رأي الشيخ محمد الحسين ال كاشف الغطاء فيما جرى على الزهراء بعد وفاة ابيها صلى الله عليه وأله وسلم

فاطمة الزهراء عليها السلام
طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الاسلام والقرن الاول : مثل كتاب سليم بن قيس ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده بل وإلى يومنا كل كتب الشيعة التي عنيت بأجوال الائمة , وأبيهم الاية الكبرى وأمهم الصديقة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين , وكل من ترجم لهم وألف كتابا فيهم , أطبقت كلمتهم تقريبا أو تحقيقا في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة : أنها بعد رحلة أبيها المصطفى ضرب الظالمون وجهها ولطموا خدها , حتى احمرت عينها , وتناثر قرطها , وعصرت بالباب حتى كسر ضلها , واسقطت جنينها وماتت وفي عضدها كالدملج , ثم أخذ شعراء أهل البيت سلام الله عليهم هذه القضايا والرزايا , ونظموها في أشعارهم ومراثيهم وأرسلوها إرسال المسلمات : من الكميت والسيد الحميري ودعبل الخزاعي والنميري والسلامي وديك الجن ومن بعدهم ومن قبلهم إلى هذا العصر , وتوسع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر والرابع عشر الذي نحن فيه , كالخطي والكعبي والكوازين وآل السيد مهدي الحليين وغيرهم ممن يعسر تعدادهم ويبفوت الحصر جمعهم وآحادهم , وكل تلك الفجائع والفضائع وإن كانت في غاية الفظاعة والشناعة ومن موجبات الوحشة والدهشة ولكن يمكن للعقل أن يجوزها وللاذهان والوجدان أن يستسيقها وللافكار أن تقبلها وتهضمها , ولاسيما وإن القوم قد اقترفوا في قضية الخلافة وغصب المنصب الالهي من أهله ما يعد أعظم وأفظع ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لايكاد يقبله وجداني ويتقبله عقلي , ويقتنع به مشاعري , لالأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة , بل لان السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الاسلامية وزادتها تأييداً وتأكيداً تمنع بشدة أن تضرب المرأة وتمد اليها يد سوء , حتى أن بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ما معناه : أن الرجل كان في الجاهليةإذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في أعقابه ونسله.
ويدلك على تركز هذه الركيزة بل الغريزة في المسلمين وأنها لم تفلت من أيديهم وإن فلت منهم الاسلام : أن ابن زياد وهو من تعرف في الجرأة على الله وانتهاك حرماته لما فضحته الحوراء زينب عليها السلام , وأفلجته وصيرته أحقر من نملة , وأقذر من قملة , وقالت له ثكلتك أمك يا ابن مرجانه , فاستشاط غضبا من ذكر أمه التي يعرف أنها من ذوات الاعلام , وهم أن يضربها , فقال له عمرو بن حريث وهو من رؤوس الخوارج وضروسها انها امرأة لاتؤاخذ بشيء من منطقها , فإذا كان ابن مرجانه امتنع من ضرب العقيلة خوف العار والشنار وكله عار وشنار وبؤرة عهار مع بعد العهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف لايمتنع اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قرب العهد به من ضرب عزيزته , وكيف يقتحمون هذه العقبة الكؤود ولو كانوا أعتى وأعدى من عاد وثمود . ولو فعلوا وهموا أن يفعلوا أما كان في المهاجرين والانصار مثل عمرو بن حريث فيمنعهم من مد اليد الاثيمة , وارتكاب تلك الجريمة , ولايقاس هذا بما ارتكبوه واقترفوه في حق بعلها – سلام الله عليه – من العظائم حتى قادوه كالفحل المخشوش فإن الرجال قد تنال من الرجال ما لا تناله من النساء .
كيف والزهراء سلام الله عليها شابه بنت ثمانية عشر سنة , لم تبلغ مبالغ النساء وإذا كان في ضرب المرأة عار وشناعة فضرب الفتاة أشنع وأفضع , ويزيدك يقينا بما أقول أنها – ولها المجد والشرف – ما ذكرت ولاأشارت إلى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتظمنة لتظلمها من القوم وسوء صنيعهم معها مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي القتها في المسجد على المهاجرين والانصار , وكلماتها مع امير المؤمنين عليه السلام بعد رجوعها من المسجد , وكانت ثائرة متأثرة أشد التأثر حتى خرجت عن حدود الآداب التي لم تخرج من حظيرتها مدة عمرها , فقالت له : يا ابن ابي طالب افترست الذئاب وافترشت التراب – إلى أن قالت: هذا ابن ابي فلانة يبتزني نحلة أبي وبلغت ابني , لقد أجهد في كلامي والفيته الالد في خصامي , ولم تقل نه أو صاحبه ضربني أو مدت يد إلي وكذلك في كلماتها مع نساء المهاجرين والانصار بعد سؤالهن كيف اصبحت يا بنت رسول الله ؟ فقالت : اصبحت والله عائفة الدنياكن قالية لرجالكن , ولا اشارة فيها إلى شيء من ضربة أو لطمة , وإنما تشكو أعظم صدمة وهي غصب فدك واعظم منا غصب الخلافة وتقديم من أخر الله وتأخير من قدم الله , وكل شكواها كانت تنحصر في هذين الامرين وكذلك كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بعد دفنها , وتهيج أشجانه وبلابل صدره لفراقها ذلك الفراق المؤلم حيث توجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وأله وسلم قائلا : السلام عليك يا رسول اللهعني وعن ابنتك النازلة في جوارك إلى آخر كلماته التي ينصدع لها الصخرالاصملو عاها , وليس فيها اشارة إلى الضرب واللطم ولكنه الظلم الفضيع والامتهان الذريع , ولو كان شيء من ذلك لأشار سلام الله عليه , الأمر يقتضي ذكره ولايقبل ستره , ودعوى أنها أخفتعه عنه ساقطة بأن ضربة الوجه ولطمة العين لايمكن اخفاؤها .

المصدر: كتاب جنة المأوى للشيح محمد الحسين ال كاشف الغطاء الصفحة 61 – 62 – 63 – 64 – 65

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة