تنزيه الانبياء عليهم السلام عن الخطأ في كل حال

تنزيه الانبياء عليهم السلام عن الخطأ في كل حال

مذهب الإمامية تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن كل ما يكرهه الله قبل البعثة وبعدها اختياراً واضطراراً عمداً وسهواً وهو مما لا خلاف فيه , وأما فضل بن روزبهان فوضع كتابه على محض المعارضة من غير تثبت , ودعواه على الإمامية أنهم يجوزون على الأنبياء إيقاع الكفر تقية افتراء , إذا لم يقل به أحد منهم ولم ينقله أحد عن أحد منهم بل صريح كلام مخالفيهم نسبة نفي الكفر وغيره من الذنوب الكبائر والصغائر مطلقاً عن الأنبياء إلى الإمامية خاصة قبل النبوة ومعها وبعدها كما ذكره البدخشي في بحث الأفعال من شرح منهاج الأصول , حيث قال الأكثر من المحققين , على أنه لا يمتنع عقلاً قبل النبوة ذنب من كبيرة أو صغيرة خلافاً للروافض مطلقاً , وللمعتزلة في الكبائر , ولا خلاف لأحد منا في امتناع الكفر عليهم إلا الفضيلية من الخوارج بناء على أصلهم من أن كل معصية كفر وقد قال الله تعالى : (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) جوز البعض عليهم عند خوف تلف المهجة إظهار الكفر , وأما بعد النبوة فالإجماع منعقد على عصمتهم في تعمد الكذب في الأحكام لدلالة المعجزة على صدقهم , وأما الكذب غلطاً فجوزه القاضي ومنعه الباقون إلى آخره .

 

فذكر أن من جوز على الأنبياء الكفر خوفاً جماعة غير الشيعة لأنه ذكر أن الشيعة مانعون مطلقاً في قوله خلافاً للروافض مطلقاً .

 

وذكر الشهرستاني في الملل والنحل : إن من بدع الأزارقة أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق من الخوارج أنهم جوزوا أن يبعث الله تعالى نبيا ً يعلم أن يكفر بعد نبوته , أو كان كافراً قبل البعثة والكبائر والصغائر إذا كانت بمثابة عنده فهو كفر .

وقال ابن فورك : من الأشاعرة تجوز بعثة من كان كافراً .

وفي شرح الطوالع : اتفقوا على عصمة الأنبياء من الكفر والمعاصي بعد الوحي والفضيلية من الخوارج جوزوا من الأنبياء المعاصي , واعتقدوا أن كل معصية كفر . وجوزوا على الأنبياء الكفر .

 

ومن الناس من لم يجوز الكفر على الانبياء لكنهم جوزوا إظهار الكفر تقية , بل أوجبوه , لأن إظهار الإسلام إذا كان مفضياً إلى القتل كان إلقاء للنفس إلى التهلكة وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام لقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) إذا كان إظهار الإسلام حراماً , كان إظهار الكفر واجباً ومنع بأنه لو جاز إظهار الكفر تقية لكان أولى الأوقات به وقت ظهور الدعوة , لأن الناس في ذلك الوقت بالكلية منكرون , فكان لا يجوز إظهار الدعوة لأحد من الأنبياء فيؤدي إلى إخفاء الدين بالكلية والحشوية لم يجوزوا الكفر ولا إظهاره وجوزوا الإقدام على الكبائر .

وقوم منعوا أن تتعمد الأنبياء الكبيرة وجوزوا تعمد الصغائر , وأصحابنا منعوا الكبائر مطلقاً سواء كان عمداً أو سهواً , أو جوزوا الصغائر سهواً لا عمداً , أنتهى .

 

أقول : إذا نظرت إلى قول المخالفين من الأشاعرة والمعتزلة والخوارج وغيرهم عرفت أنهم مخالفون للإمامية , لأن الإمامية طريقتهم واعتقادهم في هذه المسألة كما هو مسموع من أقوالهم ومذكور في كتبهم من الأولين والآخرين , ونقله عنهم المخالف لهم والمؤالف أنه يمتنع صدور الكفر وجميع المعاصي الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها اختياراً واضطراراً عمداً وسهواً ونسياناً من جميع الانبياء عليهم السلام , ومن نقل عنهم خلاف هذا فهو مفتر مباهت , وأما سائر مخالفيهم فكما سمعت .

فمنهم من منع الكفر بعد البعثة .

ومنهم من أجازه بعدها وقبلها .

ومنهم من جوز مطلق الذنوب . وما تقدم من الأدلة ينفي جميع ما ذكره المخالفون لمنافاة الذنب للعصمة كما تقرر سابقاً لا فرق بين الصغيرة والكبيرة.

وقول فضل بن روزبهان في كتابه المذكور بعد ما نقلنا عنه سابقاً حين ذكر حد العصمة للحكماء , فقال : وأما العصمة عند الحكماء فهي ملكة تمنع الفجور وتحصل هذه ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات , وتتأكد في الأنبياء بتتابع الوحي  إليهم بالأوامر الداعية إلى ما ينبغي والنواهي الزاجرة عما لا ينبغي , ولا اعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر سهواً أو عمداً عند من يجوز تعمدها من ترك الأولى , والأفضل فإنها لا تمنع العصمة التي هي الملكة فإن الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالاً ثم تصير ملكات بالتدريج انتهى , وقوله: ولا اعتراض , الخ , ففيه أن الاعتراض بل المنع قائم , فإن تفسيره الصغائر بترك الأولى غلط , إذ المعروف من الصغائر المحرمات لا المكروهات الإرشادية والتنزيهية والصفات النفسانية إذا استقرت حتى كانت ملكات فإن كانت في الابتداء تنزيهية فإن تعقبها العفو لم تستقر , فلا تكون ملكات , وإن استقرت بترادفها كانت محرمة تنافي العصمة كما قررنا سابقاً , وإن كانت في الابتداء صغائر محرمات فإنها تنافي العصمة كما ذكرنا سابقاً وإن لم يتعقبها العفو وتكررت ولو بالعزم على العفو فهي كبيرة منافية للعصمة , ولما كان ترك الأولى قد يقع من المعصوم لم يمهل الله تعالى معاتبته عليها ليندم على فعله , فيمحي عنه لئلا يترادف فيكون محرماً منافياً للعصمة . فإنه قبل الترادف غير مناف لها لأنه كدورة بشرية قد تعرض للمعصوم بتخلية الله له ليعاتب عليها فينكسر ويخضع , فيرفع الله تعالى بذلك درجته على نحو ما ذكرنا سابقاً لأنه عز وجل عادته التردد في قبض روح عبده المؤمن على أنحاء شتى فيؤدب المؤمنين بما يمكن في حقهم من قوله عليه السلام: ( لو لم تذنبوا لذهب بكم وجيء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) وقوله تعالى: ( وما أصابكم من مصيبه فبما كسبت أيديكم ) الآية , ويؤدب المعصومين بما يمكن في حقهم بترك الأولى الجائز الترك , ليرفع درجتهم من قوله تعالى: ( ما أصاب من مصيبه في الأرض ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) .

 

ولما كان المخالفون قد أخطأوا , واختلفت عباراتهم وأقوالهم , فإذا عبروا عما عندهم من الاعتقاد انتقض بالدليل , فإذا ناقضه الدليل سلكوا الجمع بين قولهم واعتقادهم , وكان بعض الأشاعرة إذا نقض عليهم بعض دعواهم تجويز المعاصي والكفر من بعضهم وسائر الذنوب قبل الوحي وتجويز الصغائر بعد الوحي , ومثل ما نقل في شرح منهاج الأصول ادعى خلاف ذلك كما نقلته من عبارة بعضهم في أول هذا الفصل بقولي: واتفق الجمهور بالقول الصريح , وقولي بالقول الصريح أريد به: أن هذا القائل قد يقول بهذا , أعنى دعوى الاتفاق , ويأتي في خلال كلامه بما ينافي تصريحه أولاً .

 

 

الكاتب : الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الاحسائي قدس سره الشريف

المصدر: الجزء الأول من كتاب جوامع الكلم

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة