بمثل هذا التَّـأويل القَبيح المُستنكَـر يَضِلُّون ويُضلُّون

بمثل هذا التَّـأويل القَبيح المُستنكَـر يَضِلُّون ويُضلُّون
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
● قــال الإمامُ الصَّادقُ “عليهِ السَّلام”:

(إنَّ مَن اتَّبع هواه ، وأُعْجبَ برأيهِ كانَ كرجلٍ سمِعْتُ غُثـاء العامَّة (أي أراذِلُ العامّـة) تُعظّمهُ وتَصِفــهُ ، فأحببتُ لقــاءَهُ مِن حيثُ لا يعرفُني لأنظُرَ مِقدارهُ ومحلّهُ،
فرأيتهُ في موضعٍ قد أحدقَ بهِ خلقٌ مِن غُثاء العامَّة ، فوقفتُ مُنتبـذاً عنهم (أي مُبتعداً)، مُتغشّيـاً بلثامٍ أنظرُ إليه وإليهم ،
فما زالَ يُراوغُهم- أي يُخادعهم- حتَّى خالفَ طريقهم ففارقهم ، ولم يعــدْ،

فتفرَّقتْ العامَّــةُ عنهُ لحوائجهم ، وتبعْتُـهُ أقتفي أثره ، فلم يلبثْ أن مــرَّ بخبــازٍ فتغفَّلهُ ، فأخذَ مِن دُكَّانهِ رغيفينِ مُسارقةً ، فتعجَّبتُ منهُ ، ثُمَّ قلْتُ في نفسي : لعلَّه معاملة.

ثُمَّ مــرَّ بعْدهُ بصاحبِ رُمَّـان ، فما زالَ بهِ حتَّى تغفَّلهُ فأخذَ مِن عنْدهِ رُمَّانتينِ مُسارقةً، فتعجَّبتُ منهُ ، ثُمَّ قلْتُ ـ في نفسي ـ : لعلَّهُ مُعاملة، ثُـمَّ أقول : وما حاجتهُ ـ إذاً ـ إلى المُسارقة ؟ !

ثُـمَّ لم أزلْ أتبعهُ حتَّى مــرَّ بمريضٍ ، فوضعَ الرَّغيفينِ والرُّمانتينِ بينَ يديهِ ومضى،

وتبعْتُهُ حتَّى استقرَّ في بُقْعةٍ مِن صحراء فقلتُ لهُ:
يا عبدالله لقد سمعتُ بك ـ خيراً ـ وأحببتُ لقاءَك ، فلقيتكَ ، لكنّي رأيتُ منْكَ ما شغلَ قلبي ، وإنّي سائِلُكَ عنهُ ، ليزولَ بهِ شُغْلُ قلبي . قـــال: ما هو؟
قلْتُ : رأيتُكَ مررتَ بخبَّـازٍ فسرقتَ مِنهُ رغيفين ، ثُــمَّ مررتَ بصاحبِ الرُّمان فسرقتَ منهُ رُمَّانتين !

فقال لي: قبل كُلّ شيء حدّثني مَن أنت ؟ قلْتُ له :
رجلٌ مِن ولْد آدم.. مِن أُمّةِ مُحمَّدٍ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” .
قـــال : حدّثني مِمَّن أنت ؟ قلْتُ : رجلٌ مِن أهْل بيتِ رسولِ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”.
قـــال : أينَ بلدُك ؟ قلْت : المدينة.
قـــال : لعلَّك جعفرُ بنُ مُحمَّد بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب ؟ قلْتُ : بلى.

قــال لي : فما ينفعُكَ شَرَفُ ـ أهلِكَ وأصْلِك مع جهْلكَ بما شُرّفتَ بــه، وترككَ عِلْمَ جدّكَ وأبيكَ لئــلا تُنكر ما يجبُ أن تَحمد وتمدحَ فاعِلهُ!
قلتُ : وما هو ؟ قــال : القُرآن كتابُ الله.
قلْتُ : وما الَّذي جهِلْتُ منهُ ؟ قــال : قول الله عزَّ وجلَّ :
{مَن جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشْرُ أمثالها ومَن جاءَ بالسَّيئةِ فلا يُجْزى إلَّا مثلها}

وإنّي لمَّا سرقتُ الرَّغيفينِ كانتْ سيئتين ، ولمَّا سرقتُ الرُّمانتين كانتْ سيئتينِ، فهذهِ أربعُ سيّئات ،
فلمَّا تصدَّقتُ بكلّ واحدةٍ مِنْها كانتْ أربعينَ حسنة ، فانتقصَ مِن أربعينَ حسنةٍ أربعُ (حسناتٍ بأرْبعِ سيّئات)
بقي لي ستٌّ وثلاثونَ حسنة.

قلْتُ : ثكلتكَ أُمّكَ .. أنتَ الجاهِلُ بكتابِ اللهِ تعالى ،
أما سمعْتَ قول الله تعالى : {إنَّما يتقبَّلُ اللهُ مِن المُتَّقين}

إنَّك لمَّا سرقْتَ الرَّغيفينِ كانتْ سيّئتينِ، ولمَّا سرقتَ الرُّمانتينِ كانتْ سيّئتين ، ولمَّا دفعْتهُما إلى غيرِ صاحِبِهما ، بغيرِ أمْرِ صاحبهما ، كُنتَ إنّما أضفتَ أربـعَ سيّئاتٍ إلى أربعِ سيّئات ، ولم تُضِف أربعينَ حسنةً إلى أربعِ سيّئات.

فجعلَ يُلاحِظني، فتركتُهُ وانصرفت.
قـــال الإمامُ “عليه السَّلام”: بمثل هذا التَّـأويل القَبيح المُستنكَــر يَضِلُّون ويُضلُّون.)
**********
[ تفسير الإمام الحسن العسكري”عليه السَّلام”]

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading