الموت حق على جميع ما خلق الله تعالى , حتى أشرف الكائنات يخاطبه الجليل عجل الله فرجه بقوله: ( إنك ميت وإنهم ميتون ).
ومن مميزات أولياء الله تعالى أنهم يعدون العدة لتلك الساعة , ويتهيئون لها , ولا يتركون صغيرةً أو كبيرةً من الأمانات إلا أدوها إلى أصحابها , فيرحلون إلى بارئهم بنفس مطمئنة راضيةً مرضيةً.
ومن أعظم الأمانات التي كلف الله بها مراجع وعلماء زمن الغيبة الكبرى لمولانا صاحب العصر والزمان ( أرواحنا فداه ) هم أيتام آل محمد عليهم السلام , الذين حجب عنهم إمامهم عليهم السلام , وأمروا بأن يرجعوا إلى كل مجتهد توفرت فيه شروط المرجعية والتقليد , حتى يأخذوا من مسائل حلالهم وحرامهم , وأحكام معاملاتهم.
ولقد دأب الكثير من مراجعنا ( رحم الله الماضين منهم , وأيد وسدد الباقين ) قبل موتهم على أن لا يتركوا مقلديهم في هرج ومرج تتقاذفهم الفتن من كل جانب , لا يدرون من يرجعون إليه بعدهم , وعلى الخصوص أولئك البسطاء والعوام الذين لا يستطيعون تشخيص من تتحقق في الأهلية من غيره.
ففي سير العلماء الربانين , نجد أن حياتهم لا تخلوا من الإشارة إلى من يرون فيه الأهلية من بعدهم , سواءً كان من نظرائهم من العلماء العاملين , أو كان من تلامذتهم المقربين , أو حتى من أبنائهم الذين جهدوا على تربيتهم وتهئيتهم لهذا التكليف الإلهي العظيم.
وكم رأينا وسمعنا عن الكثير من أولاد المراجع قد وصلوا لمرتبة الإجتهاد وتأهلوا لمنصب المرجعية , إلا أنهم لا يقبلون برجوع أحد إليهم ما دام آبائهم على قيد الحياة , احتراما وإجلالاً لهم.
والأسرة العلمية التي يتخرج أبناؤها مجتهدين بامتياز من مدارس آبائهم لأسرة بفتخر بها , ويضرب بها المثل , ومن الظلم والعيب اتهامها وانتقادها بكونها مرجعية وراثية , فلو لم يكن الخلف متمتعاً بمؤهلات المرجعية كأسلافه , لكان التقى والورع حاجباً عن الإشادة به والإشارة إليه ليتحمل هذه الوظيفة المقدسة.
وهاهو مولانا المعظم خادم الشريعة الغراء قدس سره يدفعه الخوف على مقلديه من تشتت كلمتهم , وتفرق وحدتهم , ويؤدي هذه الأمانة إلى من رآه وعرفه وصنعه بيديه , وجهد في تربيته العلمية والعملية , واستيقن من اجتهاده ولياقته لشؤون المرجعية قائلاً:
( أوصيكم بعدي إذا تفضل علينا وعلي بعمر طويل لولدي العزيز ميرزا عبدالله , الذي لقبه الإمام المصلح في زمان حياته ب الفقيه الرباني , والحكيم الإلهي , وهو في الواقع فقيه وحكيم , هو عارف بفضائل أهل البيت , وهو جامع للفقه والحكمة.
وأنا أوصيكم – إن أبقاه الله تعالى بعدي – بهذا الولد المجاهد العارف العالم أن تقلدوه , وهو حافظ للأمانة إن شاء الله , ويجعلها في محلها , وإن تفضل الله تبارك وتعالى علينا بالعمر نحن في خدمتكم إلى آخر العمر.
خليفتي عليكم هو ولدي ميرزا عبدالله الإحقاقي , هو الفقية الرباني والحكيم الإلهي , حفظه الله وأبقاه , بحق محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ).
ولم تكن هذه الوصية ب ( الخلف الصالح , وحامل لواء المرجعية ) الأولى من نوعها , بل إن خطاباً مطولاً لسماحته قدس سره كتبه استجابةً لمن سأله من مقلديه عمن يخلفه بعد وفاته بالنسبة إلى أمر المرجعية فكان مما كتب قدس سره:
( أقول: إن المراجع – ولله الحمد – كثيرون ي مختلف البلاد , وأما من أرشحه للقيام بهذا الأمر العظيم , هو ولدي وقرة عيني , وحامل لعلومي وعلوم مشايخي , وأبي وأجدادي ” رضوان الله عليهم ” سماحة ميرزا عبدالله الإحقاقي الحائري ” حفظه الله تعالى ” وجعلني من كل سوء فداه ” فقد وصل بحمد الله من العلم والعمل والتقوى والعدالة إلى درجة يستأهل أن يكون نائباً من نواب إمامنا الحجة عليه السلام وعجل الله فرجه الشريف , ومرجعا دينياً وخليفة وصاحب والأمانات بعدي , وهو مجتهد مطلق , وتقليده فخر ومفخرة للمؤمنين والمؤمنات.
وهو حالياً لا يقبل التقليد – وهو أهل لذلك – احتراماً لي ما دام بقائي في الحياة الدنيا , وقد لقبه الإمام المصلح مرجعنا الراحل ” رحمة الله عليه ” ب ( الحكيم الإلهي , والفقيه الرباني ) وهو الحمد الله يستأهل بهذه الألقاب المحترمة.
وأوصي جميع المؤمنين والمؤمنات سيما المقلدين ” حفظهم الله تعالى ” بعد انتقالي إلى عالم الرحمة , بأن يقلدوه , وأوصيه بأن يصلي على جثماني بعد وفاتي.
فطوبى لمن قلده بعدي , ويعتبر هذا العالم المجتهد استمرار سلسلة المرجعية الإحقاقية الكريمة منذ مأتين وعشرين سنة .. ).
ولا أحسب من رجع إلى هذا المقدس الراحل , وإلى والده الإمام المصلح ( أعلى الله مقامهما ) سابقا , وسلم أمور حلاله وحرامه وأحكام معاملاته غلى استنباطاتهما , أن يظن لحظة واحدة بأن تلك العبارت خرجت منهما على سبيل المجاملة أو المحاباة.
وما امتناع هذا الخلف الصالح عن قبول المرجعية إلى الآن , إلا تجسيد واضح لتقواه وورعه وزهده في ما تكالب عليه آخرون , لكن الأمل لازال موجوداً في أن نحظى بشرف الرجوع إليه في القريب العاجل إن شاء الله.
التقييم التقييم:
١ / ٥.٠
الكاتب: الشيخ راضي السلمان