[[ أُم أبيها القَيِّمة صلوات الله و سلامه عليها (٢) ]]
اللهم صل على محمد و آل محمد و صلني بمحمد و آل محمد و عنهم لا تقطعني ..
اللهم صل على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها و السر المستودع فيها بعدد فضائل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه ..
تحدَّثنا في ما سبق عن معنى من معاني و مطلع من مطالع الإسم الشريف لمولاتنا إمام الأئمة و حجة الحجج الزهراء صلوات الله عليها ألا و هو ﴿ أُم أبيها ﴾ ..
و قلنا أنَّ أمومة الزهراء صلوات الله عليها هي من شؤون قيمومتها المطلقة الكبرى و التي تحكم كل الوجود ، و تحدَّثنا أيضاً عن إسمها الشريف ﴿ مُربية الأيتام ﴾ كما جاء في زيارتها الشريفة و قلنا أن الأيتام في مطلع من مطالع معانيه هم أشياع محمد و آل محمد صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ، و في مطلعٍ أعمق و أرقى هي الذوات اليتيمةُ الأحديةُ الصمدانيةُ و هي ذواتُ محمد و علي و أبناءهما المعصومين الأطيبين الأطهرين …و لمن أراد أن يطلع على هذه المواضيع فليرجع إلى الجزء الأول من بحثنا هذا ..
أمومةُ الذات الفاطميةُ المقدسة للذات المحمدية العُلياء شأنٌ من شؤونهم التي لا نعرف كنهها و لا حقيقتها فالحديثُ حينئذ سيكونُ عن الظهور الأول للحقيقة المحمدية العلوية الفاطمية الأنزعية المُنزَّهةِ عن الصورة و التجسيم كما قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه : (( أنا المُنزَّهُ عن الصورة الجسمانية )) و قال أيضاً صلواتُ الله عليه : (( أنا المعنى الذي لا يقع عليه إسم و لا شبه )) ، و باطنُ ذلك الظهور قديمٌ و ظاهرهُ مُحدَث ، فهو قديمٌ أزلي لأنَّهُ قد أشتُقَّ من قديم أزلي و هو المعنى ، و هذا المعنى هو ما جاء عن إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه : (( ..فقيل للإمام الصادق صلوات الله و سلامه عليه : يا سيدنا : المعنى قديم و الإسم قديم ، فكيف يكون قديم مع قديم ؟ فيكونان قديمان ؟ فقال عليه السلام : المعنى عز عزِّه قديم لم يزل ، و الإسم قديم لكم ؛ فهو قديم أزلي من قديم أزل ، أبداهُ من نور ذاته ، و نور الذات لم يزل ، فهو قديمٌ بالنور مُحدَثٌ بالظهور )) و هذا المعنى أيضاً جاء في أدعيتهم الشريفة صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ؛ على سبيل المثال ما جاء في الدعاء المروي عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الذي يُقرأ في شهر رجب : (( اللهم إني أسألُكَ يا الله يا الله يا الله أنت الله القديمُ الأزلي الملك العظيم ..أسئلك بإسمك الذي اشتَققتهُ مِن قِدمكَ و أزلِكَ و نورِك و بالإسم الأعظم الذي اشتققتهُ مِن كبريائك و جبروتِك و عَظَمَتَك و عِزِّكَ و بجودك الذي اشتققته من رحمتك و برحمتك التي اشتققتها من رأفتك و برأفتك التي اشتققتها مِن جودك و بجودِكَ الذي اشتققتهُ من غيبك و بغيبك و إحاطتك و قيامك و دوامك و قِدَمِك…اللهم إني أسألك باسمك المُتعال الجليل العظيم و بإسمك الواحد الصمد و بإسمك العزيز الأعلى و بأسمائك الحسنى …)) فما جاء في هذا الدعاء هو شرحٌ لما جاء في حديث إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه …
ستقولُ لي أين ربط الموضوع بالزهراء صلواتُ الله عليها ؟! ..سيتبين الأمر واضحاً جلياً لك إن كنت من أهل المعرفة و البصيرة ..
إذاً تبين لدينا أنَّ باطن ظهور الحقيقة المحمدية العلوية الفاطمية الأنزعية قديمةٌ أزلية و ظاهرها مُحدَث ، أزليةٌ إذ أنها ﴿ لا فرق بينك و بينها ﴾ و إذ أنها ﴿ نحن هو و هو نحن ﴾ ، و مُحدَثة إذ أنها ﴿ إلَّا أنهم عبادكَ و خلقك ﴾ ﴿ إلَّا أننا نحن نحن و هو هو ﴾ …
ظهورٌ و حقيقةٌ لا نعرفُ كنهها و حقيقتها و القضيةُ أعمق و أبعد و أعظم من ذلك ..
نحن نتحدث عن مرحلةً لا يوجد فيها روابط كروابط عالمنا هذا و لا تناسل و لا تجسيم و لا إشارة و لا عبارة و لا لفظ ..كما جاء هذا المعنى في حديث الأكوان الستة المروي عن إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه ؛ يُحدثنا المفضل بن عمر عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه فيقول : (( و هو المحتجب و نحن حجبه قبل الحلول في التمكين قبل حلول أنوارنا و أرواحنا في الأجسام و الأعراض و التمكين ممكنين لا نحول و لا نزول ، و قبل مواقع صفات التمكين و التكوين قبل أن نوصف بالبشرية و الصور و الأجسام و الأشخاص ممكنة مكونة كائنين لا مكونين كائنين عنده أنوار لا مكونين أجساماً و صوراً ، ناسلين لا متناسلين ..)) و الحديثُ هنا عن مقامهم في الكينونية كما جاء في أول الرواية الشريفة : (( الذي كنا بكينونته في القدم و الأزل )) ، و هذا المقام و هو مقام الكينونية هو من تجليات مقاماتهم الأولى ، فهم صلواتُ الله عليهم في هذا المقام مُنزَّهين عن الصور و التجسيم و الإشارة و لديهم مقام الأزلية و القدمة فما بالك بتلكم المقامات العالية و التي هي أعلى و أعظم و أرقى من مقام الكينونية كما جاء في أدعية شهر رجب عن إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه : (( أسألك بكينونيّتك التي اشتققتها من كبريائك و أسألك بكبريائك التي اشتققتها من عزتك و أسألك بعزتك التي استويتَ بها على عرشك فَخَلَقتَ بها جميع خلقك فهم لك مذعنون …)) …و الخلق إنما يكونُ ظهورهُ من مقام إسم ﴿ الخالق ﴾ و هذا الإسم الشريف ما هو إلَّا تجلي و ظهور من مقام وحدة الأسماء ﴿ هو ﴾ ..
و هذا هو المقام الذي حدَّثنا عنه إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه إذ يقول : (( و أنا أحذركم أن يُجعَلَ محمداً مصنوعاً لكان الذات محدثاً مصنوعاً و هذا هو الكفر الصراح ..)) …
هناك كلامٌ جميل للسيد الخميني أوردهُ في كتابه مصباح الهداية فيما يرتبطُ بهذا الموضوع حيث يقول : (( إنّ الأحاديث الواردة عن أصحاب الوحي و التنزيل في بدء خلقهم عليهم السلام و طينة أرواحهم و إنّ أوّل الخلق روح رسول الله و علي صلى الله عليهما و آلهما أو أرواحهم إشارة إلى تعين روحانيتهم التي هي المشيئة المطلقة و الرحمة الواسعة تعيّناً عقليّاً لأنه أول الظهور هو أرواحهم عليهم السلام ⬅️و التعبير بالخلق لا يُناسبُ ذلك فإن مقام المشيئة لم يكن من الخلق في شيء بل هو الأمر المُشارُ إليه بقوله تعالى : { ألا لهُ الخلق و الأمر ﴾ ➡️ و أن يطلق عليه الخلق أيضاً كما ورد منهم (( خلق الله الأشياء بالمشيئة و المشيئة بنفسها )) و هذا الحديث الشريف أيضاً من الأدلة على كون المشيئة المطلقة فوق التعينات الخلقية من العقل و ما دونه و نحن نذكر رواية دالّة على تمام المقصود الذي أقمنا البرهان الذوقي عليه بحمد الله تيمّناً بذكره و تبرّكاً به : في الكافي الشريف عن احمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله كان إذ لا كان و خلق الكان المكان و خلق نور الأنوار الذي نوّرت منه الأنوار و هو النور الذي خلق منه محمداً و علياً فلم يزالا نورين أوّلين إذ لا شيء كُوّن قبلهما فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الأصلاب الطاهرين حتى افترقا في أطهر طاهرين عبد الله و أبي طالب ..صدق ولي الله صلواتُ الله عليه )) و نحن هنا ذكرنا كلام السيد الخميني لإرتباطه بالموضوع الذي نحن بصدده …
و كل هذه المعاني مجمعها في الحقيقة الفاطمية ؛ تجتمعُ عند القَيِّمة عند أُم أبيها صلواتُ الله عليها إذ جاء في زيارتها الشريفة صلوات الله عليها : ﴿ يا مُمتحنةُ أمتَحنكِ الله الذي خلقك قبل أن يَخلُقَكِ ﴾ فأي كلامٍ عميقٍ هذا ؟!!..
فهذا المقامُ مقام ﴿ أُم أبيها ﴾ جاري و ظاهر في كُلِّ طبقات الوجود …إلى أن نصل إلى هذه الطبقة ﴿ ..قبل أن يخلقك ..﴾ الذات التي فُطمت عن معرفتها العقول الأولى ..فأنّى نحن و معرفتة حقيقة مقام ﴿ أم أبيها ﴾ في ذلك المقام ….
فسبحانك سبحانك مولاتي يا زهراء يا إمام الأئمة و حجة الحجج و قَيِّمة الدين و الدنيا ما أعظم شأنك و منزلتك …
اللهم صل على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها و السر المستودع فيها بعدد فضائل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه …
للبحث تتمة إن شاء الحجة بن الحسن صلوات الله و سلامه عليه ..