تحذيرُ الإمامِ الصادق للشيعةِ مِن أخطرِ ظاهرة تَحولُ بينَهم وبينَ إمامِ زمانهم:
وهي ظاهرةُ “الصنميّة” واتّخاذُ الولائج دُونَ الإمامِ المَعصوم!
:
❂ يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” وهو يتحدّثُ مع أبي حمزةَ الثمالي، يقول:
(إيَّاك والرئاسة، وإيّاكَ أن تطأَ أعقابَ الرجال. فقال أبو حمزة للإمام: جُعلتُ فداك، أمَّا الرئاسةُ فقد عَرفتُها ، وأمَّا أن أَطأَ أعقابَ الرجال فما ثُلُثا ما في يدي إلّا مِمَّا وطأتُ أعقابَ الرجال. فقال الإمام “عليه السلام”: ليس حيثُ تذهب.. إيّاكَ أن تنصبَ رَجُلاً دُونَ الحُجّة فتُصدّقَهُ في كلّ ما قال)
[معاني الأخبار]
❂ وفي روايةٍ أُخرى يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” وهُو يتحدّثُ مع سُفيان بن خالد، يقول:
(يا سُفيان .. إيّاك والرئاسة، فما طَلَبَها أحدٌ إلّا هَلَك. فقال سُفيان: جعلتُ فداك، قد هلكْنا.. إذْ ليسَ أحدٌ مِنَّا – يعني مِنّا نَحنُ فُقهاءُ أصحابكَ – إلّا وهُو يُحبُّ أن يُذكَرَ ويُقصَدَ ويُؤخَذَ عنه، فقال له الإمام: ليس حيثُ تذهب إليه، إنّما ذلكَ أن تَنصِبَ رَجُلاً دُونَ الحُجّة فتُصدِّقَهُ في كلّ ما قال وتدعو الناسَ إلى قوله).
[معاني الأخبار]
〰〰〰〰〰
[[وقفات توضيحيّة]]
حين يُحذّرُ إمامُنا الصادقُ “صلواتُ اللهِ عليهِ” أشياعَ أهْلِ البيت مِن (الرئاسة).. فالحديثُ هُنا عن الرئاسةِ الدينيَّةِ بالدرجةِ الأولى.. لأنَّ الرئاسةَ الدينيَّةِ إذا زَلَّ فيها العالِمُ أَغرقَ نَفْسَهُ وأغرقَ الأُمَّةَ معه.. كما يقولُ سيّدُ الأوصياء “صلواتُ اللهِ عليه”: (زَلّةُ العالمِ كانكسارِ السفينةِ تَغْرَقُ وتُغْرِقُ)
[بحار الأنوار: ج29]
فكما أنَّ السفينةَ حِين تَنكسِرُ فإنّها تَغرقُ ويَغْرقُ ما فيها.. فكذلكَ هُو الفقيهُ حِين يُخطِىء وتَزِلُّ قَدَمُهُ فَإنّهُ يَغرقُ ويُغرِقُ الأُمّةَ معه.. خُصوصاً حينما لا يُناقِشُهُ أحدٌ فيما يطرح ويُصدّقُهُ الناسُ في كُلّ ما يقول.
✦ قولُ الإمام: (وإيّاكَ أن تطأَ أعقابَ الرجال) المُرادُ مِن الأعقاب: أي نهاياتُ الأرجل.. ومعنى “أن تَطأ أعقابَ الرجال” يعني أن تسيرَ وراءَهم.. وهُو تَعبيرٌ كنائيٌّ عن اتّباعِِ الرجال.
الإمامُ الصادقُ ينهى عن ذلك لأنّهُ حينما يَطأُ الشيعيُّ أعقابَ الرُؤساءِ وزُعماءَ الدين فَإنّهُ سيُكثّرُ السوادَ حولَ هذهِ الرئاساتِ الغير مَعصومة.. وحينئذٍ يَخافُ هؤلاءِ الرُؤساءُ والزعماءُ مِن أن يَنفَضَّ الناسُ مِن حَولِهم.. فَهُم يُريدونَ أن يسمعوا خَفْقَ النِعالِ وراءَهم، يُريدونَ أن تُوطأ أعقابُهم.. وإمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليهِ” في كتاب الكافي الشريف يُحذّر مِن هذهِ الظاهرة فيقول: (إيّاكم وهؤلاءِ الرُؤساء الذين يترأسون ، فواللهِ ما خَفَقتْ النِعالُ خَلْفَ رَجَلٍ إلّا هَلَك وأهلك)!
✦ قولُ أبي حمزة للإمام: (فما ثُلُثا ما في يدي إلّا مِمَّا وطأتُ أعقابَ الرجال..) أي أنَّ ثُلُثي ما عِندي مِن عِلْمٍ ومَعرفةٍ بكم أهْلَ البيت إنّما أَخذتُهُ مِن اتّباعي لِحَمَلَةِ الحديثِ ورُواتِهِ مِن الرجال.. فكيفَ تُحذّرُني مِن أن أطأَ أعقابَ الرجال؟!
فالإمامُ أجابَ أبا حمزة وقالَ لهُ: (ليسَ حَيثُ تَذْهب) يعني أنا لم أنهكَ عن أن تَذهبَ وتَتعلَّم وأن تَحترمَ الفُقهاءَ المَرضيّين الذين يَحملونَ عِلْماً صادِقاً عنّا أهْل البيت.. وإنّما أُحذّركَ مِن الصَنميّة، حينَ تَنصِبُ رَجُلاً ليسَ معصوماً دُونَ الإمامِ المعصوم فَتُصدّقُهُ في كُلِّ ما قال.
أليسَ هذا الذي يُحذّرُ مِنهُ الإمامُ الصادق هُو بعَينِهِ الَّذي يَجري في ساحةِ الثقافةِ الشيعيَّة.. وهُو أنَّ الشيعةَ تَنْصِبُ رِجالاً غير معصومين وتَضَعُهم في مَوضِعِ الإمامِ المعصوم ثُمَّ يُصدّقونَ هؤلاء الرجال الزعماء في كُلِّ شيء وكأنّهم معصومين..!
صحيحٌ أنَّ الشيعةَ لا يقولونَ بألسنَتِهم بأنَّ هؤلاءِ الفُقهاء الذين نَصَبُوهم بأنّهم مَعصومين.. وَلكنَّهم في الواقعِ العَمَلي يَتعاملونَ مَعَهم وكأنّهم مَعصومينَ لا يُخطئُونَ أبداً.. وهذهِ هي الصنميّة الخطيرة !
✸ قد يقول قائل: إنّنا حِينَ نُصدّقُ المَرجعَ والفقيهَ في كلِّ شيء فَهذا على أساسِ أنَّهُ يَنقُلُ حَديثَ أهْلِ البيت.. ونقولُ لِهذا القائل:
إذا كانَ الكلامُ بهذا الخُصوص.. نَعم يكونُ الكلامُ مَقبولاً.. ولكن هُناك مساحاتٌ واسعةٌ في دِينِنا لا يَستطيعُ المرجعُ أنْ يَنقُلَ فيها حديثَ أهلِ البيت.. على سبيل المِثال:
حينَ يَختلِفُ مَرجعٌ مِن المراجعِ معَ شخْصٍ ما في رأيٍ مُعيّن.. وَيُقيِّمُ المرجعُ ذاكَ الشخْصَ الذي يختلفُ مَعهُ في رأيهِ تَقييماً خاطِئاً فَيحكُمُ عليهِ بأنّهُ كاذب، فإنَّكَ تجد أتباعَ هذا المرجع يأخذونَ بقَولِهِ وتَقييمهِ هذا فيَختلفونَ مع ذاكَ الشخْص حتّى وإنْ كانَ صادِقاً وكانَ المرجعُ على خطأ.. والسبب: لأنّهم نَصَبوا المَرجعَ دُونَ الحُجّة وصنّموه ، فصاروا يُصدّقونَ المرجعَ في كلِّ ما يقول مِن دُونِ مراجعةٍ ومِن دُون تأمّلٍ ومِن دُونِ تحقّقٍ ونِقاش وكأنّهُ معصومٌ لا يُخطئ..!
ويُشيرُ إلى هذا المعنى إمامُنا باقرُ العلومِ “صلواتُ اللهِ عليه” حين سألهُ أبو حمزةَ الثمالي عن أدنى درجاتِ النَصْب.. فَقال “عليه السلام”: (أن يَبتدعَ الرجلُ شيئاً فَيُحِبَّ عَلَيه و يُبغِضَ عَلَيه).. وفي روايةٍ أُخرى، يقولُ إمامُنا الباقر “صلواتُ اللهِ عليه”: (أدنى الشِرْك أن يَبْتَدِعَ الرجُلُ رَأْياً فَيُحِبَّ عليهِ و يُبْغِضَ عليه).
[ثواب الأعمال]
• المُراد مِن قول الإمام: (أن يَبْتَدِعَ الرجُلُ رَأْياً) إمَّا أنَّهُ قد نَصَبَ نَفْسَهُ إماماً ومَصْدراً للعِلْم وابتدعَ رأياً في الدينِ مِن عنْدهِ.. وإمَّا أنّهُ قد نَصَبَ شَخْصاً آخر دُونَ الحُجّة يبتدعُ آراءً في الدين مِن جيبهِ الخاصّ.. وصَدّقهُ أتباعهُ في كُلّ ما يقول..!
والمُراد مِن قول الإمام: (فَيُحِبَّ عَلَيه وَيُبغِض عليه..) يعني أن يترتّب على ذلكَ الرأي المُبتَدَع الحبُّ والبُغْضُ وتقييمُ الناس بحَسَب علاقتِهم بذلك الرأي..!
فحينما يتبنَّى المرجع رأياً فإنَّ أتباعَهُ يتبنّون هذا الرأي – وإنْ كانَ رأياً مُبتدَعاً لا أساسَ لهُ في ثقافةِ أهل البيت – لكنّهم يَتبنّونَهُ تَصنيماً لِمرجِعِهم.. وبعد ذلكَ يُقسِّمونَ الناسَ على أساس قبولِهم لهذا الرأي ويُقيمونَ عواطِفَهم حُبَّاً وبُغْضاً، ولايةً وبراءةً على أساسِ هذا الرأي المُبتدع..!
والأنكى مِن ذلك.. أنّكَ تجد في واقعِنا الشيعي أنَّهُ حتّى لو أخطأَ مَرجعٌ مِن المراجع في حقِّ أهلِ البيت فإنَّ أتباعَهُ لا يَعترضونَ على كلامِهِ ولا يُناقِشونَه.. بل ولا يَقبلونَ حتّى أن يُناقِشَهُ شخْصٌ آخر أو أن ينتقِدَهُ على ما أخطأ في حقّ أهل البيت..! ويبدأُونَ بترقيعِ أخطائِهِ فيُحوّلونَ سيّئاتِ المرجعِ إِلى حَسَنات وعُيوبِهِ إلى كمالات وأخطائِهِ إلى صواب وهكذا…!
والأنكى أنّهُ في كثيرٍ مِن الأحيان تُرقَّعُ أخطاءُ المراجعِِ بالأخطاء، فَيُؤتى بكلامٍ خاطئٍ لِترقيعٍ خَطأِ المَرجعِ وتَحويلِهِ إلى صواب..!! كُلُّ هذا البلاء لأنّهم نَصَبوا هؤلاءِ المراجعَ والفُقهاءَ دُونَ الإمامِ الحُجّةِ فَوضَعُوهم مَوضِعَ الإمامِ المعصوم ثُمَّ تَعاملوا مَعهم وكأنّهم مَعصومين لا يُخطئُون..!
• أيضاً.. مِن الأمثلةِ التي لا يَستطيعُ المرجعُ فيها أن يَستدلَّ على صِحّةِ أقوالِهِ ومَواقِفِهِ بحديث أهْل البيت:
حين يتدخّلُ المَرجعُ في التحليلِ السياسي، أو يتدخّلُ في الأساليبِ والمناهج العِلميّة، وكذلكَ حينَ يتدخَّلُ المرجعُ في أُمورٍ لا يَستطيعُ أن يُورِدَ الرواياتِ والأحاديثَ بخُصوصِها، وحِين يُبيِّنُ فَهْمَهُ الخاص للنصوص مع وُجودِ أكثرِ مِن فَهْم.. فلماذا يُصدَّقُ في كلِّ شيء؟! هل المرجعُ معصومٌ حتّى يُصدَّقَ في كُلّ ما يقول..؟!
وكذلكَ حِين يَمدحُ بعْضُ المراجعِِ كُتُبَ المُخالفينَ لأهْلِ البيت، ويُوجّهونَ أتباعَهم لِقراءتِها والأخْذِ مِنها ويُطِيعُهم أتباعُهم في ذلك على الرُغْمِ مِن مُخالفةِ هذهِ القضيّة لِمَنطِقِ العترةِ الطاهرة.. أليستْ هذهِ صُوةٌ أُخرى ومِصداقٌ آخر مِن مَصاديقِ الصنميّة..؟!
الرئاسةُ الَّتي بهذا الوصْف: أنَّكَ تُصدِّقُ هذا المرجعَ في كُلِّ ما يقول ثُمَّ تَدعو الناسَ إلى قَولِهِ وتَنصِبُهُ حُجَّةً عليكَ مع وجودِِ مِساحةٍ كبيرةٍ يُمكنُ أنْ يُخِطئ المرجعُ فيها وَيشتبه ولا تكونُ عندهُ خِبرةٌ فيها.. ورُغمَ كُلّ ذلكَ أنتَ أيّها الشيعيُّ تُصرُّ على أن تتّبِعَهُ في كُلّ ما يقول، وهُو أيضاً يوافِقُكَ على ما تصنعُ بسكوتِهِ ورِضاه.. أليستْ هذهِ هي الصنميّةُ المقيتة التي يُحذّر مِنها إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”..!
✦ قول الإمام لِسُفيان بن خالد: (إيّاك والرئاسة، فما طَلَبَها أحدٌ إلّا هَلَك..) يعني أنَّ الَّذي يَطلُبُ الرئاسةَ والزعامةَ الدينيّة – إنْ كان بشكلٍ جليّ يَطلبُها أو كانَ بشكلٍ خَفيٍّ ومُخاتلٍ يسعى لِتحصيلها – فهذا الشخْص نهايتُهُ الهلاك.. والإمامُ هُنا يتحدَّثُ عن هلاكِ الدين (يتحدّثُ عن الضلال، عن العاقبة السيّئة، عن النهاية السوداء).
وحينَ قال سُفيانُ بن خالد للإمام: (قد هَلكْنا.. إذْ ليسَ أحدٌ مِنَّا إلّا وهُو يحبُّ أن يُذكَرَ ويُقصَدَ ويُؤخَذَ عنه..) فالإمام قالَ لهُ: (ليسَ حيثُ تَذهبُ إِليه) يعني أنا لا أتحدَّثُ عن هذهِ القضيّة أنّكَ تُحِبَّ أن يكونَ لكَ مقامٌ وشأنٌ والناسُ تَقصِدُكَ وتأخُذُ عنك.. إِنَّنِي لَا أَنهاكَ عن أن تكونَ في مَكانٍ مُحتَرَمٍ بينَ الناس، وإنّما أُحذّركَ أن تَنصِبَ رجُلاً دُونَ الحُجّةِ فتُصدِّقَهُ في كلّ ما قال وتدعو الناسَ إلى قوله..!
وهذا الأمْر هُو بعينهِ ما يَقومُ بهِ وُكلاءُ المَرجعيَّةِ أوَّلاً.. والعامِلُونَ في مكاتِبِ المراجعِ ثانياً.. وكذلكَ طَلَبَةُ الحَوزةِ العِلميَّة الذينَ هُم مِن المُدرِّسينَ في الحوزةِ.. فَهؤلاء يُثقّفونَ أتباعَهم بهذهِ الثقافةِ الصنميّة.. فَينقلونَ ذلكَ إلى طَلَبَتِهم وعَوائلِهم، وكذلكَ يَنقلونَهُ للناس إذا خَرجوا للتبليغ..!
والأخطرُ مِن بين هؤلاء: خُطباء المِنبر الحُسيني..!
فهؤلاء منابرُهم مُنتشرةٌ على طُولِ السنة في كُلِّ الأزمنةِ والأمكنة.. وهُم يَقومونَ أيضاً بهذا الدَور.. أعني أنّهم يَدْعونَ الناسَ إلى قَولِ ذلكَ المرجع (سين أو صاد) ويَطلبونَ مِن الناس أنْ يُصدِّقوهُ في كُلِّ ما قال.. ويُعلّمونَ الناسَ أنْ يرفضوا أيَّ انتقادٍ للمرجع، وكأنّهُ معصوم..!!
بل يُعلِّمون الناسَ هذهِ القاعدةَ التي ما أنزلَ اللهُ بها مِن سُلطان.. وهي أنّهم يقولونَ للناس: إذا سَمعْتُم أحَدَاً يَنتقدُ المَرجعيَّة فاعلموا أنَّ هذا الرجُلَ ضَالٌّ مشبوه ..!! ولا أدري مِن أين جاءُوا بهذا المنطق الضال..!
فهؤلاءِ يُعلّمونَ الناسَ أمرَ دِينهم بشكلٍ مُغايرٍ ومُناقضٍ تَماماً للَّذي يُحذِّرُ مِنهُ الإمام الصادق..!
هذهِ هي الصنميَّةُ التي يُحذّرُ مِنها إمامُنا الصادقُ “صلواتُ اللهِ عليه” يقول: (إيّاكَ أنْ تَنْصُبَ رَجُلاً دُونَ الحُجَّة فَتُصَدِّقَهُ في كُلِّ ما قَال) فيُحذّرُ الشيعةَ مِن تَصديقِ هذا الزعيم الديني في كلّ شيء – حتّى لو كان مِن الفُقهاء المَرضيّين عند أهل البيت – لأنَّنا إذا صدَّقناهُ في كلِّ ما يقول فهذا يعني أنَّنا افترضنا أنَّ طاعتَهُ مُطلقة.. والطاعةُ المُطلقةُ لا تكونُ إلّا للمعصومِ.. فالمعصومُ وحدهُ هُو الَّذي نُصدِّقُهُ في كلِّ ما قال، أمَّا غيرهُ فهو خاضِعٌ للنقاش..
هذهِ هي الصنميّةُ في ثقافةِ العترةِ الطاهرة.. ولَيستْ الصنميَّةُ في رجوعِ الشيعةِ إلى ذَوي الخِبرةِ مِن الفُقهاءِ المَرضيّين عند أهْل البيت وتَبجيلهم لِفقْهِهم.. فهذا مِن بديهياتِ البَشَرِ قَبل أنْ يكونَ مِن بديهياتِ الدين.
عِلماً أنَّ إمامَنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في روايةِ التقليدِ في تفسيرِ إمامِنا العسكري يُخبِرُنا بأنَّ فقهاءَ الشيعةِ المَرضيّين قِلَّةٌ قليلة، وأنَّ أكثرَ فقهاءِ الشيعةِ هُم أضرُّ على الشيعةِ مِن جيش يزيد ابن معاوية على الحسين وأصحابه.. إذ يقول “صلوات الله عليه”: (فَأمَّا مَن كَانَ مِن الفُقَهاءِ صَائِناً لِنَفسِهِ حَافِظاً لِدينهِ مُخالِفاً لِهواهُ مُطيعاً لِأمْرِ مَولاه فِلِلْعَوامِّ أنْ يُقَلِّدُوه وَذلكَ لا يكونُ إلَّا بَعْض فُقَهَاءِ الشيعةِ لا جَمِيعَهُم..)
فالفقهاء المَرضيّين عند أهْل البيت قِلّةٌ قليلة.. أمَّا النسبة الأكثر مِن الفُقهاء في زمانِ الغَيبة فهُم فُقهاء سُوء.. والإمامُ الصادقُ يصِفُهم بهذهِ الأوصاف فيقول:
أنّهم (يَتعلَّمونَ بعضَ عُلُومنَا الصحيحة فَيتوجّهُونَ بِهِ عِنْدَ شِيعَتِنا وَيَنْتَقِصُونَ بِنا عِنْدَ نُصَّابِنَا وَيُضِيفُونَ إليهِ أضْعافَهُ وأضْعافَ أضْعافِهِ مِن الأكاذيبِ علينا الَّتي نَحنُ بُرَاءٌ مِنها، فَيَتَقَبَّلُهُ المُسْتَسْلِمُونَ مِن شِيعَتِنَا – وهُم الذين يُصدّقونَ المراجعَ في كُلّ ما يقولون.. ويتقبّلونَ كلامَهُم – على أَنَّهُ مِن عِلُومِنا فَضَلُّوا وأضَلُّوهُم.. وهُم أضرُّ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعتِنا مِن جيشِ يزيد على الحُسين ابنِ عليٍّ وأصْحابِهِ، فَإنَّهُم – أي جيش يزيد وأصحابه – يَسْلِبُونَهم الأرواحَ والأمْوال ولِلمَسْلوبينَ عِندَ اللهِ أفْضلُ الأحوال لِمَا لَحِقَهُم مِن أَعْدَائِهِم.. وهَؤُلاَء عُلَمَاءُ السُوء الناصِبُون الْمُشَبِّهُونَ بِأنَّهُم لَنَا مُوالُون ولِأعْدائِنا مُعادُون يُدْخِلُونَ الشكَّ والشُبْهَةَ على ضُعَفاء شِيعَتِنا فَيُضلُّونَهُم ويَمنَعُونَهم عن قَصْد الحَقِّ المُصِيب..!)
هذه هي الصنميّةُ الَّتي يُحذّرُ مِنها أهلُ البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”.. لأنّها تكونُ حاجزاً وحائلاً بين الشيعةِ وبين إمامِ زمانِهم.. وهذا المعنى للصنميّة يلتقي ويتماهي مع مُصطلح “الولائج” وظاهرة اتّخاذ الولائج مِن دُون الإمام التي ذُكِرتْ في الروايات وحذّر مِنها أهلُ البيتِ “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما يقولُ إمامُنا الباقر “صلواتُ اللهِ عليه”: (إيّاكم والولائج، فإنَّ كُلَّ وليجةٍ دُوننا فهي طاغوت).
ونَحنُ إذا رجعنا إلى الأحاديثِ الشريفةِ الَّتي تَحدَّثتْ عن شُؤوناتِ عَصْرِ الغَيبة.. سنجد أنّها تتحدَّثُ بشكلٍ واضح عن ظاهرةِ اتِّخاذِ الشيعةِ للولائج، التي هي أخطرُ حاجزٍ يَحولُ فيما بينَ الشيعةِ وبينَ إمامِ زمانِهم.. حينما يتَّخذونَ الولائجَ وحينما يَنصبونَ أشخاصاً أو جِهاتٍ أو مُنظماتٍ أو اتِّجاهاتٍ.. وتَتمازجُ عُقُولُهم وقُلُوبهم مع هذهِ الجهات، بحيث يَلِجُ فِكْرُ تلكَ الجهاتِ إلى العقل الشيعي وإلى القلْب الشيعي فلا يكونُ هُناكَ حينئذٍ مِن مَحلٍّ لإمامِ زمانِنا “صلواتُ اللهِ عليه”.. والسبب:
لأنَّ هُناكَ قانونٌ قُرآنيٌّ واضحٌ بيَّنتْهُ سُورةُ الأحزاب، وهُو قولُهُ عزَّ وجلَّ: {ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَينِ في جَوفِهِ}.
فالحديثُ هُنا عن قلْب الإنسان الَّذي ليسَ فيه سِوى مَحلٍّ واحدٍ للإمام المعصوم.. فحينما نأتي بوليجةٍ مِن دُونِ الإمام، فلن يكونَ هناك أيُّ مَحلٍّ للإمامِ المعصومِ حينئذٍ.. وهذا المعنى بيَّنتْهُ رواياتُهم الشريفة “صلواتُ اللهِ عليهم”.
ولِهذا حذّر الأئمةُ “صلواتُ اللهِ عليهم” أشياعَهم أشدّ التحذيرِ مِن الصنميّةِ والولائج.. لأنّها تكونُ حاجزاً وحائلاً بين الشيعةِ وبينَ إحياءِ أمْر إمامِ زمانهم..
فنَحنُ إذا أردنا أن نُحقِّقَ إحياءَ أمْرِ إمامِ زمانِنا على أرض الواقع.. فلابُدَّ مِن إزالةِ الموانعِ والعوائق الَّتي تَحولُ فيما بيننا وبين إنجاز هذا الأمر.. وأبرزُ العناوين في سِلسلةِ الموانعِ والعوائق هي: الولائجُ والصنميّة.. فهي الَّتي تَحولُ فيما بيننا وبينَ إحياءِ أمْرِ إمام زمانِنا كما يُريدُ إمامُ زماننا.
لأنَّ اتِّخاذَ الولائج ولأنَّ الصنميّةَ إذا ما سيطرتْ على عقلِ الإنسان فإنَّهُ سيكونُ مَشلولاً حِينئذٍ، وسيكونُ مُقاداً باتِّجاهِ الوليجةِ.. باتِّجاهِ الصَنَم.. فالوليجةُ هي الصنميّةُ بعينها – كما مرَّ –
فما بين الوليجةِ وما بينَ الصنميّة يَضيعُ إدراكُ الإنسانِ ويَتجمَّدُ عقْلُهُ ويَتحوَّل الإنسانُ إلى كائنٍ مُبنَّج يُقادُ مِن حيثُ يعلم أو لا يعلم.. وهُنا لا يَستطيعُ الإنسانُ أن يقومَ بإحياءِ أمْرِ إمامِ زمانِهِ وِفْقاً لِمُراد إمامِ زمانِهِ.. وإنَّما سيقومُ بإحياءِ أمْرِ إمامِ زَمانِهِ وِفْقاً للقالبِ الشيعيّ الَّذي صَنعتْهُ الولائجُ والأصنامُ البشريّة في الواقعِ الشيعي كي يَستطيعَ عامّةُ الشيعة أن يتعاملوا معه.
وخُلاصةُ القول:
يَجبُ علينا إحياءُ أمْرِ إمامِ زماننا.. ولكن علينا أوّلاً أن نُزيلَ العوائق التي تحولُ بيننا وبينَ إحياء أمرِ إمامِ زماننا بأنْ نكنِسَ الولائجَ وأن نُطهِّرَ العُقولَ مِن مَرض الصنميّة الوبيء.
:
#الثقافة_الزهرائية