أتهم الشيخ الأحسائي بالغلو في الأئمة المعصومين عليهم السلام , لاعتماده على ما ورد في أخبار تدل بظاهرها على التفويض , ولا بد في سبيل معرفة وجهة نظر الشيخ في هذه المسألة أن نقدم هذه المقدمة حتى يسهل على القارئ الكريم فهم المقصود , والتوصل إلى نفي التهمة الباطلة , والله الموفق.
المراد من التفويض اصطلاحا هو: أن تنسب جميع الأفعال أو بعضها إلى الخلق على طريق الاستقلال , ولا شك ولا شبهة أنه بهذا المعنى – في حق المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام – كفر وشرك بالله , كما قال جمع من الغلاة: إن الله خلق محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ثم فوض إليه خلق الدنيا , وهو الخالق لجميع مافيها مستقلا.
وقال جمع آخر منهم القول عينه في حق أمير المؤمنين عليه السلام.
وقالت طائفة أخرى ذلك القول في حق الخمسة: ( سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وعمرو بن أمية ) وهم المخمسمة.
والأخبار الواردة في بطلان التفويض والنهي عنه مصاديقها الطوائف المذكورة , وهم القائلون بالتفويض على نحو الاستقلال.
ذكر الشيخ الصدوق قدس سره في عقائده: ( اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله عز وجل , وأنهم شر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحررورية , ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلة …… ).
وقال الشيخ المفيد في شرحه لكلام الصدوق الآنف الذكر:
( الغلو في اللغة هو تجاوز الحد عن القصد , قال تعالى: ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) فنهى عن تجاوز الحد في المسيح , وحذر من الخروج عن القصد في القول , وجعل ما أدعته النصارى فيه غلوا لتعديه الحد على ما بيناه.
والغلاة من المتضاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام إلى الألوهية والنبوة , ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد , وخرجوا عن القصد , وهم ضلال كفار , حكم فيهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالقتل والتحريق بالنار , وقضت الأئمة ( عليهم السلام ) عليهم بالكفر والخروج عن الإسلام ……. والمفوضة صنف من الغلاة , وقولهم الذي فارقوا به سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم , ونفي القدم عنهم , وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم , ودعواهم أن الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة , وأنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال ).
ومن خلال ما تقدم يظهر بوضوح أن التفويض الذي ورد النهي عنه في الأخبار , وحكم بكفر قائله العلماء الأخيار , هو التفويض عن طريق الاستقلال , لا ما ذكرنا من التفويض الصحيح: وهو تصرفهم في ملك الله سبحانه وممتلكاته بأذنه ومشيئته وإرادته.
والعجيب أن الناس إذا قيل لهم: إن ميكائيل يقسم الأرزاق وعزرائيل يقبض الأرواح , وجبرائيل يخلق , وإسرافيل يحيي وينفخ الروح بإذن الله لا يستوحشون من ذلك , وإذا قيل ذلك في الأئمة يسارعون في الإنكار ويرمون من يعتقد به بالكفر , مع أن الملائكة التي نسبت إليها هذه الأفعال خدم لمحمد وآله عليهم السلام كما هو صريح الأخبار.
ولذلك لا بد من التمييز بين نوعين من التفويض:
الأول: التفويض بالاستقلال , وهو باطل وقائله كافر.
والثاني: التفويض في أمر الخلق والدين بإذن الله , وهو حق ولا ضرر يترتب عليه …. فمعنى ( فوض إليهم الأمر ) أن كل ما أرادوا فعله لهم , وأجراه على حسب إرادتهم , والعلة: أنهم باستقامة عقولهم واستواء فطرتهم لا يشاؤون إلا ما هو محبوب له تعالى ومراد له , كما ورد في التوقيع عن الحجة ( عجل الله فرجه ): { إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق , لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). فأما الأئمة عليهم السلام فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق , ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم , وإعظاماً لحقهم ).
وقد بين الشيخ الأحسائي في معنى التفويض الجائز سبعة معان كلها صحيحة , وذكرها في شرح الزيارة الجامعة في فقرة: ( ومفوض في ذلك كله إليكم ) , ونحن سوف نقتصر على ذكر بعض ما قاله تجنباً للإطالة ومن أراد التفصيل فعليه مراجعة ( شرح الزيارة الفقرة المذكورة ).
قال الشيخ رحمه الله: { وأنا أضرب لك مثلاً لهذا المعنى: إذا كان عندك ماء في الأرض , فإذا أردت أن تجريه إلى جهة الشرق , حفرت له في الأرض طريقاً منخفضاً إلى الجهة التي تريد إجراءه إليها على قدر إرادتك , وصرفته إليها , فيجري على حسب ما حفرت له , فهو حين صرفته فجرى , فإنك لم تمنعه مما صرفته إليه , فأنت قد فوضت إليه جريانه في ما صرفته إليه , ولكن هو بنفسه لم يجر , وإنما المجري له أنت بما حفرت له , فكذلك هم عليهم السلام خلقهم الله ( تعالى ) على صورة مشيئته , فمقتضى بنيتهم وفطرتهم الجريان على مشيئته , لأن الأثر لا يخالف في صفته صفة مؤثره , فلا يكون ظل الطويل قصيراً ولا العكس , ولا المعوج مستقيماً ولا العكس , وإنما خلقهم على تلك الهيئة ليجروا عليها , فهو أجراهم على ما يشاء , كما أنك أجريت الماء على ما تشاء , بما صنعت له من هيئة جريانه فيما حفرت له , مع أنه تعالى لم يخلهم في جميع أحوالهم من قبضته كما تقدم.
وكيف يقال بأن هذا تفويض أو أستقلال ؟ !! وأنت لا يقال لك فيما صنعت بالماء حين قدرت له جريانه أنك فوضت إليه الجريان !! مع أن الماء في جريانه ليس في قبضتك , بل هو قائم بنفسه , وإنما حصرته على سبب الجريان.
وهو تعالى حصرهم على سبب ( حسب ) الجريان على إرادته بما خلقهم عليه من هيئة إرادته . ومع هذا لم يخلهم من يده في جميع أحوالهم ووجودهم , وإنما قوامهم وقوام جميع الخلق بأمره تعالى , كقوام الصورة في المرآة بظهور الشاخص ومقابلته , ففهم } .
وقال الشيخ أيضاً: { أنه تعالى خلقهم له لا لسواه ولا لأنفسهم , فجعلهم ألسنة إرادته , ومحال مشيئته , ففي الحقيقة ليس لهم مشيئة , وإنما مشيئتهم مشيئة الله , فإذا شاؤوا فإنما شاء الله , كما قال تعالى: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) , وقال تعالى: ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) , فهو ( تعالى ) يشاء بهم ما شاء , ولا مشيئة لهم , وليس لمشيئته محل غيرهم , وجميع ما يجريه على خلقه من جميع الأشياء فإنما هو بمشيئته تعالى , وهم محل تلك المشيئة , وهم ألسنة تلك الإرادة } .
ويتضح من خلال النصوص المتقدمة أن الشيخ لم يقل إطلاقاً بالتفويض الذي يستلزم الغلو في الأئمة عليهم السلام , والذي اتهمه به خصومه لا أصل له.
نعم قد يفهم البعض ممن لم يمارس كلماته أنه ينسب إليهم عليهم السلام شيء من هذا القبيل , وخاصة حينما يجري كلامه في تنزيه الباري جل شأنه عن الارتباط بالمخلوق , كقوله:
{ إن الله ( سبحانه ) تعالى هو الولي , وهو يحيي الموتى , وهو على كل شيء قدير , قال تعالى: ( هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا ) ثم لما كان الحق تعالى ( جل وعلا ) كنهه تفريق بينه وبين خلقه , متعاليا عن كل مجانسة ومناسبه , لم يمكن للمخلوقات التلقي عنه تعالى والقبول , ولم يمكن أن يكون شيء مفعولا بغير فعل , فأحدث الفعل بنفسه – أي ( ب ) نفس الفعل – والفعل لا يتقوم إلا بمحل ومتعلق , ويجب في الحكمة أن يكون أول ( ما هو ) متعلق للفعل مناسباً ( له ) وقريباً منه وحاملاً له , ومؤدياً عنه , فإن كان بخلاف ذلك كان الفعل والصنع على خلاف ما ينبغي , وخلاف ما ينبغي خلاف الكمال , وخلاف الكمال دليل الحاجة والعجز والجهل , والواقع خلاف ذلك كله , فوجب أن يكونوا عليهم السلام مناسبين للفعل , لأنهم أول متعلق للفعل , وبهم تقوم , كما تقومت استضاءة نور الشمس بالأرض , لأنها متعلق الاستضاءة , فوجب أن يكونوا الواسطة في كل شيء لكل شيء , فللحكمة جعلهم أولياء على خلقه وتراجمة وحيه. والولاية هي: التفويض الحق الذي سمعت , فافهم )
ويفند الشيخ ما عساه يتطرق إلى بعض الأفهام من عباراته المجملة , بأنهم عليهم السلام العلة الفاعلية , حيث يوضح المقصود من أنهم كذلك مجازاً لا حقيقة , كما توهم جمع من المطالعين في كتبه من دون تدبر , قال رحمه الله في فقرة ( وآثاركم في الآثار ) في شرح الزيارة الجامعة:
( وأوصيك وصية ناصح أن لا تستغرب هذه الأشياء أو تنكرها , فإنا لا نريد بذلك أنهم عليهم السلام فاعلون أو خالقون أو رازقون. بل نقول: الله سبحانه هو الخالق والرازق , وهو الفاعل لما يشاء وحده عز وجل , ولم نجعل له شريكاً في شيء , إلا أنا نقول: إنه سبحانه لا يفعل شيئاً بذاته , لتكرمه وتنزهه عن المباشرة , وإنما يفعل ما يشاء بفعله وبمفعولة من غير تشريك , بل الفاعل وحده … ).
إلى أن يقول: { فلو صح عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إنا نفعل شيئاً من ذلك , فليس فيه إشكال , كما سمعت قوله تعالى في عيسى عليه السلام ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) ولا يلزم منه غلو ولا جبر ولا تفويض , ولا شيء ينافي الحق بوجه ما , لأنه إذا ورد شيء من ذلك فمرادنا منه ما ذكرنا أولاً , وهو كمال العبودية والأدلة من الكتاب والسنة جارية على ذلك متواردة فيه , وإنما نتوقف في صحة ورود ذلك عنهم }
ويقصد من قوله: ( وإنما يفعل ما يشاء بفعله … إلخ ) أن الله تعالى لا يفعل بذاته , فهذا يصح على ما أوضحه غير مرة في شرح الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: ( خلق الله المشيئة بنفسها , ثم الخلق الأشياء بالمشيئة ) بمعنى أن الأشياء جميعها مخلوقة بالمشيئة , وهي فعل الله – عند الشيخ – وهي العلة لخلق الأشياء , لا ذاته تعالى.
ونظير هذه الرواية ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة ب ( الدرة ) قال عليه السلام: ( علة ما صنع صنعه , وهو لا علة له ) , وفي موضع آخر من هذه الخطبة يقول عليه السلام : ( وكل قائم في سواه معلول بصنع الله يستدل عليه ) أنظر كيف صرح في هاتين العبارتين أن علة المصنوعات صنعه وفعله لا ذاته !
وبما أن المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام هم محال مشيئة الله , كما جاء في الزيارة الجامعة: ( السلام على محال معرفة الله ) لا جرم ينسب إليهم الفعل مجازاً لا حقيقة , كما أنك تنسب الكتابة إلى القلم مجازاً , لأنه محل جريان المداد , وإلا فالكتابة فعل للكاتب كما لا يخفى.
وهكذا فإن الشيخ بريء مما نسب إليه من القول بالتفويض الباطل.
وكذلك القول بأنه قد تجاوز الحد بالغلو في الأئمة عليهم السلام , كيف يكون مغالياً وهو قد صرح بكفر الغلاة ؟ كما في رسالة شرح التبصرة في ( مبحث نجاسة سؤر الكفار وإلحاق الغلاة بهم ) , فراجع لتتيقن من صحة ما ذكرناه , والحمدلله رب العالمين.
الكاتب: الميرزا حسن فيوضات
المصدر: كتاب مدخل إلى فلسفة الشيخ الأحسائي