دليل العقل والإجماع وكيفية استعمالاها في استنباط الأحكام
دليل العقل والإجماع وكيفية استعمالاها في استنباط الأحكام
السؤال
المعروف أن علماء الشيعة وغيرهم يعتمدون في إصدار الأحكام الشرعية على مصادر أربعة هي: القرآن والسنة ودليل العقل والإجماع. فأريد معرفة ما هو معنى دليل العقل والإجماع والكيفية التي يعتمد عليها في الاستنباط والأحكام.
الجواب
أما العقل إذا كان سليماً , ويحمله العالم العارف. نعم يتمكم من الإستنباط واختيار الأرجح على الراجح من الأحكام , وأما بنفسه واستقلاله لا يمكن أن يكون حجة.
نعم هناك عقول عالية قوية منورة بنور الله , مستعدة من الرحمن المستعان , فوق العقول العادية , فاستنباطه حجة في الأحكام. وقد فسر علماء هذا الفن العقل بالبراءة الأصلية , والاستصحاب , ومفهوم الموافقة المسمى بلحن الخطاب , وفحوى الخطاب ومفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطابة , والدلالة الإلتزامية , واستلزام الامر بالشيء , النهي عن ضده الخاص والتلازم بين الحكمين والخطاب المتدرج فيه مقدمة الواجب.
أقول: شرح وتفسير هذه الكلمات لا يمكن في هذا المختصر ولا ينفعك يا حبيبي , ولكن أمثل لك أمثلة واضحة يسهل عليك معرفة ما تريد.
أما البراءة الأصلية فهي على نوعين:
أحدهما: عبارة عن نفي الوجوب في فعل وجودي إلى ان يثبت دليله بمعنى { الأصل عدم الوجوب } فإذا ابتليت مثلاً بعمل , وشككت فيه , هل انت مكلف بفعله , ولم يصل إليك أمر من الشارع المقدس , فعقلك يحكم بأنه لا يجب عليك فعله.
وثانيهما: عبارة عن نفي التحريم في فعل وجودي إلى أن يثبت دليله , يعني أن الأصل الإباحة , وعدم التحريم , كما قالوا { عدم وجود التحريم دليل على العدم } فبعض المآكل والمشارب والملابس الحديثة التي لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عصر اوصيائه الطاهرين عليهم السلام , فهي بحكم العقل مباحة لنا , لعدم ورود النهي عنها , ولو ان بعضها من الشبهات والأولى الاجتناب عنها فإن في الشبهات عتاب كاستعمال الدخان مثلا وشربها بشرط أن لا يحس فيها ضرر , وإلا يحرم مع الإضرار.
وأما الاستصحاب: فهو على أنواع والبراءة الأصلية التي فسرناها نوع منه , واستصحاب حكم العموم إلى أن يقوم المخصص , واستصحاب حكم النص إلى ان يقوم الناسخ , وأستصحاب اطلاق النص إلى أن يثبت المقيد , وغيرها من انواع الاستصحاب.
مثلا قد نص الباري تعالى في كتابه المجيد على تشريع المتعة بقوله عز من قائل: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة , ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة }. ولم يرد نسخها في كتاب الله ولا من سنة رسول الله { ص } فالعقل يحكم بحليتها إلى يوم القيامة. وكذلك متعة الحج وطواف النساء وكلمة { حي على خير العمل } التي كانت في فصول الآذان , وأمثالها.
واما الأمثلة من الدلالة الإلتزامية: قال رسول الله { ص } { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان }. والحال نرى أنهما لم يفرفعا عن امته كما لم يرفعا عن سائر الامم , أما الخطأ فالمسلم ليس بمعصوم , واما النسيان { فالإنسان مساوق السهو والنسيان } فصدق الحديث بحكم العقل يتوقف عن كلمة { مؤاخذة } يعني: رفع عن أمته { ص } مؤاخذة الخطأ والنسيان , فلا يؤاخذ المسلم بما فعله خطأ أو نسياناً.
وكذلك قول الله عز وجل: { واسأل القرية التي كنا فيها } فإن القرية جماد لا شعور لها حتى تكون لائقة للسؤال , ومستعدة للجواب , فالعقل يحكم في صحتها بتقدير كلمة { أهل } يعني: واسأل اهل القرية.
وكذلك قول النبي { ص } لذلك الأعرابي: { اعتقد رقبة } حين قال له واقعت اهلي في شهر رمضان فالعقل يحكم بوجوب عتقها على كل مسلم واقع أهله في هذا الشهر المبارك.
وقوله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقوله: { وفصاله في عامين }: فالعقل يحكم بإمكان الحمل ستة أشهر كما حكم بها مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خلافة عمر , إلى غير ذلك من الأمثلة في الدلالة الإلتزامية.
واما مثال مفهوم الموافقة المسى بلحن الخطاب وفحوى الخطاب: قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } فالعقل يحكم على من يعمل منا أو طناً من خير أو شر , فلا بد ان يراه بالطريق الأولى ولا تنحصر المكافأة أو المجازاة في مثقال ذرة.
وقوله عز وجل: { ولا تقل لهما أف } فالعقل يحكم بأن كلمة { أف } أقل الإهانات على الوالدين , فلا تشتمهما ولا تضربهما فهذه المعاني تظهر من مفهوم الآيات الشريفة.
وأما مثال مفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطاب: فإذا قال المولى لخادمه: إذا جاءك زيد ضاحكاً فاكرمه مفهومه إذا جاء باكياً أو غير ضاحك فلا يجب أكرامه وهذا يسمى بمفهوم الشرط وأقسام مفهوم المخالفة كثيرة , ولا تحتاج إلى تفصيلها , ولا إلى بقية أنواع دليل العقل و ففيما جئنا به كفاية.
وأما الإجماع: فإذا أشكل على علمائنا المتقدمين مسألة من المسائل الشرعية , واختلفت الأخبار حولها , اجتمعوا في مجلس وتباحثوا في تلك المسألة , ولا بد أن يكون فيهم لا أقل من رجل غير معروف , فما حصل من الحكم في ذلك الإجتماع قالوا: { قام عليه الإجماع } وعملوا اعتقادا بأن الإمام قد سددهم , وقد اختلف علماء الشيعة من بعدهم في حجيته , ولكن إذا وافق هذا الإجماع احد الخبرين عند تعارضهما , فلا شك ان الراجح في جانبه.
هذا ويمكن أن يكون المراد من الإجماع الشهرة , كما يظهر من بعض الأخبار فحجيتها وأرجحيتها في قبال الأقوال الشاذة , لا تحتاج إلى التوقف.