بدن فاطمة عنوان القداسة الإلهية

*[[ بدن فاطمة عنوان القداسة الإلهية ]]*

إن لأهل البيت صلوات الله عليهم أربع مقامات و هو قول الصادق صلوات الله عليه : *لَنا مَعَ الله حالاتٌ هُوَ نَحنُ ، وَ نَحنُ هُوَ ، وَ هُوَ هُوَ ، وَ نَحنُ نَحنُ* .(1)

فالحالة أو المقام الأول هو وجودهم صلوات الله عليهم في عالم اللاهوت فكانوا *” هُوَ نَحنُ “*

أي أنهم مثال الله الأعلى حيث لا إسم و لا رسم ، و هو قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لكميل : *نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الاَزَلِ ، فَتَلُوحُ عَلَى‌ هَيَاكِلِ التَّوحِيدِ آثَارُهُ* .(2)

لذلك هو هم لأنهم هياكل توحيده و تمام ظهوره .

المقام الثاني *” وَ نَحنُ هُوَ “* و هو مقام الجبروت ، أي ظهور صفات الله و أسماءه بهم صلوات الله عليهم ، فهم حملة تلك الأسماء و الصفات و حقيقتها ، عن أبي عبد الله في قوله عز وجل *{ وَ لِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه بِها }*

*قَالَ : نَحْنُ و اللَّه الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّه مِنَ الْعِبَادِ عَمَلاً إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا* .(3)

فهم في ذلك العالم محال معرفة الله لظهوره تعالى بهم ، لأنّه لا يظهر بذاته فكانوا هم صلوات الله و سلامه عليهم تجلياته في خلقه .

المقام الثالث هو مقام الملكوت ، و هو ظهور الآيات و الكلمات و العلامات المنحدرة عن الصفات و الدالة عليها .

و المقام الرابع الناسوت ، و هو مقام عالم الأجسام و المادة ، و هو العالم الذي ظهروا فيه على هيئة البشر و هو قوله تعالى *{ وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }*

كلامنا عن الزهراء صلوات الله عليها في أدنى مراتبها أي في مقام ناسوتيتها و ترابيتها ، فنطفتها صلوات الله عليها اختارها الله تعالى لها من رطب الجنة التي في الحجب بعد السماء السادسة ، فمن حديث طويل عن رسول الله صلوات الله عليه قال : *ثُمَّ إِنِّي صِرْتُ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ وَ مِنْهَا إِلَى السَّادِسَةِ ، فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْأَبُ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ وَ نِعْمَ الْأَخُ‏ أَخُوكَ عَلِيٌّ* .

*فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْحُجُبِ‏ أَخَذَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ ، فَإِذَا أَنَا بِشَجَرَةٍ مِنْ نُورٍ فِي أَصْلِهَا مَلَكَانِ يَطْوِيَانِ الْحُلَلَ وَ الْحُلِيَّ فَقُلْتُ : حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ ، لِمَنْ هَذِهِ الشّجَرَةُ ؟*

*فَقَالَ : هَذِهِ لِأَخِيكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ هَذَانِ الْمَلَكَانِ يَطْوِيَانِ لَهُ الْحُلِيَّ وَ الْحُلَلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ* .

*ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامِي فَإِذَا أَنَا بِرُطَبٍ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، فَأَخَذْتُ رُطَبَةً فَأَكَلْتُهَا ، فَتَحَوَّلَتِ الرُّطَبَةُ نُطْفَةً فِي صُلْبِي ، فَلَمَّا أَنْ هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ صَلَوَات الله عَلَيْهَا ، فَفَاطِمَةُ حَوْرَاءُ إِنْسِيَّةٌ ، فَإِذَا اشْتَقْتُ إِلَى الْجَنَّةِ شَمِمْتُ رَائِحَةَ فَاطِمَةَ* .(4)

فنطفة فاطمة صلوات الله عليها من شجرة في الحجب بعد السماء السادسة ، و هذه الشجرة هي شجرة طوبى فمن حديث عن رسول الله صلوات الله عليه و آله قال : *إِنِّي لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ، فَأَدْنَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ شَجَرَةِ طُوبَى وَ نَاوَلَنِي مِنْ ثِمَارِهَا فَأَكَلْتُهُ ، فَحَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ مَاءً فِي ظَهْرِي ، فَلَمَّا هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ ، فَمَا قَبَّلْتُهَا قَطُّ إِلَّا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَجَرَةِ طُوبَى مِنْهَا* .(5)

فشجرة طوبى مزروعة في دار رسول الله و عليّ في جنة السماء السادسة التي هي حظيرة القدس تحت سقف العرش لقول جعفر بن محمد صلوات الله عليه : *سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَنْ طُوبَى قَالَ : شَجَرَةٌ أَصْلُهَا فِي دَارِي ، وَ فَرْعُهَا عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ* .

*ثُمَّ سُئِلَ عَنْهَا مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : فِي دَارِ عَلِيٍّ* .

*فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ دَارِي وَ دَارَ عَلِيٍّ فِي الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ* .(6)

و في حديث آخر عن رسول الله صلوات الله عليه و آله قال : *أنَا و فَاطِمَةُ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ فِي قُبَّةٍ بَيْضَاءَ سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَ جَلَّ* .(7)

من خصوصيات شجرة نطفة فاطمة صلوات الله عليها أن الله تعالى غرسها بيده مباشرة دون واسطة ملك من الملائكة أو خلق من خلقه ..

و من خصوصيات تلك الشجرة أيضاً بأن نفخ فيها تعالى من روحه كما إختصّ عيسى عليه السلام بتلك المكانة العالية ، لكن روح عيسى عليه السّلام هي من روح الله بينما شجرة نطفة فاطمة من روح الله..

و من خصوصياتها أيضاً بأنّها نعيم أهل الجنة ..

فعن النبي صلوات الله و آله قال : *طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ غَرَسَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، تُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَ الْحُلَلَ ، وَ الثِّمَارَ مُتَدَلِّيَةً عَلَى أَفْوَاهِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَ إِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ ، فِي‏ مَنْزِلِ‏ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُحْرَمْهَا وَلِيُّهُ وَ لَنْ يَنَالَهَا عَدُوُّهُ* .(8)

و في حديث آخر عن النبي صلوات الله عليه و آله قال : *فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ* .

*فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا طُوبَى ؟*

*قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامْ أَنَّهَا شَجَرَةٌ غَرَسَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ ، تَحْمِلُ كُلَّ نَعِيمٍ ، خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَ إِنَّ عَلَيْهَا ثِمَاراً بِعَدَدِ النُّجُومِ كُلُّ ثَمَرَةٍ مِثْلُ ثَدْيِ النِّسَاءِ ، تَخْرُجُ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ ، مَاءٌ وَ خَمْرٌ وَ عَسَلٌ وَ لَبَنٌ ، وَ سَعَةُ كُلِّ نَهَرٍ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ* .(9)

فمن هذه الأحاديث الشريفة نفهم عدة مسائل عظيمة منها :

– إن الزهراء صلوات الله عليها لم تكن في صلب أدم كما بقيّة البشر ، بل إن النبي تناول نطفتها مباشرةً من يد الله إلى صلبه ..

– إن تلك الثمرة المقدّسة لم ينزلها جبرائيل إلى الأرض و يطعمها النبي صلوات الله عليه و آله في الأرض ، مع أن القرآن الكريم كان يتنزّل على النبي من خلال جبرائيل إلى الأرض ، بينما نطفة فاطمة النبي صلوات الله عليه و آله عرج إلى السماء بروحه و بدنه ليتناول ثمرة نطفة فاطمة صلوات الله عليها .

– إن الشّجرة التي حملت في ثمرها نطفة فاطمة صلوات الله عليها حملت أيضاً كل نعيم خلق الله لشيعة فاطمة و محبي فاطمة في الجنة ، فإذا كان هذا أثر شجرة نطفة فاطمة فما تصنع الزهراء صلوات الله و سلامه عليها مع شيعتها و محبيها عند الاحتضار و في القبر و في المحشر … ؟!

تأملوا إخوتي ، فإن كان هذا مقام الزهراء عند الله في عالم التراب و الناسوت و هو أسفل العوالم و أخسّها !!

فما هو مقام روحها عند الله ؟!

و ما هو مقام نفسها ؟ !

وما هو مقام ذاتها القدسيّة ؟!

✍ *#عبدهم_مصطفى*

📚 *المصادر و المراجع*

(1) 📗 |مكيال المكارم|2|295| 📗 |تفسير الصراط المستقيم|5|394|
(2) 📗 |روضة المتقين|2|81| 📗 |نور البراهين|1|222| 📗 |موسوعة الإمام علي |محمد الريشهري|10|82|
(3) 📗 |الكافي|1|144| 📗 |الوافي|1|491| 📗 |مستدرك الوسائل|5|230|
(4) 📗 |الأمالي الصدوق|564| 📗 |الاحتجاج|2|191| 📗 |المحتضر|239|
(5) 📗 |علل الشرائع|1|183| 📗 |المحتضر|238| 📗 |مناقب آل أبي طالب|3|114|
(6) 📗 |تفسير فرات الكوفي|210| 📗 |تفسير مجمع البيان|6|38|
(7) 📗 |كشف الغمة|2|149| 📗 |شرح إحقاق الحق|18|422| 📗 |بحار الأنوار|43|76|
(8) 📗 |تفسير فرات الكوفي|208| 📗 |غاية المرام|4|170| 📗 |بحار الأنوار|8|173|
(9) 📗 |مستدرك الوسائل|7|423| 📗 |جامع أحاديث الشيعة|9|32| 📗 |بحار الأنوار|93|345|
*#المعرفة_بالنورانية*
للاشتراك واتسآب
+96181266504
تلغرام

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة