باسمك المقدس , يا واهب الوجود , أزين الصفحة الأولى من رسالة الإنسانية , وقد شدني الشوق للقاء المحبوب إلى سلوك طريق الحق والحقيقة في أتم النشاط .
ها هو جمالك الفتان الذي سخر روحي القوية بجاذبيته الإعجازية , وها هو حسنك الأخاذ الذي ضمن وجودي بتجليه الوديع .
إن فؤادي ينظر إليك بعين البصيرة , وقلبي يسمع نغمك الربوبي في كل آن , لقد دنس هؤلاء الفلاسفة , ذوو النظرة القصيرة , الجمال الطبيعي والحسن الأصيل لمعرفة الله بغبار الاستدلال , وبذلك أسدلوا من البراهين الفلسفية والمنطقية حجابا على أنفسهم دون الحقيقة .
أيها الغافلون ! الذين قصرتهم هممكم على الصغرى والكبرى , ورحتم تنتظرون النتيجة , متى قويتم على النظر إلى جمال الباري تعالى , وأنى لكم بمشاهدة أشعة كبرياء الملك العدل الذي بيده أزمة كل شيء ؟!
كيف يمكن للجمال الطاهر أن ينظر إليه بعين غير طاهرة ؟! وأنى يتسنى الوصول إلى ذلك النور البسيط بتركيب العقل ؟!
إن معرفة الشمس الساطعة التي غمرت العالم بضيائها لا تفتقر إلى دليل وبرهان . وأنتم لا ترون غير المنطق الذي هو أداة مصنوعة بيد الفكر البشري والخيال الآدمي شيئا . إنكم لا تملكون مرآه غير البرهان الذي هو نتيجة مجموعة من أوهام المخلوقين .
تعالوا نرفع هذا الحصار الحديدي الصلب ! حتى ندرك – معاينة – بالقلوب الطاهرة أشعة الأنوار الخالدة .
تعالوا نتحرر من حيرة الجدل الفارغ , ونترك الصخب والضوضاء , انظروا بعين الفؤاد , وتصفحوا الوجود بالبصيرة , وشاهدوا تلألؤ شمس الشموس على صفحات الكون وعالم الخالق .
إنكم تتصورن الإله – المجهول لديكم – في أبعد زوايا الإمكان , حيث تظنون أنه ينبغي – لمعرفته – أن تعبروا من الدهاليز الملتوية للفلسفة , وتـقطعوا الأزقة الضيقة للمنطق , حتى تصلوا إليه .
أف لكم !
حين أتصفح كتاب الآفاق أراه جامعا لفضائله , وشاهدا لجماله .
هذا الكون الفسيح الذي رسمت رموز التوحيد بحروف فضية ونقاط وهاجة ….
وهذا الفضاء اللامتـناهي الذي يقوم ممثلوه السماويون برقصات فنية , وغمزات ساحرة , في حركات دائبة وسريعة , وهياج مستمر , حول محور الوحدة …
ألا يكفي كل ذلك شاهدا على اليد العظيمة القادرة في عالم الوجود ؟!
عفوا , فقد أخطأت …
ذلك أن تجليات ذلك الشاهد الجذاب , والملك الخالق المهيمن لا تترك مجالا للإلتفات إلى هذه المرائي .
وأنتم أيها المساكين !!!
لا تذهبوا بعيدا , تعالوا وانظروا إلى حقائق الآفاق في إطار حقيقة ذاتكم , فإن مرآة الذات الإنسانية تعكس جمال الباري الذي صور الإنسان بصورة أصفى وأجلى , وإن عين البصيرة تشاهد قوام المحبوب الأخاذ أوضح من أي عين أخرى .
يا إلهي ….
لقد عجنت طينتي الطاهرة بحبك منذ أن خلقتني , وعرفت البلبل الغريد لحقيقتي بألف اسم واسم من أسمائك الحسنى . والآن رغم مرور السنوات الطويلة , أشكرك يا إلهي على أن طبعي الهرم لا يزال فتيا في طريق عشقك الفتان , وعلى أن شجرة محبتك ومعرفتك لا تزال ضاربة بجذورها في أعماق وجودي , تنشر أغصانها الوارفة , وتتفتح أوراقها الخضراء , فتمد بالثمار الطيبة والفواكه الناضجة .
انظر , كيف تحوم حمامة روحي حول شجرة الطور . تحط كل حين على غصن مشع بالأنوار , تطلق الضحكات , وتغرد بالألحان , وتحكي عن وحدانيتك وكبريائك القصص والحكايات .
إن المتبجحين بحبك سلكوا جميعا الطريق الملتوية , وأطلقوا الآهات والحسرات … أما أنا فأحكي- كالبلبل المتعلم حديثا – نغمة وصالك بابتسامة مرضية , وألحان خلابة , وأتقدم كفراشة ماهرة , في صمت وهدوء , لإحراق ريشة أنانيتي في لهيب العشق , والفناء .
يا واهب الوجود , ليس عجيبا أن تمنح الهدهد الحقير جناح جبرئيل , أو تهب النملة الضعيفة ملك سليمان . أجل , فأية قيمة للقصور الفخمة والعمارات ناطحة السحاب تجاه طبعي المحلق والمستقر قي ( القصر المشيد ) لمعرفتك … تلك العمارات التي شيدتها يد المجرمين المغرورين بقدرتهم . وليت شعري ! أية قيمة للكنوز الملأى بالذهب والفضة , التي يمتلكها عدد من البخلاء المتظاهرين بلباس البشر في قبال الثورة العظيمة التي أمتلكها حيث أملك أعظم الأحجار الكريمة في الوجود وهو استشعار حبك في قلبي .
وعيني التي لا يرضيها إلا النمط العالي , والتي اعتادت على النظر إلى الحبيب , وهو مستغرق في الجمال والكمال , هل يقنعها الغول الممتلئ أنانية وغرورا ؟!
أيتها الحقيقة المطلقة !!
حيث أجدك , فليكن العالم كله مجازا , وحيث أرتبط بسلاسل حبك , فلتتناثر حلقات السلاسل الأخرى التي تشدني إليها وتمنعني عنك .
ويا قاهرا الوجود , والمهيمن على كل شيء !!
لقد تجاوزت عناياتك لي وألطافك في حقي عن حد الإحصاء , فما أكثر ما تملأ زوايا صدري من نور أسمائك , وصفاء صفاتك , وتملأ أعماق قلبي من الأفـراح والمسرات , خصوصا عندما أمسح يد الحنان على رأس يتيم , أو أمد يدا لإغاثة بائس مسكين , أو أرشد طالبا حائرا إلى حمى الحبيب , أو أنقذ ضالا إلى الصراط المستقيم .
وبين الفينة والأخرى حيث أخلو إلى زاوية متذكرا وجه الحبيب , ترفع ستار الإثنينية فجأة , فتشرق آيات جمالك محرقة حصاد أنانيتي , وإذا بذاتي المشتعلة في هذا الهيام تتحول إلى كومة رماد …..
هنا تسود الوحدة في ظاهري وباطني , وتلهج جميع ذرات جسمي وروحي في طرب وألحان جذابة قائلة : سبحان ربي العظيم وبحمده .
رسالة الإنسانية
للإمام المصلح والعبد الصالح الميرزا حسن الحائري الإحقاقي قدس الله سره