المفاسد الإجتماعية والأخلاقية للغناء
1- منزلة المغنيين في المجتمع: “وهي في مرتبة هابطة وسافلة من مراتب المجتمع الإسلامي بشكل خاص”، لأن هذا المجتمع منضبط بموازين الشريعة “التي تريد للناس أن يستغلوا وجودهم للأعمال الخيرة المفيدة التي تعود عليهم بالمنفعة في الدنيا وتقربهم من الله في عالم الآخرة”، وكل ابتعاد عن طريقة الإسلام تمثل انحرافاً عن الغاية والهدف المحدد بقوله تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ 17، وهذا ما يجعل منزلة الأفراد الذين ينطلقون في الحياة بأعمال مخالفة في المراتب الدنيا، والمغنون هم من هذه الفئة.
رابعا: المفاسد الإجتماعية والأخلاقية للغناء:
لا بد هنا من التأكيد على مسألة مهمة وهي أن “المجتمع الإسلامي هو مجتمع هادف” على حسب الطريقة الإلهية لكيفية الحياة، والتي بينها الله عز وجل من خلال تشريعات الإسلام وقوانينه، وبالتالي فإن كل ما يكون مبتعداً بالمجتمع عن كونه هادفاً قد سدّت الشريعة السبل في وجهه لمنعه من الظهور بين المسلمين حتى لا يؤدي وجوده وانتشاره إلى الانحراف عن الصراط المستقيم الذي أوضحه رب العزة بقوله ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ 17.
من هنا، فالإسلام يريد من أتباعه أن يستغلوا وجودهم للأعمال الخيرة والمفيدة التي تعود بالمنفعة عليهم في الدنيا وتقربهم في الوقت ذاته إلى الله في عالم الاخرة، وهذا هو الأمر الذي يحدد موقعية الفرد في المجتمع الإسلامي دون غيره من الموازين الأخرى التي قد لا يتلاءم بعضها مع المبدأ الإسلامي في التفاضل وهو “التقوى”.
وبالرجوع الى قضية “الغناء”، نجد أن الإسلام يجعل مرتبة المغنين في درجة هابطة ودنية من درجات المجتمع الإسلامي، لأن هؤلاء هم أحد العوامل المشجعة على إشاعة أجواء الفحشاء والمنكر بين الناس المسلمين خاصة والمجتمع البشري عامة.
وبنظرة إلى الاحاديث الواردة في هذا المجال تعطينا الجو المراد الايحاء به من خلالها، كما ورد عن الإمام الصادق”عليه السلام” أنه (سئل عن السفلة؟ فقال”عليه السلام” من يشرب الخمر ويضرب بالطنبور)، وعن النبي صلى الله عليه وآله: (لا تبيعوا القيناث، ولا تشتروهن، ولا تعلمونهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام18) وسئل الإمام الرضا”عليه السلام” عن شراء المغنية فقال”عليه السلام”: (قد تكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلا ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار19).
وكما نهى الإسلام عن التعامل مع هؤلاء المغنين نهى عن التعامل مع كل الذين يمثلون هذه الأجواء، حتى لا يتسع نطاق التلوث الأخلاقي في المجتمع، وليكون ذلك مدعاة لأولئك للعودة عن الإنحراف الذي هم عليه، وذلك كما في الحديث عن أمير المؤمنين”عليه السلام” (…ستة لا ينبغي أن يسلم عليهم وذكرهم ومنهم: أصحاب النرد والشطرنج، وأصحاب الخمر، والبربط والطنبور، والمتفكهون بسب الأمهات20).
فالله سبحانه يريد للمجتمع الإسلامي خاصة أن يكون ملتزماً واعياً لأهدافه ومتجنباً عما يبعده عن القيمة المعنوية الكبيرة للحياة الإجتماعية ومضامينها الأخلاقية والروحية التي هي أكبر من المتع الرخيصة ومنها لذة الغناء التي تهدر الوقت الثمين الذي يمكن الاستفادة منه في المجالات الأخرى النافعة دينياً ودنيوياً.
ولاشك بأن الله إذا حرم شيئاً فان تحريمه ناتج عن وجود مفسدة فيه للإنسان في حياته الدنيا، مضافاً إلى أن الاجتراء عليه موجب للعقاب في الآخرة، ويكفي النظر في عالم اليوم الذي نعيش لندرك المخاطر والمفاسد الاجتماعية والأخلاقية الناجمة عن الغناء، من خلال ما نرى ونلمس التجاوز والتعديات لحدود الله في الحفلات الماجنة التي يحضرها آلاف من الشبان والفتيات الذين تأخذهم نشوة الغناء ولذته، مما تدفع بهم بالتالي الى الإثارة وما ينتج عنها من الاستهتار بالقيم والمثل الإنسانية ونشر الفساد والرذيلة في أوساط المجتمعات.
ويكفي الغناء مفسدة أنه أحد مورثات النفاق ومكوناته كما يقول الحديث عن الإمام الصادق”عليه السلام” (الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر)،21 وكذلك هو نحو عبادة الشيطان كما يقول الامام ابو جعفر”عليه السلام” في الحديث(من أصغى الى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)22.
لهذا، فإن تحريم الغناء يأتي ضمن الرؤيا الإسلامية الشاملة لحياة الإنسان التي يريد لها الله أن تكون مليئة بالعطاء الإنساني الإيجابي الذي يقدم للبشرية كلها ما ينفعها في مسيرتها، وما يزيل من أمامها العقبات المانعة من التوجه نحو المعبود الحقيقي وهو(الله) سبحانه وتعالى.
والحمدلله رب العالمين23.