……((( الأعـــــلمــــــية من منظور سماحة السيد الهاشمي (مدظله الشريف) )))…….
لابد من تحديد مفهوم الأعلمية.
إننا كنا ولا نزال نستخدم مصطلح “الأعلمية” في معنى ليس بالمعنى الدقيق لها، إنها استعملت ولا تزال في معنى رائج ودارج ولكنه ليس بمعبر عن حقيقتها وواقعها. مضافاً إلى أن الأعلمية لم ترد في آية قرآنية ولا رواية ولا أنها مصطلح فقهي لدى الفقهاء حتى يكون لها تعريف محدد لديهم، خاصة في الكتب الفقهية القديمة، وإنما هي نتاج التحقيقات الأصولية، والتعمق والتوسع الحاصلين في علمي الأصول والفقه فظهرت الأعلمية وطرحت في بحث الاجتهاد والتقليد.
وعمدة دليل وجوب تقليد الأعلم الذي يفتون به أو يفتون بالاحتياط ـ كما هو الغالب ـ ليست دليلاً لفظياً، بل هو بناء العقلاء. ويكون هذا البناء في خصوص مورد العلم بالتعارض بين الفتاوى، وإذا لم يحصل العلم بالتعارض، لما وجد بناء للعقلاء على ترجيح الأعلم، بل يرجعون إلى أي واحد منهم، ولكن إذا حصل علم بالمخالفة بين خبيرين أو أهل الخبرة أو بين العلماء تم ترجيح الأعلم على غير الأعلم.
فعمدة دليل الأعلمية هو بناء العقلاء حيث استند إليه بعض الفقهاء المتأخرين وأفتى على نحو الاحتياط الوجوبي بتقليد الأعلم.
ولكن مع ذلك لابد من تبيين معنى الأعلمية. إنني أذكر موضوعين على صلة وارتباط بالأعلمية، هما:
الأول: إن الأعلمية المعتمدة في الترجيح لدى العقلاء المنوطة بالكمية هي الأعلمية الواضحة بأن يكون التفاوت بين الأعلم وغيره بيّناً وفاحشاً ومعتداً به، وأما إذا كان العالمان من مدرسة واحدة وتلقّيا مباني واحدة وتتلمذا عند استاذ واحد ولكن قرأ أحدهما كتابين أكثر أو أقل من الآخر أو بذل أحدهما جهداً أكثر بمقدار ساعتين أو أقل رغم اشتراكهما في منهج البحث والاستدلال والتعمق والمدرسة العلمية والعصر العلمي، فمثل هذا التفاوت البسيط لا يبعث على الترجيح في التقليد حتى لدى العقلاء.
نعم إذا كانا من مدرستين بينهما فارق كبير، أو لكل منهما مشرب فقهي بينهما بون شائع؛ كما لو كان أحدهما من طلاب مدرسة صاحب الجواهر والآخر من طلاب الشيخ النائيني الذي استفاد من بركات وتحقيقات الشيخ الأعظم الأنصاري ومن بعده من المحققين الآخرين أمثال صاحب الكفاية والميرزا الشيرازي، لقلنا بأن الفاصل كبير بين ما كان وما يكون، ولأمكن القول بأن مثل هذا الفاصل يوجب الترجيح والأعلمية لدى العقلاء في التقليد.
أما إذا كانوا من مدرسة واحدة ومن عصر واحد ومستوعبين للمباني الأصولية والقواعد الفقهية والأدلة الفقهية حسب دقتها وعمقها وسعتها وحتى أنهم كانوا تلامذة لدى استاذ واحد، وخلاصة الكلام كانوا أبناء مدرسة واحدة وكانوا من أهل الفضل والعلم والاجتهاد فليس من المعلوم أن العقلاء يعبأون بالفوارق البسيطة ويتمسكون بالأعلمية.
عوامل أخرى في الأعلمية
الثاني: لا يكون تعريف الأعلمية ما يقال من بذل الجهد في أبحاث علم الأصول أو القواعد الفقهية أو الفلسفية أو علم الرجال أو ما أشبه ذلك أكثر وله ابتكارات علمية وما شابه ذلك، إن هذه العلوم تشكل جانباً من الأعلمية، ومن الممكن أن يكون لها دور في الأعلمية فيما إذا كان لها تأثير وانعكاس على البحث الفقهي والاجتهاد مع العلم بأن مثل هذه الأبحاث عادة ليست بكثيرة.
لابد أن نعرف العوامل ذات التأثير في الاستنباط الفقهي حيث يكون لجميعها دور في الأعلمية. أريد أن أقول أنه بالنسبة إلى الفقيه والمجتهد المطلق الخبير بالفقه في زماننا هذا بل في الأزمنة السابقة، مضافاً إلى دور ما نسرده من العلوم في الاجتهاد مثل علم الرجال وعلم الأصول وعلم الحديث والأبحاث الفقهية والأصولية الدقيقة من مسائل الترتب والتزاحم ومقدمة الواجب والمشتق وأمثال ذلك مما ليس لأكثره تأثير في الفقه، مضافاً إلى ما له تأثير في الفقه مما تقدم، توجد علوم ومعارف أخرى إلى جانب هذه لها دور في الأعلمية وهي عندي ذات تأثير كبير في أعلمية المجتهد في اجتهاده الفقهي في المسائل التي يريد أن يستنبطها. وهي على ما يلي:
منها: فهم روح الإسلام، وهو في اعتقادي أمر مهم، ويحصل الإنسان عليه إثر الإحاطة الدقيقة بالآيات القرآنية والضروريات الدينية والمسلمات الإسلامية والأوليات الفقهية، والإلمام الكامل بما نفذه النبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع) وخاصة معرفة واسعة لحياة النبي والإمام علي بن أبي طالب حيث كانا مبسوطي اليد ومسؤولين عن الحكومة حتى نعرف كيفية تطبيق الأحكام الإسلامية وتنفيذها. ولابد من معرفة دقيقة بسيرة النبي وأهل بيته والأئمة الأطهار لتحديد الأمور التي كانوا يولونها اهتمامهم والأمور التي لا يولونها الاهتمام، فمن مجموع هذه المواقف يستطيع الإنسان أن يدرك القضايا المهمة في الإسلام والأولويات فيه.
وباعتقادي أن هذا الأمر كان مما امتاز به الإمام الخميني، حيث كان له في هذه القضية إدراك جيد ودقيق، وبسببه انطلق رضوان الله تعالى عليه من بحث بسيط جداً في المكاسب(٩) وهو أن ولاية الفقيه على أموال الأيتام والقاصرين والمحجور عليهم، مثل ولاية الأب والجد، انطلق رحمه الله إلى الحكومة الإسلامية. ولولا ذلك الفهم لواقع الإسلام وحقيقته، وإن النبي والأئمة الأطهار المعصومين إنما بُعثُوا لأجل إقامة الحكومة، وجاهدوا واستشهدوا لأجل تشييد الحكومة ولولا فهم روح الإسلام ولولا استيعاب الدقائق والرقائق الأخرى من الآيات والروايات وحياة النبي والأئمة الأطهار وحركة النبي وأهل بيته لما انطلق من تلك المسألة البسيطة إلى استنباط تلك المسألة المهمة واستخراجها.
إن أعلمية الإمام تأثرت بمجموع ما تقدم، إنها لم تأتِ بسند جديد للمكاتبة، ولم تأتِ لها بدلالة أخرى، ولكن عندما درس تلك المكاتبة على ضوء تلك النظرات الثاقبة وتلك الاستنتاجات وتلك الإدراكات، تغير التفسير لها والاستظهار منها وأوجب فهماً جديداً.
لابد وأن يكون الاستظهار من الروايات من خلال القرائن اللبيّة واللفظية والتاريخية وعصر الصدور والمعصوم الذي تحدث والظروف التي كانت سائدة، فإذا كان الاستظهار كذلك كان سليماً وصحيحاً، وإلا كان استظهاراً خاطئاً، استظهاراً ميتاً، استظهاراً لا روح فيه، استظهاراً بعيداً عن واقع الحكم الشرعي الإلهي، رغم كون علم أصول فقه هذا المستظهر المجتهد جيداً، فأي أعلمية هذه عندما يكون الاستنباط والاستظهار كذلك؟ وعليه تكون هذه القضية (معرفة روح الإسلام من خلال معرفة الظروف والقرائن) ذات تأثير في الأعلمية.
ومنها: فهم الثقافة والأمور الفكرية والحقوقية المعاصرة إلى حد ما. ففي اعتقادي أن هذا الموضوع أيضاً له تأثير كبير في الأعلمية والاستنباط الأفضل في المسائل المستحدثة، أو المسائل القديمة التي تطرح على المجتمع في صور جديدة، ويبتلى بها المجتمع في شكل جديد، مثل مسائل البنك، ومسائل الاقتصاد الإسلامي، ومسائل القضاء في الإسلام، والكثير الكثير من المسائل الأخرى المهمة التي يواجهها الإنسان في المجتمع الذي يريد أن يطبق فيه فقه الإسلام، وهذه المسائل الفقهية وإن لم تبلغ من حيث الكمية قدر المسائل الفرعية في الطهارة والصلاة وأمثالها، ولكن عدم الإلمام بالمسائل اليومية، وآراء الخبراء في الموضوع قد يلقي بظلاله على المفهوم في بعض الأحيان. إن عدم الإلمام بهذه الأمور قد يوجب الوهن الكبير في الاستنباط واستظهار الفقيه في مثل تلك المسائل.
ولا أريد أن أخوض في استعراض الأمثلة الكثيرة على ذلك، ولكن أقول: إن بعض علماء الحوزة المشهورين بالعمق والتدقيق، استظهروا أحكاماً كثيرة في تلك المجالات تخالف الواقع، وعندما تتبيّن تلك المعلومات اللازمة، وتحاط بتلك المسألة يظهر مدى ضعف ذلك الاستنباط، وهذا الأمر في اعتقادي أيضاً مهم جداً.
ومنها: الوقوف على المعارف الصادرة عن أهل البيت المعصومين الأطهار (ع) في المسائل الكلامية والمسائل الأخلاقية والمعارف الأخرى الموجودة في الروايات والمنتشرة في الكتب غير الفقهية، حيث يكون الوقوف على هذه المعارف مهماً جداً. أعتقد بأن الذي ارتبط قليلاً بالأحاديث المضيئة لأهل البيت (ع) واقتصر على روايات كتاب وسائل الشيعة، قد لا يكون استنباطه سليماً ومماثلاً لمن راجع مضافاً إلى روايات كتاب وسائل الشيعة، جميع الأحاديث المروية عن أهل البيت الموجودة في كتب الأخلاق وكتب علم الكلام وكتب العقائد وكتاب أصول الكافي وكتاب إكمال الدين وإتمام النعمة وكتاب الخصال و… الخ، وحاز على معارف جمّة وواسعة.
فالوقوف على ما أسميه بالثقافة العامة للمعارف الإسلامية، خصوصاً ما صدر منها عن أهل البيت المعصومين الأطهار مؤثر جداً في الاستظهار، وفي الاستفادة، وفي معرفة الأدلة، وفي فهم الظاهر، والذي ينقصه هذا الجانب لا يستطيع أن يدرك جيداً ويكون استظهاره من الناحية الفقهية ناقصاً.
فليس الأمر كما يتصور البعض بأن شخصاً إذا درس في الحوزة أعواماً، وأصبح عالماً، وأتقن علم الأصول، وتعمق في بحث الأصل المثبت وبحث مقدمة الواجب وبحث الضد وبعض الأبحاث الفلسفية، صار بإمكانه أن يدعي الأعلمية قائلاً: إن غيري لا يملك هذا التعمق في علم الأصول، إن فهم مثل هذا الإنسان عن الأعلمية يكون ناقصاً جداً.
إن هذه الأبحاث الدقيقة العقلية الأصولية ذات أثر بسيط في الأعلمية وفي الاستنباط وفي صحة الاستظهار، بالمقارنة مع تلك الثقافة العامة للمعارف الإسلامية المأثورة عن المعصوم، حيث يكون الاجتهاد على ضوء هذه المعارف الإسلامية أقرب إلى كلام المعصومين من جهة وأقرب إلى مصادر التشريع من القرآن والسنة، وأقرب إلى الأحاديث وسيرة النبي وسيرة الأئمة وعملهم وسلوكهم وتقريرهم من جهة أخرى.إن تلك الثقافة الإسلامية العامة أقرب إلى كلام المعصومين وإلى معين التشريع، من تلك الأبحاث العقلية الأصولية، من بحث الترتب والمشتق وأمثالهما.
إني أرى بأن من أحاط بالمعارف الإسلامية وأجاد استيعابها وكان فاقداً لتلك الدقائق العقلية الأصولية، يكون أعلم من الذي تيقن الأبحاث العقلية ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامة من المعارف الإسلامية لأن تأثير هذه في الفقه أكبر.
فالأطر التي وضعناها للأعلمية والمقاييس التي ننطلق منها لمعرفة الأعلمية هي ناقصة جداً.
فليس من الصواب أن يتصور من أتعب نفسه في الأبحاث الفنية الأصولية أكثر ثم ألّف كتاباً وأصدر رسالة عملية مثلاً، أنه الأعلم ويتحدى الجميع ويستهتر بالآخرين، إن هذا التصور خاطئ من الناحية العلمية وقبيح من الناحية الأخلاقية.
فلابد من تعريف الأعلمية وتعيين حدودها: إن جميع العوامل المؤثرة في الاستنباط السالم والقوي والشفاف والأقرب إلى واقع الفقه، والرأي المبارك للمعصومين عليهم السلام، هي حدود الأعلمية ومقاييس الأعلمية والمقصود من الأعلمية (بالمعنى الذي أوضحناه)، لأن هذه الأمور تؤثر كثيراً في تقريب الذهن إلى فهم أهداف الأئمة الأطهار وإلى فهم الأحاديث، ويكون دورها في إصابة الواقع الشرعي أكثر من تلك الأبحاث العقلية الأصولية أو الفلسفية، ومن تلك القواعد الأخرى البعيدة بعضها عن مقاصدهم عليهم السلام؛ إذ من الممكن أن هذه الأبحاث الفنية المعقدة تبعث في كثير من الأحيان إلى انحراف الذهن واعوجاجه والتوائه في الاستظهار من الرواية وفهمها.
نماذج في الفقه
إن لما قلناه نماذج كثيرة في الفقه. لقد كان بعض الفقهاء ينتقد زملاء له بأنهم متأثرون بالأفكار الفلسفية ولا يفهمون الروايات ويكن استظهارهم عن الروايات مغلوطاً. والذي يتمعن في الفقه يعي هذا الموضوع جيداً.
لقد كانت مدرسة المحقق الوحيد البهبهاني تعترض وتناقش المحقق الأردبيلي بأنه بدأ حياته العلمية بدراسة الفلسفة ثم عرج على دراسة الفقه، فتكون مناقشته ـ المحقق الأردبيلي ـ للأحاديث الفقهية منبعثة من الخلفية الفلسفية، فتصدى المقدس الوحيد البهبهاني لمعالجة تلك المناقشات، وبذل جهداً كبيراً للإجابة على الاعتراضات التي أوردها المحقق الأردبيلي في القضايا الفقهية، وتكون إجابات الوحيد البهبهاني أولاً حسب المنهج العلمي العقلي، وثانياً على ضوء ما استفاده من الروايات واستظهره من بطن الفقه، لأن منهج الوحيد البهبهاني الذي كان يعتمد عليه هو الركون إلى الروايات والاستظهار منها، كما هو ديدن الفقهاء أيضاً. ولابد من الإشارة إلى هذا الأمر في تاريخ الفقه.
فما يتخيله بعض الفقهاء بعد أن يدرس الأصول والفلسفة ويتعمق فيها، بأنه أصبح أعلماً في مقدمات الاجتهاد، وأنه أكثر شخص بذل جهده فيها فيكون استنباطه أفضل، إن هذا التخيل خاطئ في كثير من الأحيان؛ إذ قد يصير اجتهاده أبعد عن الواقع نتيجة تأثره الذهني المسبق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة جديدة في ولاية الفقيه لسماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي (حفظه الله تعالى)
