظرت فهو هو , إذ لا مميز في صرف الشيء , فوجوب وجوده الذي هو ذاته يدل على وحدته . انتهى .
فقول هذا القال إشارة إلى ظهوره بذاته مثل قول المصنف قبل هذا ( بأن التخصيص الوجود الواجب بالواجبية نفس حقيقته المقدسة ) إلى أن قال : ( وأما تخصيصه بمراتبه ومنازله في التقدم والتأخر , والغنى والحاجة , والشدة والضعف , فبما ( فيما ) فيه من شؤونه الذاتية وحيثياته العينية بحسب حقيقته البسيطة ) . انتهى . وقد تقدم الكلام على قول المصنف .
والقول على هذا كذلك , لأن ظاهره أن ظهوره بذاته , وهذا باطل , لأنه إذا كان بذاته كان لذاته حالتان , وما كان كذلك فهو حادث , لأنه إذا ظهر بذاته بلا واسطة , فإن كان الظهور قديماً لزم عدم وجود البطون , وكان محصوراً في الظهور وإن كان حادثاً اختلفت حالتاه .
وقوله : ( فذاته تدل على الوحدة إذ صرف الشيء لا يمكن التعدد فيه ) .
نقول عليه : إن صرف الشيء لا مدخل له في نوع هذا التوحيد , لأن المراد أنه لا شيء غيره لا أنه لبساطته يكون كل شيء , حتى لا يوجد غيره , لأنا لا نثبت في الأزل شيئاً آخر ( غيره ) ليكون ببساطته مستهلكاً فيه .
فقول صاحب التلويحات : كل ما فرضته ثانياً ليس بشيء إذ الفرض من أحكام الممكنات لا يصح استعماله في الأزل , فتوهم التعدد بالفرض والاتحاد أمور ممكنة .
نعم هذه الأمور التي يشير إليها تصلح في بادىء الرأي للعنوانات لا للذات البحت . ويأتي في كلام المصنف بعد هذا .
المصدر: تراث الشيخ الأوحد كتاب شرح المشاعر الجزء الثالث
الكاتب: الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الإحسائي قدس سره الشريف