إن وقوع الانحراف بين العلماء وارد وليس مستغرب، وإن استغراب حدوث هذا الأمر هو المستغرب، فالانحراف بين العلماء ليس مستحيلاً وهو ما تؤكده الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في هذا الجانب، حيث اشار القرآن إلى امكان وقوع هذا الانحراف، قال تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) والزيغ في هذه الآية هو الانحراف، وهذا دعاء الراسخين في العلم، وقال سماحته: ارجعوا لسياق الآية الكريمة: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ). وإن القرآن حدثنا بأصناف وصور الانحراف لشخصيات كبيرة وذات شأن عظيم مثل إبليس الذي كان من رموز المتعبدين في الجنة، فقد ورد في الرواية: (وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة) وآخر أمره أصبح رمزاً من رموز الضلال وملعوناً.
ومثال آخر على الانحراف: بلعم بن باعوراء، الذي بلغ درجة عالية من القرب من الله حتى أصبح عنده علم الإسم الأعظم. وأما مقامه العلمي فقد تخرج على يديه (12000) عالم درسوا عنده التوحيد والعقيدة، ثم يقول عنه القرآن: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ).
وكذلك هي الحال لأحمد بن هلال العبرتائي، وهو من أصحاب الإمام العسكري –عليه السلام- وقد بلغ مقاماً علمياً ومقاماً رفيعاً في القرب من الله، فقد كان عابداً زاهداً وحج ما يقارب العشرين حجة ماشياً على قدميه، وكان يخرج للصحراء ويعبد الله حتى أن الوحوش أصبحت تستأنس به. وأما علمياً، فقد كان في مقام المرجعية يرجع إليه الشيعة ويستفتونه في الأمور الفقهية، وفي آخر عمره خرج توقيع من صاحب الأمر –عجل الله تعالى فرجه الشريف- يلعنه ويأمر بالتبرئ منه، ولما بلغ الإمام خبر وفاته، قال –عجل الله تعالى فرجه الشريف-: (حتى بتر الله بدعوتنا عمره، وكنا قد عرّفنا خبره قوماً من موالينا في أيامه -لا رحمه الله- وأمرنا بإلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال، لا رحمه الله ولا ممن لا يبرأ منه). ولما خرج خبر لعن الإمام –عجل الله تعالى فرجه الشريف- لابن هلال، راجع الشيعة السفير الثاني محمد بن عثمان العمري في ذلك لأنهم لم يصدقوا لعنه، فأراهم اللعن.
وقال سماحته: و اﻷمثلة كثيرة أمثال (الشلمغاني) وغيره، فوقوع اﻻنحراف بين العلماء ممكن وليس مستغرباً، بل المستغرب هو هذا الاستغراب، وقال: إذا كان انحراف بعض العلماء قد وقع في زمن اﻷنبياء و المعصومين –عليهم السلام- فكيف يكون مستبعداً في زماننا؟!