تأمّلات معرفيّة في هذهِ العبارة مِن زيارة الأربعين: (لِيستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة) مَن هُم الذين يستنقذهم الحسين؟ وكيف يستنقذهم؟

تأمّلات معرفيّة في هذهِ العبارة مِن زيارة الأربعين:
(لِيستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة)
مَن هُم الذين يستنقذهم الحسين؟ وكيف يستنقذهم؟
:
❂ نقرأ في زيارة سيّد الشُهداء في يوم الأربعين هذهِ العبارة:
(فَأعذَرَ في الدُعاء – أي بذل قُصارى جُهدهِ في دَعوةِ الناس إلى الحقّ – ومنحَ النُصْح، وَبذَلَ مُهجتَهُ فيكَ؛ لِيستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة)

هذهِ العبارة مِن زيارة الأربعين الشريفة وردتْ أيضاً في موطنٍ آخر مِن زياراتِ سيّد الشُهداء (وهي زيارةُ سيّد الشهداء في العيدين) ولكن مع اختلافٍ بسيطٍ في الصيغة.
فالصيغةُ التي وردتْ في زيارةِ العيدين هكذا:
(فَأعذرَ في الدُعاء ومَنَحَ النَصيحة وَبذلَ مُهجتَهُ فيكَ حتّى استنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحَيرةِ الضلالة)
فزيارةُ سيّد الشُهداء في العيدين تَحدّثتْ بِصيغةِ الفعل الماضي، فقالتْ: (حتّى استنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة) السبب في التعبير بهذهِ الصيغة: لأنَّ الزيارةَ هُنا تتحدّث عن الذين استُشهدوا مع الحُسين.. هُؤلاء هُم الذين استنقذهم الحُسين.. وكذلك الذين بقوا يُنفّذونَ الأجزاءَ المُتبقّيةَ مِن مشروع عاشوراء، هؤلاء هُم الذين استنقذهم الحُسين مِن الجهالة وحيرة الضلالة.

أمّا التعبير الوارد في زيارةِ الأربعين فهو تَعبيرٌ بصيغةِ المُستقبل (تعبيرٌ بصيغةِ الفِعل المُضارع الدالّة على الاستمرار) فهي تتحدّثُ عن الذين سيلتحقونَ بركْبِ الحُسين في مَشروعهِ الحُسيني العملاق الواسع المُتّسع.

فهذهِ العبارة في الزيارة الأربعينيّة قطعاً لا تتحدّث عن عُموم الأُمّة.. ولا تَتحدّث عن عُموم المُجتمع الشيعي.. وإنّما تتحدّث عن القِلّة القليلة جدّاً مِن الشيعة (الذين ينتمون إلى الجوّ الحُسيني) والذين سينجونَ مِن الفِتن العقائديّة في آخر الزمان، وهُمّ قِلّةٌ قليلةٌ.. بدليل أنَّ الزيارةَ استخدمتْ نفس التعبير الوارد في زيارة العيدين (يستنقذ).. وهُو تعبيرٌ دقيقٌ جدّاً يدلُّ على القلّة القليلة.
فالزيارةُ تقول: (حتّى استنقذَ) ولم تقلْ (حتّى أَنقذَ) وهُناك فارقٌ كبيرٌ بين المعنيين في لُغةِ العرب.
لو أنَّ الزيارة عبّرتْ بهذا التعبير وقالتْ: “لِيُنقِذَ عِبادك مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة” لكان المُراد انقاذٌ للجميع.. ولكن هذا التعبير (لِيستنقذ) يُشير إلى أنَّ الناجينَ الَّذين سيُنقِذُهم الحُسين قِلَّة قليلة.. وبصعوبةٍ..!
• توضيح لهذا الكلام بمثال:
حينما يسقطُ شخْصٌ في بئرٍ أو في نهر مثلاً، وأنتَ بمُجرّد أنْ تمُدَّ يدكَ إليه تُعينُهُ على الخُروج.. فهذا يُسمى إنقاذ.
أمَّا حينما تأتي بحبال وآلات ووسائل وتبحث عنهُ في قعْر النهر وبصُعوبة.. فهذا يُسمّى استنقاذ.
فهُناك فارق كبير في المعنى بين (الانقاذ) وبين (الاستنقاذ).

وهُناك قاعدةٌ بين عُلماءِ العربيّة تقول: أنَّ زيادةَ المباني تَدلُّ على زيادةِ المعاني.. يعني أنَّ الكلمة إذا زادتْ حُروفها فإنَّ معانيها تَزيد أيضاً.. وكلمةُ (يستنقذ) فيها حُروفٌ زائدة أكثر مِن كلمة (يُنقذ).. ولِذلك فإنَّ دلالتُها في المعنى أكثر وأعمق.. فالاستنقاذ يكونُ لِبقايا البقايا.. يعني يكونُ لِمجموعة قليلةٍ جدّاً جدّاً وليس للجميع كما يشيعُ على ألسنةِ الكثير مِن الخُطباء والعُلماء في الجوّ الشيعي بأنَّ الأُمّةَ صلُحتْ واهتدتْ بعد قتل الحُسين.. فهذا الكلام خاطىء ومُخالف لمنطق الكتاب والعترة.
لأنَّ حالَ الأُمّةِ ازدادَ سُوءاً وضلالاً بعد قتل الحُسين.. كما يُشيرُ إلى ذلكَ إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ عليه” في زيارةِ الناحية المُقدّسة وهُو يصِفُ لنا حال الأُمّة بعد عاشوراء، فيقول:
(.. فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قتلوا بقتلكَ الإسلام، وعطّلوا الصلاةَ والصيام، ونقضوا السُننَ والأحكام، وهدموا قواعدَ الإيمان، وحرّفوا آياتِ القُرآن، وهَملجوا في البغي والعدوان.. لقد أصبحَ رسولُ الله “صلّى الله عليه وآله” مَوتوراً، وعادَ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ مَهجوراً، وغُودِر الحقُّ إذ قُهرتَ مَقهوراً، وفُقِدَ بفقْدكَ التكبيرُ والتهليلُ، والتحريم والتحليل، والتنزيلُ والتأويل، وظَهَرَ بعدكَ التَغييرُ والتبديلُ والإلحادُ والتعطيل والأهواءُ والأضاليل، والفِتنُ والأباطيل)

وكما يُؤكّد ذلك سيّدُ الأوصياء “صلواتُ الله عليه” في حديثهِ مع حُذيفةَ بن اليمان، حين يُقسِم ويقول:
(فو الذي نفسُ عليٍّ بيده، لا تَزالُ هذهِ الأُمّة بعْد قَتْل الحُسين ابني في ضَلالٍ وظُلْمةٍ وعَسْفٍ وجَورٍ واختلافٍ في الدين، وتَغييرٍ وتبديل لِما أنزلَ اللهُ في كتابهِ، وإظهار البدع، وإبطال السُنن، واختلالٍ وقياسِ مُشتبهاتٍ وتَرْكِ مُحْكمات.. حتّى تنسلِخَ مِن الإسلام وتدخُلَ في العَمى والتلدّد والتسكّع..!)

هذهِ النُصوص وغيرها الكثير كُلّها تُؤكّد هذهِ الحقيقة: أنَّ هَذهِ الأُمّة سَاءَ حالُها أكثر وأكثر بعد قَتْلِ سيّد الشهداء.. فليسَ هُناك مِن صَلاحٍ حَدَث في الأُمّةِ بعد قتل الحُسين كما يتحدّث المُتحدّثون في الوسط الشيعي.
أساساً بني العَبّاس والذين جَاءُوا مِن بعدهم هُم أسوأُ وألعنْ مِن بني أُميّة.. ولو كانتْ الأُمّةُ قد صَلُحتْ بعد قَتْل الحُسين لَما سُبِيتْ عِترةُ النبيّ ولَما قُتِلَ الأئمة “صلواتُ الله عليهم” ولَما شُرّدوا في ديار غُربة.
لو كانتْ الأُمّة صَلُحتْ بعد قتْل الحُسين لَما غاب إمامُ زماننا “صلواتُ الله عليه”.
فهذهِ كلماتُ العترةِ الطاهرة كُلّها تُخبرنا بأنَّ الأُمّة ستبقى على ضلالها حتّى ظُهور إمامِ زماننا..

وأمَّا الاستنقاذ الذي تتحدّثُ عنهُ زيارةُ الأربعين فهو ليسَ لجميع الأُمّةِ كما مرّ.. وإنّما هُو للقلّةِ القليلةِ التي تنتمي للجوّ الحُسيني.. الاستنقاذ لِمجموعةِ الشيعة الذين يُحيونَ أمْر الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. هؤلاءِ هُم المجموعة التي بذلَ الحُسين مُهجتَهُ لِيستنقذهم مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة.
✸ أمَّا كيف يستنقِذ سيّد الشُهداء هذهِ المجموعة؟
فذلكَ يكون بِهدايتهم إلى العقيدةِ السليمة والمعرفةِ الصحيحة بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ عليهم”.. يكون بهدايتهم إلى المعرفةِ المُستلّة مِن عُمق ثقافةِ الكتاب والعترة.. وهذا الأمر يتطلّب إصلاحَ الجوّ الحُسينيّ وتنظيفهِ مِن الثقافةِ المُشوهّة التي اخترقتُهُ والتي جاءَ بها الكثير مِن عُلمائنا وخُطبائنا مِن الفِكْر المُخالف لأهل البيت ونشروها في الواقع الشيعي بشكلٍ عام وفي الجوّ الحُسيني على وجه الخصوص وهُم لا يُشعرون.. وإنّما فعلوا ذلكَ بسبب جهلهم بأحاديثِ العترة الطاهرة وإعراضهم عنها.
فسيّد الشُهداء بذَلَ مُهجتهُ لِيستنقذَ هذهِ القِلّةَ القليلة التي تنشأ وتتوالد في الجوّ الحُسيني ومنها يخرجُ أنصارُ إمام زماننا.. وليس لاستنقاذ عموم الأُمّة..
هذا هُو الإصلاحُ في زمان الغَيبة، وأمَّا الإصلاحُ الأكبر فيكون في زمن ظُهور إمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.

والإستنقاذ – كما أشرنا – يكون لِبقايا البقايا.. ولا غرابةَ في ذلك، فهذهِ كلماتُ العِترةِ الطاهرة تُشيرُ إلى هذهِ الحقيقة في أكثر مِن موطن وتُبيّن بأنَّ الناجين مِن الفِتن العقائديّة في آخر الزمان هُم قلّةٌ قليلةٌ جدّاً.. كما يقولُ إمامنا الرضا “صلواتُ الله عليه” وهُو يتحدّثُ عن علائم عصْر الظُهور الشريف، يقول:
(واللهِ لا يكونُ ما تمدّون إليه أعناقكم – أي الفرج المهدوي – حتّى تُميّزوا وتُمحّصوا، وحتّى لايبقى منكم إلّا الأندر فالأندر)
[غيبة النعماني]

وفي رواية أُخرى يقول إمامنا صادقُ العترة “صلواتُ الله عليه”: (واللهِ لَتُميّزُن، واللهِ لَتُمحّصُن حتّى لا يبقى منكم إلّا الأقل).
[غيبة النعماني]

• وقد يسأل سائل هُنا: ما هُو سبيلُ النجاة مِن هذهِ الفِتن التي تُسبّبُ الضلال والانحراف عن الدين..؟
الجواب أيضّاً بيّنهُ أهْلُ بيت العصمة في روايات كثيرة.. منها على سبيل المِثال هذهِ الرواية عن إمامنا الثامِن “صلواتُ الله عليه” التي يُخاطب فيها أحد أصحابهِ فيقول:
(يا بنَ أبي مَـحمُـود: إذا أخـذَ الناسُ يميناً وشمالاً فَالزَمْ طَريقَتَنا، فإنَّهُ مَن لَزِمَنَـا لَـزِمْنَـاهُ، وَمَن فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ، إنَّ أدنى ما يُخرِجُ الرَجُلَ مِن الإيمان أنْ يَقولَ لِلحصاةِ هـذهِ نواة، ثُمّ يدينُ بذلكَ، و يبْرَأُ مِمّن خالفـه).
فالتمسّك بأهل البيت “صلواتُ الله عليهم” والاعتصام بهم وبحديثهم النُوري الأقدس الطاهر المُطهّر والتمسّك بمنهجهم وبثقافتهم الأصيلة هُو السبيل الوحيد للنجاة (مَن لزمنا لزمناه.. ومَن فارقنا فارقناه..)

وقد بيّن سيّد الكائنات “صلّى الله عليه وآله” أيضاً هذا المعنى في مواطن مُختلفة مِن حديثه.. منها هذا المقطع مِن حديثه الشريف الذي يُحدّثنا فيه عن فرح إبليس بقتل الحُسين، وعن البرنامج والمُخطّط الإبليسي لإضلال الناس وسلبهم دينهم بعد قتل الحُسين.. فيقول “صلّى الله عليه وآله”:
(إنَّ إبليس “لعنه الله” في ذلكَ اليوم – أي يوم عاشوراء – يَطيرُ فَرَحاً، فيجولُ الأرْضَ كُلَّها في شَياطِينهِ وعَفاريته، فيقـول: يا مَعْشَر الشياطين قد أدركْنا مِن ذُرّيةِ آدمَ الطَلِبة، وبلَغْنا في هَلاكِهُم الغاية، وأورثناهُم السُوءَ إلاّ مِن اعتَصَم بهذهِ العِصابة – أي اعتصم بأهل البيت – فاجْعَلوا شُغْلَكم بتشكيكِ الناس فيهم – أي تشكيك الناس في أهل البيت – وحمْلِهم على عَداوتهم وإغرائِهم بهم وبأوليائهم، حتَّى تستحْكِمَ ضَلالةُ الخَلْق وكُفْرهم، ولا ينجو مِنهم ناج.. ولقد صَدَقَ عليهم إبليسُ ظَنَّهُ وهو كذوب، إنَّه لا ينفعُ معَ عَداوتكم عَمَلٌ صالح، ولا يَضرُّ مع محبَّتكم و مُوالاتكم ذَنْبٌ غَيرُ الكبائر)
[بحار الأنوار: ج28]
:
#الثقافة_الزهرائية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading