تأسيس العباسيين للنهج الإمامي ( تلك الشبهة السخيفة )
قال الحاكم الجشمي ( ت 494هـ) : ( وروي أن أول من وضع المذهب ـــ الامامي ــ كان المأمون حتى لا يخرج الناس مع من يدعي الإمامة من العلوية ويعينوه )
الرسالة في نصيحة العامة، ص 61 ـــ 62
وقال الإمام أحمد القاسمي عن مذهب الإمامية نقلا عن الدمغاني إنه : ( موضوع وضعه المنصور أبو الدوانيق بعد قتل محمد بن عبدالله النفس الزكية وأخيه إبراهيم )
عدة الاكياس، ج2 ص 196
إذا رأيت الخصم يكيل الاتهامات الكاذبة فاعلم أنه مفلس ضعيف الحجة والفكر، وشبهتنا هذه من هذا القبيل، ولا زال القوم يكررونها حتى في عصرنا هذا، ولولا تكرارها وفرحة البعض بذلك لطويت عنها كشحا.
كان العباسيون متحدين مع بني هاشم والحسنيين خاصة، لأجل الإطاحة بالحكم الأموي، فاجتمعوا في الأبواء كما ينقل أبو الفرج الأصفهاني (مقاتل الطالبيين ، ص 140 – 142) وأرادوا بيعة محمد بن عبدالله المحض، فقدم الإمام جعفر الصادق ع، وأنبأهم أن الأمر لا يتم وأن محمدا وأخاه إبراهيم ابنا عبدالله سيقتلان، وسيتولى المنصور الحكم.
إن بني العباس في حقيقتهم هم صنائع الزيدية ، ولم يخرجوا إلا مبايعين لمحمد بن عبدالله المحض ( ت 145هـ) ثم غدروا به وبأهله .
يؤكد السيوطي تلك العلاقة بين العباسيين وأبناء الحسن عليه السلام والعلويين وكونهم شيئا واحدا، فيقول : (وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئا واحدا !)
تاريخ الخلفاء ، ص 285
لم يستمع القوم لنصيحة الصادق ع، فتعاون أبناء الحسن ع والعباسيون وثاروا ضد بني أمية، وانتصروا، فتلقفها العباسيون وصار الحكم لهم، فالحقيقة التي يجب أن تقال هي أن بعض أئمة الزيدية كمحمد وإبراهيم ابنا عبدالله ممن ساهموا في وصول العباسيين للحكم دون علم منهم بنية بني العباس الغدر بهم .
فلا نبالغ القول إن سلف الزيدية وبعض أئمتهم تسببوا في استيلاء العباسيين على الحكم، حيث علا شأنهم بعد ذلك وفتكوا بذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى قال الشاعر:
ما نالت منهم بنو حرب وإن عظمت تلك الجرائم إلا دون نيلكم
وقال آخر :
يا ليت جور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار
وتسبب وصولهم للحكم بقتل العباسيين لأئمة الإثني عشرية وفرض الاقامة الجبرية على بعضهم ، وقتلُ أصحابهم وسائر العلويين ومطاردتهم مسطور مشهور في التاريخ، حتى تشردت الذرية هربا من بطشهم، فحوت مدينة قم وحدها والتي هي قلعة التشيع الإمامي آنذاك كثيرا من الأشراف، ولا زالت قبورهم معروفة، ويقدر عددهم بأربعمائة من الأشراف الحسينيين والحسنيين والموسويين والرضويين.
انظر هذه الإحصائية في : مقدمة محمد رضا الأنصاري القمي على كتاب رياض المحدثين في ترجمة الرواة والعلماء القميين، لمحمد علي بن الحسين النائيني.
لقد تورط بنو عبدالله المحض وأتباعهم وورطوا غيرهم بالحركة العباسية التي انقلبت عليهم وذبحتهم ، فهم من أسسها وقام بها وما كان العباسيون لينجحوا بدونهم ! هذا وقد استأمنوا الخائن، ورفضوا نصيحة الصادق ع الذي أخبر أنهم مقتولون، لكن نحن نعذرهم، فإن الحق ثقيل.
ما أسهل قلب الطاولة على أصحاب الشبهة هذه، فالعباسيون تعبدوا بفقه أحد كبار الزيدية وعمموا نشره في أرجاء العالم الإسلامي، فجعلوا تلميذ ذاك الفقيه الزيدي قاضيا للقضاة، ولم يكن هذا القاضي يولي أحدا القضاء ما لم يكن متبعا لذاك العالم الزيدي!!
فالزيدية عدت أبا حنيفة من رجالها، والعباسيون تبنوا مذهبه ونشروه!
هذه الحقيقة لا يمكن انكارها.
قال الحاكم الجشمي( 494هـ) معددا رجالات الزيدية : ( وحكى أبو القاسم [البلخي] عن أبي حنيفة رحمه الله أنه : كان يذهب مذهب البترية [من الزيدية )
شرح عيون المسائل ، مخطوط
وقال الإمام الزيدي عبدالله بن حمزة ( ت 614هـ) : ( ومن مشهور رجال الزيدية: الحسن بن صالح بن حي… وأبو حنيفة إلا أنه كان يميل إلى مذهب البترية من الزيدية )
الشافي ، ج1 ص 342
وقال في موضع آخر في شأن أبي حنيفة : ( لما ذكرنا من اعتقاده ــ اي أبا حنيفة ــ لإمامة آبائنا عَلَيْهم السَّلام )
الشافي، ج4
قال مجد الدين المؤيدي مؤكدا ما ذكره ابن حمزة : ( ومنهم النعمان بن ثابت الفارسي : أبو حنيفة … عده من عصابة الزيدية الإمام الحجة عبدالله بن حمزة)
لوامع الأنوار ، ج1 ص 356
وقد نُسب أبو حنيفة صراحة إلى الزيدية في ( موسوعة رجال الزيدية) تحت حرف العين .
مما يؤكد تبني العباسيين لفقه ذاك العالم الزيدي منحهم منصب قاضي القضاة لتلميذ أبي حنيفة وناشر فقهه أبا يوسف، فكان لا يولي قاضيا إلا إذا كان متبعا لفقه أبي حنيفة (الزيدي)، وهذا ساعد كثيرا على انتشار المذهب الحنفي.
وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ( 113ـــــ 182 هـ) صحب أبا حنيفة سبع عشرة سنة كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه( 14/ 252 ) وله الفضل الأول في انتشار المذهب وتقريره. وهو أول من صنف الكتب في المذهب الحنفي.
قال ابن حزم مؤكدا نشر العباسيين لمذهب أبي حنيفة ( الزيدي) : ( مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان : مذهب أبي حنيفة ، فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله ، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه ، ومذهب مالك … )
رسائل ابن حزم الأندلسي ، ج 2 – ص 229
وقال الشيخ محمد أبو زهرة : ( انتشر المذهب الحنفي في كل بلد كان للدولة العباسية سلطان فيه، وكان يخف سلطانه كلما خف سلطانها )
تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 365
الحقُ لو أن العباسيين هم من أنشأ الإمامية لنشروا فقه الأئمة ولجعلوا القضاة من أصحابهم كزرارة ومحمد بن مسلم وهشام …، لكن التاريخ يثبت أنهم تبنوا فقه أبي حنيفة ( الزيدي) ورفعوا تلاميذه عاليا لينشروا تراث ذاك الفقيه الزيدي !
بل إن المنصور العباسي جمع هذا الفقيه الزيدي بالإمام جعفر الصادق ع، بعد أن طلب منه أن يهيأ له 40 من المسائل العويصة، لكي يحرجه ويسقطه من أعين الناس، فكان الأمر خلاف ذلك، والمسألة مشهورة .
فأي مذهب دعمه العباسيون ونشروه في الأرض؟
لهذا يرى الباحث العلاقة الوطيدة بين أئمة الزيدية والفقه الحنفي، حتى استوردوا القياس منه، لافقتارهم إلى النصوص التشريعية ، هذا وهم يزعمون أنهم ورثة علوم الأنبياء والأوصياء !
كمثال يتعلق بهذا السرد، يذكرُ يحيى بن الحسين الهاورني في ترجمة الداعي محمد بن الحسن بن القاسم( ت 360هـ) قال : (وكان يختلف إلى أبي الحسن الكرخي ـــ شيخ الحنفية بالعراق ــ في أيامه ويلزم مجلسه ويدرس عليه فقه أبي حنيفة، فبلغ في حفظ مسائل العراقيين المبلغ الذي يضرب المثل به )
الإفادة ص118
فلو أردتُ أن أقابل القوم بالمنطق نفسه الذي جاءونا به من خلال شبهتم، لقلتُ إن الدولة العباسية هي من نشرت فقه أبي حنيفة العالم الزيدي،.، وهو ما سهل تتلمذ أئمة الزيدية على كبار الحنفية، فالفضل للعباسيين في ذلك !!
لقد اختاروا فقه أبي حنيفة الزيدي لأنهم وجدوا فيه ما يشرعن لهم التسلط على العباد ويسهل لهم قتل خصومهم من العلويين وغيرهم .
من الأدلة التي تنقض هذه الشبهة من أساسها ما اتفقوا على روايته من أن الذين تخلوا عن زيد بن علي هم الإمامية أو ما يسمونهم الرافضة.
قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة ( ت 614هـ) : ( إن ما ذكره في الخبرين لا ينافي ما ذكرناه من خبر زيد بن علي –عَلَيْه السَّلام-، فإن من طلب منه –عَلَيْه السَّلام- سبهما، والتبري منهما، أتباع الإمامية، ولا شك أن الإمامية يستجيزون سبهما، بل منهم من يعتقد ردتهما)
الشافي ج 3 ص 184
وقال : (والرافضة هم الذين رفضوا زيد بن علي –عَلَيْه السَّلام- والتحقوا بالإمامية )
الشافي، ج2 ص 242
وهؤلاء ـــ على افتراض صحة ما ذكر ـــ كانوا آلافا من الكوفيين، فيهم الشباب وكبار السن مما يدل على قدم النهج الإمامي وتجذره، لقد كان جابر بن يزيد الجعفي (ت 128هـ) أحد الرافضين للخروج مع زيد ومع كل ثائر من أبناء علي ع، وهو إمامي كان يقول بالرجعة .
انظر: صحيح مسلم، ج 1، ص 15 ـ 16
وكان يذكر الباقر ع على إنه : وصي الاوصياء، ويسلم على المهدي ع ! انظر كل هذا ترجمته في تهذيب التهذيب، ج 2، ص 41 – 44
روى مسلم في صحيحه ، ج 1 – ص16 : (وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله عز وجل فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين فقال جابر لم يجئ تأويل هذه قال سفيان وكذب فقلنا لسفيان وما أراد بهذا فقال إن الرافضة تقول ان عليا في السحاب فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء يريد عليا أنه ينادى أخرجوا مع فلان يقول جابر فذا تأويل هذه الآية وكذب كانت في اخوة يوسف )
قال ابن حجر ( قال ابن عدي: له حديثٌ صالحٌ، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري، وقد احتمله الناس، وعامّة ما قذفوه به أنّه كان يؤمن بالرجعة…
قال جرير: لا أستحلّ أن أروي عنه، كان يؤمن بالرجعة…
قال سفيان: كان يؤمن بالرجعة… وقال إسحاق بن موسى سمعت أبا جميلة يقول: قلت لجابر الجعفي: كيف تسلّم على المهدي؟ قال: إن قلت لك كفرت…
وقال الحميدي أيضاً: سمعت رجلاً يسأل سفيان: أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله: حدثني وصي الأوصياء؟ فقال سفيان: هذا أهونه
وقال يحيى بن يعلى: سمعت زائدة يقول جابر الجعفي رافضيٌّ يشتم أصحاب النبي… وقال ابن قتيبة في كتابه (مشكل الحديث): كان جابر يؤمن بالرجعة
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدّثني أبي عن جدي، قال: كنت آتيه في وقتٍ ليس فيه فاكهةٌ ولا قثاءٌ ولا خيارٌ، فيذهب إلى بساتين له في داره فيجئ بقثاء وخيار فيقول: كُلْ، فوالله ما زرعته… وقال أبو أحمد الحاكم: يؤمن بالرجعة)
تهذيب التهذيب، ج 2، ص 41 – 44
وإنما ذكرتُ جابرا كمثال يبين اعتقادات الإمامية آنذاك، وهو ما يهدم ما يقوله هؤلاء من تأسيس العباسيين لتلك المعتقدات، فالعباسيون جاءوا بعد انتهاء الحكم الأموي ، بعد وفاة جابر الجعفي بأربع سنين !
أما المنصور فتسلم الحكم سنة 137هـ، وثورة زيد كانت سنة 121هـ، وهذا يدل على قدم معتقدات الإمامية، ولا علاقة للمنصور وغيره بها .
إننا نجد الفقيه إبراهيم النخعي ( ت 96هـ) الذي توفي قبل تسلم المنصور الحكم بأكثر من أربعين سنة قد عاش في تقية كاتما اعتقاده الإمامي معترفا بأمامة الأئمة الذي عاصرهم.
وهذا يؤكد أن الأئمة أنفسهم هم من أسس التشيع استكمالا لما قام به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا كما يقول المخرفون أنه صنيعة عباسية !
قال القاسم الرسي ( ت 246هـ) تحت عنوان شهادة إبراهيم النخعي بالوصية لعلي: (
قال: حدثني من لا أتهمه عن أحمد بن داود عن عبد الرزاق بن همام ( الصنعاني) قال : أخبرنا يحيى بن العلاء عن الأعمش قال : اشتد مرض إبراهيم النخعي قال لخيثمة : أجلسني. فأجلسته
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن حسنا وصي علي، وأن حسينا وصي الحسن، وأن علي بن الحسين وصي الحسين، وأن محمد بن علي وصي علي بن الحسين، ثم غشي عليه، فلما أفاق قال : هل سمعني أحد ؟
قال خيثمة : لا.
قال: اكتم عني, ثم مات في آخر نهاره)
الكامل المنير في اثبات ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، تحقيق : عبد الولي يحيى الهادي، ص49 ـــ 50
والكتاب هذا قد يشكك به البعض لكن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد نسبه إليه في كتاب (الاعتصام بحبل الله المتين )
وما دمنا وصلنا إلى هنا يحسن القاء نظرة على الأدلة التي ساقها أصحاب الشبهة لاثبات مطلبهم .
عيسى بن روضة أولا
يستدل بعضهم على اختراع العباسيين للنهج الإمامي بما ذكره الشيخ النجاشي في ترجمة عيسى بن روضة (ت 158هـ) حيث قال الشيخ : (عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلما جيد الكلام . وله كتاب في الإمامة ، وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد ، وذكر أنه رأى الكتاب . وقال بعض أصحابنا رحمهم الله : إنه رأى هذا الكتاب . وقرأت في بعض الكتب أن المنصور لما كان بالحيرة تسمع على عيسى بن روضة وكان مولاه وهو يتكلم في الإمامة فأعجب به واستجاد كلامه )
فهرست اسماء مصنفي الشيعة ، ص 294
ووجه الاستدلال أن عيسى وهو المتكلم الإمامي كان حاجبا للمنصور ثم إن المنصور قد أعجب به واستجاد كلامه !
وضحالة الاستدلال هذا بينة الضعف ومثيرة للشفقة، فمتى صار الشيخ النجاشي الامامي حجة عندهم يستدلون بأقواله ؟
إن مجرد اعجاب المنصور واستجادته كلام عيسى بن روضة، لا يعني أن المنصور أسس المذهب، وإلا لو كان كذلك لنشر المذهب ورجالاته في الكوفة والمدينة والري وخراسان وقم .. .ولجعل رموزه وكلاء وقضاة له في جميع الأمصار الإسلامية، ولصار أغلب العالم الإسلامي شيعيا إماميا !
لم يرو أي مؤرخ هذا ، ولا يصدقه عقل ولا نقل، فما فهمه القوم من عبارة النجاشي بحق عيسى بن روضة قد طغى عليه الحس المذهبي فقالوا مقولتهم نكاية بالإمامية .
لو نظر الباحث في كلام الشيخ النجاشي حين قال : (وقرأت في بعض الكتب أن المنصور… فأعجب به)
لوجد معالم الضعف في النص هذا، فلا يُعلم ما اسم هذه الكتب، أو الكتاب الذي قصده، ومن مؤلفه ؟ وهل هو ثقة أم لا ؟ وما سند الشيخ النجاشي الى هذا الكتاب ؟ وما هو سند مؤلف ذاك الكتاب إلى الحادثة المشار إليها، وما حال رجاله ؟!
كل هذه الاسئلة المجهول جوابها لعدم توفر معلومات كافية حولها تدفع المرء على الاقل إلى التوقف وعدم التسرع في بناء نتيجة، على أن هناك محامل لإعجاب المنصور واستجادته لكلام عيسى، وحين يتطرق الإحتمال يبطل الاستدلال.
قال المحقق جعفر المهاجر : ( زمان النص هو بالتحديد أوائل السنة 137هـ. ففي ذلك الأوان قدم المنصور من مكة، حيث بلغته وفاة أبي العباس السفاح، فأخذ البيعة لنفسه من أهلها…
من المؤكد أن إعجاب المنصور واستجادته كلام صاحبه ــ عيسى ـــ لم يكن تثبيتا عما في نفسه بل كان نفاقا في نفاق، كان الرجل في نطاق الكوفة لب التشيع يسعى إلى الحصول على بيعة أهلها لملك لا يزال مهتزا ، وله عليه منافسون من بيته بشخص عبدالله بن علي، فكان من الطبيعي أن يتملق أهلها بهذا الكلام…)
التاريخ السري للإمامة، ص 164 ـــ 165
هناك رؤية لأحد العلماء حول عيسى بن روضة، ومما يؤسف أنه لم يوثق بحثه في كتاب، وإنما أطلقها في العالم الإقتراضي، حيث قال : ( مثلا عيسى بن روضة حاجب المنصور العباسى المتهم انه متكلم امامي، فان في رواية النجاشي عندي ملاحظة يبدو ان النجاشي حكم باماميته اجتهادا ، لانه فهم بان الرجل يتكلم بالامامة، ففهم منه انه يتكلم بالامامة المعصومة ، وهذا استنتاج خاطئ حسب فهمي، لانه لو كان كذلك لما رضي به المنصور ولقطعه اربا او بناه في الحيطان كما فعل مع غيره من شيعة جعفر او شيعة الزيدية من بني الحسن . انما ارتاح له فلابد انه ــ أي عيسى ــ رأى رأي الزيدية والعباسيين بامامة من يستلم الحكم كائنا من يكون ولعله أضاف شيئا ينطبق على المنصور ففرح لكلامه، وهذا يعني ان هذا الرجل الذي هو من الثقات انما هو زيدي كبقية الزيدية الثقاة)
أما كون عيسى بن روضة حاجبا للمنصور ، فهذا لأنه عبدٌ اشتراه المنصور وجعله حاجبا له، وليس في عمله وهو مضطر له ما يشينه، فيوسف الصديق عليه السلام نبي ، عمل وزيرا لدى حاكم مشرك ظالم، لكن هل في عمل عيسى لدى المنصور دلالة على صناعة المنصور للمذهب الإمامي ؟ لا يقول هذا إلا من سخف عقله !
لقد عزل المنصور عيسى بعد أن علم بتشيعه . قال البلاذري : (حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وهشام بن محمد وغيرهما ، قالوا : كان عيسى ابن روضة وهي أمة وأبوه نجيح عبد لآل طلحة ، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد وذلك قبل خلافة أبي العباس ، فقال : لئن ملكنا لنشترينّه فاني لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل ، فلما ولي أبو العباس سأله ان يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم ، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيّع فعزله عن حجابته )
أنساب الأشراف ، ج 4 – ص 212
يستفاد من هذا النص أن المنصور لم يكن على علم بتشيع عيسى حين اشتراه، وهذا ينقض ما نقل من استماع المنصور إليه، واعجابه به، إلا أن يقال إن ما سمعه المنصور لم يكن يتعلق بالتشيع والإمامة، وإنما بشأن آخر.
لو كان المنصور هو من أسهم في تأسيس المذهب الإمامي كما يزعمون لما عزل عيسى بن روضة الإمامي ، فعزلُ المنصور له بعد علمه بتشيعه يدل بشكل قاطع على كراهية المنصور للإمامية وبعده عنهم، وهو الذي أقدم على قتل إمامهم الصادق ع، بعد أن اتهمه باتخاذ أهل العراق إياه إماما لهم، وبعد أن أكتشف أن أموال الخمس تجبى إليه كما روى ابن الجوزي وابو الفرج الأصفهاني، وهو ما يعني أنه كان يرى نفسه اماما من دون سيف وقيام ودعوة . يتبع