إن لأهل البيت صلوات الله عليهم أربع مقامات و هو قول الصادق صلوات الله عليه : *لَنا مَعَ الله حالاتٌ هُوَ نَحنُ ، وَ نَحنُ هُوَ ، وَ هُوَ هُوَ ، وَ نَحنُ نَحنُ* .(1)
فالحالة أو المقام الأول هو وجودهم صلوات الله عليهم في عالم اللاهوت فكانوا *” هُوَ نَحنُ “*
أي أنهم مثال الله الأعلى حيث لا إسم و لا رسم ، و هو قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لكميل : *نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الاَزَلِ ، فَتَلُوحُ عَلَى هَيَاكِلِ التَّوحِيدِ آثَارُهُ* .(2)
لذلك هو هم لأنهم هياكل توحيده و تمام ظهوره .
المقام الثاني *” وَ نَحنُ هُوَ “* و هو مقام الجبروت ، أي ظهور صفات الله و أسماءه بهم صلوات الله عليهم ، فهم حملة تلك الأسماء و الصفات و حقيقتها ، عن أبي عبد الله في قوله عز وجل *{ وَ لِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه بِها }*
فهم في ذلك العالم محال معرفة الله لظهوره تعالى بهم ، لأنّه لا يظهر بذاته فكانوا هم صلوات الله و سلامه عليهم تجلياته في خلقه .
المقام الثالث هو مقام الملكوت ، و هو ظهور الآيات و الكلمات و العلامات المنحدرة عن الصفات و الدالة عليها .
و المقام الرابع الناسوت ، و هو مقام عالم الأجسام و المادة ، و هو العالم الذي ظهروا فيه على هيئة البشر و هو قوله تعالى *{ وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }*
كلامنا عن الزهراء صلوات الله عليها في أدنى مراتبها أي في مقام ناسوتيتها و ترابيتها ، فنطفتها صلوات الله عليها اختارها الله تعالى لها من رطب الجنة التي في الحجب بعد السماء السادسة ، فمن حديث طويل عن رسول الله صلوات الله عليه قال : *ثُمَّ إِنِّي صِرْتُ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ وَ مِنْهَا إِلَى السَّادِسَةِ ، فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْأَبُ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ وَ نِعْمَ الْأَخُ أَخُوكَ عَلِيٌّ* .
فنطفة فاطمة صلوات الله عليها من شجرة في الحجب بعد السماء السادسة ، و هذه الشجرة هي شجرة طوبى فمن حديث عن رسول الله صلوات الله عليه و آله قال : *إِنِّي لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ، فَأَدْنَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ شَجَرَةِ طُوبَى وَ نَاوَلَنِي مِنْ ثِمَارِهَا فَأَكَلْتُهُ ، فَحَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ مَاءً فِي ظَهْرِي ، فَلَمَّا هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ ، فَمَا قَبَّلْتُهَا قَطُّ إِلَّا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَجَرَةِ طُوبَى مِنْهَا* .(5)
فشجرة طوبى مزروعة في دار رسول الله و عليّ في جنة السماء السادسة التي هي حظيرة القدس تحت سقف العرش لقول جعفر بن محمد صلوات الله عليه : *سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَنْ طُوبَى قَالَ : شَجَرَةٌ أَصْلُهَا فِي دَارِي ، وَ فَرْعُهَا عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ* .
و في حديث آخر عن رسول الله صلوات الله عليه و آله قال : *أنَا و فَاطِمَةُ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ فِي قُبَّةٍ بَيْضَاءَ سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَ جَلَّ* .(7)
من خصوصيات شجرة نطفة فاطمة صلوات الله عليها أن الله تعالى غرسها بيده مباشرة دون واسطة ملك من الملائكة أو خلق من خلقه ..
و من خصوصيات تلك الشجرة أيضاً بأن نفخ فيها تعالى من روحه كما إختصّ عيسى عليه السلام بتلك المكانة العالية ، لكن روح عيسى عليه السّلام هي من روح الله بينما شجرة نطفة فاطمة من روح الله..
فمن هذه الأحاديث الشريفة نفهم عدة مسائل عظيمة منها :
– إن الزهراء صلوات الله عليها لم تكن في صلب أدم كما بقيّة البشر ، بل إن النبي تناول نطفتها مباشرةً من يد الله إلى صلبه ..
– إن تلك الثمرة المقدّسة لم ينزلها جبرائيل إلى الأرض و يطعمها النبي صلوات الله عليه و آله في الأرض ، مع أن القرآن الكريم كان يتنزّل على النبي من خلال جبرائيل إلى الأرض ، بينما نطفة فاطمة النبي صلوات الله عليه و آله عرج إلى السماء بروحه و بدنه ليتناول ثمرة نطفة فاطمة صلوات الله عليها .
– إن الشّجرة التي حملت في ثمرها نطفة فاطمة صلوات الله عليها حملت أيضاً كل نعيم خلق الله لشيعة فاطمة و محبي فاطمة في الجنة ، فإذا كان هذا أثر شجرة نطفة فاطمة فما تصنع الزهراء صلوات الله و سلامه عليها مع شيعتها و محبيها عند الاحتضار و في القبر و في المحشر … ؟!
تأملوا إخوتي ، فإن كان هذا مقام الزهراء عند الله في عالم التراب و الناسوت و هو أسفل العوالم و أخسّها !!